حزب “الوحـدة” يطالب بتطبيق الاتفاقات الموقعة بين السلطة الانتقالية و”قسد” والمرسوم /13/، وإقرار دستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا

التقرير السياسي

لشهر شباط/ فبراير 2026

ما زال العنف خياراً تلجأ إليه السلطة الانتقالية في دمشق كلما طالب جزء سوري بحقوق وضمانات واستعصى على الخضوع دون عهود وتوثيق. فخلال أكثر من عام بقليل من عمرها، شنت حروباً على شعبها في ثلاث مناطق بذريعة السيادة وتوحيد البلاد، معتقدة أن الإجبار يمكن أن يصنع الوحدة وليس الحوار والتوافق بين المكونات المتعددة كما تقتضيه الحالة السورية.

في السادس من كانون الثاني ٢٠٢٦، شنَّت قوات الحكومة الانتقالية هجوماً عسكرياً على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، بحجة وجود مسلحين، رغم وجود اتفاقية سابقة موقعة بين مجلس الحيين ومحافظة حلب في ١ نيسان ٢٠٢٥ تقر بوجود قوات أمن داخلي من أبناء الحيين. ثم تطور الهجوم لينتقل إلى المناطق الشرقية حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، متجاهلةً اتفاق ١٠ آذار ٢٠٢٥ الموقع بين قسد ورئاسة الجمهورية، والذي يدعو في بنوده إلى وقف العمليات العسكرية. وقد تسبب هذا التصعيد، وما رافقه من خطاب تحريضي وتعبئة ضد الكرد عموماً، بارتكاب مجازر ونزف المزيد من الدم السوري وإحداث شرخ أعمق بين المكونات، كما تسبب بكارثة إنسانية لأبناء الحيين وعموم المنطقة التي تعرضت للعمليات العسكرية، حيث لا تزال منطقة كوباني محاصرة بالكامل حتى تاريخ كتابة هذا التقرير.

لقد شكلت هذه الأحداث كارثة عسكرية وسياسية وإنسانية تعرض لها أبناء شعبنا الكردي في مناطقه وأريافه وداخل مدينتي حلب والرقة، مع نزوح مئات الآلاف من ديارهم، بعضهم للمرة الرابعة، ناهيك عن عدد الضحايا والمفقودين. كانت هذه الكارثة بمثابة صدمة في وقت كانت سوريا تنتظر الفرج وعودة المهجرين وإعادة الإعمار، وكانت دول العالم تدرس في برلماناتها قرارات الاعتراف بالسلطة الجديدة وتخصص ميزانيات لمساعدتها على النهوض.

اللافت للمهتمين بالشأن السياسي والغيورين على مستقبل الوطن السوري هو الخطاب التحريضي الذي رافق الهجوم العسكري ضد كل ما هو كردي، حتى من قبل أوساط وشخصيات كان الكرد يعولون عليهم في تحقيق الديمقراطية وتحصيل الحقوق، ناهيك عن العنف الذي رافق انقلاب بعض أبناء العشائر على تعهداتهم ومواقعهم وحتى على رفاق السلاح ضمن قسد.

ولا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن المتغيرات الدولية والإقليمية، فقد مثلت مباحثات باريس التي سبقت الهجوم لحظة إعادة ترتيب الأولويات للقوى الكبرى، حيث حصلت دمشق على تفاهمات ضمنية بتأمين جبهتها الجنوبية، مما حرر يدها عسكرياً في الشمال. هذا التحول في المعادلة أدارته واشنطن بتحولها من دعم الكيانات الشبه مستقلة إلى تبني خيار الدولة المركزية، وهو مسار لم يكن ليكتمل لولا الضغط التركي المكثف. فتركيا، التي كانت المهندس الصامت للمسار التفاوضي عبر وساطتها التأسيسية في باكو عام ٢٠٢٥، أدارت بالتوازي مع مباحثات باريس مساراً موازياً لدمج قسد في مؤسسات الدولة، مستثمرة التحول الأمريكي كورقة ضغط. بهذا المعنى، لم يكن التصعيد انعكاساً لصفقة مكتملة، بل لصفقة لا تزال قيد التشكيل، ضمنها الحضور التركي كضامن لعدم تقسيم سوريا، بينما ظلت عناوينها الكبرى، كالتنافس مع إسرائيل والملف الإيراني، مجرد أوراق ضغط وخيارات عسكرية محتملة معلقة لحين اكتمال المشهد.

وفي هذا السياق، كان لا بد من الإشارة إلى الدور المثير للجدل للمبعوث الأمريكي توم باراك، الذي تولى إدارة الملف السوري وأصدر بيانه الشهير معلناً أن مهمة قسد في محاربة داعش انتهت، وأن التحالف سيمنح هذا الدور للسلطة السورية الجديدة. هذا الموقف شكل غطاءً سياسياً أمريكياً للهجوم، وساهم في دفع موازين القوى نحو الحلول العسكرية، وقلب طاولة الحوار التي كانت قائمة.

كان بإمكان تفادي هذه الترتيبات من خلال مؤشرات عديدة، أبرزها ما جرى في التاسع من شباط ٢٠٢٦، عندما استضافت العاصمة الرياض اجتماعاً للمجموعة المصغرة التابعة للتحالف الدولي لهزيمة داعش، والذي ترأسه توم برّاك. وفي هذا الاجتماع، كان لافتاً النظر في بند يتعلق بانضمام الحكومة الانتقالية في سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، الأمر الذي أدى إلى إضعاف دور قسد (قوات سوريا الديمقراطية) وبدأ معه تحويل الملف تدريجياً نحو السلطة الانتقالية في دمشق. وخلال الاجتماع، رحب المشاركون بالاتفاق الشامل المبرم بين الحكومة السورية وقسد، والذي يشمل وقف إطلاق النار بشكل دائم، إلى جانب ترتيبات تهدف إلى الدمج المدني والعسكري لمنطقة شمال شرق سوريا. كما أعربوا عن ترحيبهم بانضمام سوريا إلى التحالف بوصفها العضو التسعين، مؤكدين استعدادهم للتعاون الوثيق معها وتقديم الدعم المباشر لمساعيها وجهود العراق في هذا الإطار. وثمن المسؤولون الدور الذي تضطلع به العراق في مسألة احتجاز عناصر داعش، معربين عن ارتياحهم لتولي سوريا مسؤولية إدارة مرافق الاحتجاز ومخيمات النازحين.

من منظار سياسي موضوعي، لا يجوز تحميل الطرف الآخر كامل المسؤولية وتبرئة الذات. فإدارة الحيين في حلب والقيادة العسكرية للمنظومة كانت من الممكن أن تتجنب الصدام في حلب بسحب مسلحي الأمن الداخلي من الحيين وإعلان ذلك كمبادرة حسن نية ورسالة سلام، خاصة أنها كانت على دراية بالحجم المتواضع لقواتها وسلاحها، وعلى دراية أيضاً بحجم التحشيد والقوات المهاجمة وتسليحها ووقوف تركيا العلني خلفها. كما أن قيادة قسد أظهرت تردداً في استشراف المتغيرات الكبرى التي طرأت على الموقف الدولي، خاصة بعد انضمام الحكومة السورية للتحالف الدولي.

من المهم أيضاً في سياق التقييم الإشارة إلى استفراد قيادة قسد بعملية التفاوض والاتفاقيات دون الرجوع إلى الشركاء من أحزاب الحركة الوطنية الكردية، التي أجمعت في كونفرانس نيسان ٢٠٢٥ على خطاب موحد ومطالب محددة ووفد مشترك كان من المفترض عدم تجاوزه. هذا التهميش، مضافاً إليه التباطؤ في تنفيذ خطط انسحاب أو إعادة تموضع مهنية، زاد من هشاشة الوضع الميداني وأضاع فرصاً كانت متاحة لتجنيب المنطقة ويلات التصعيد.

هزت فداحة الأحداث ضمير الإنسانية الحرة، فجاءت ردود الفعل الدولية سريعة وحاسمة. تفاعل الرأي العام مع الكارثة، وطُرحت في الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي مشاريع قرارات لحماية الكرد. وفي ١٢ شباط ٢٠٢٦، أصدر البرلمان الأوروبي قراراً أدان بشدة تصاعد العنف في شمال شرق سوريا، محذراً من أن الانتهاكات الموثقة من قتل خارج نطاق القضاء، واختفاء قسري، واحتجاز تعسفي، وتهجير قسري، وتدنيس جثث، قد ترقى إلى جرائم حرب. وأبدى دعماً ثابتاً لاتفاق وقف إطلاق النار، مطالباً بضمان الحقوق المدنية والتعليمية للكرد دستورياً. كما دُعي وفد من قيادة قسد والإدارة الذاتية إلى مؤتمر الأمن العالمي في ميونخ يومي ١٣ و١٤ شباط، في خطوة تعكس تحولاً في التعامل مع المسألة الكردية. هذا التحول جاء تحت تأثير التضامن الدولي ونضالات الجالية الكردية في المهجر والجهود الدبلوماسية لحكومة إقليم كردستان، التي لعبت دوراً سياسياً ودبلوماسياً مهماً. كما وحدت هذه الكارثة الكرد في أجزاء كردستان والمهجر، فخرجت عشرات المظاهرات العابرة لحدود الأحزاب وأجزاء كردستان، ولا تزال مستمرة.

نحن وإذ ندرك أن تحرر السلطة القائمة من ماضيها العنيف أمر ليس بيسير، فإننا نتعامل بواقعية مع المستجدات، وننتظر نتائج الفرصة التي منحتها الدول العظمى للسلطة الجديدة، ونتعامل بإيجابية مع المرسوم التشريعي رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦ واتفاق ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦، في الوقت الذي لا نقرأ فيه مشاهد العنف في البلاد بمعزل عن التدخلات الإقليمية والمال المجند وتمادي البعض للتدخل حتى في تفاصيل داخلية.

إننا في الوقت الذي نعرب فيه عن أسفنا العميق لما آلت إليه الأحداث، نحمل السلطة الانتقالية في دمشق مسؤوليتها، ونطالب بمحاسبة الجهات والشخصيات التي ساهمت في تفجير الأوضاع وقتل الأبرياء، كمدخل لعدالة انتقالية تعزز الثقة البينية. كما نؤكد على ضرورة تفعيل المسار التفاوضي لتطبيق الاتفاقات الموقعة وترجمتها على أرض الواقع ضمن برنامج زمني، بدءاً بالمرسوم التشريعي رقم ١٣ واتفاق ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦، لتشكل أرضية للتوافق وأساساً لاتفاقات ونصوص دستورية تقر بالحقوق القومية للشعب الكردي، على طريق سوريا لا مركزية تعددية برلمانية، وهو ما سينعكس إيجاباً على البيئة السياسية والاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين الذين وصلوا في حالات كثيرة إلى القاع حيث العوز والفقر المدقع وميلاد العنف من جديد.

إن التمسك بالاتفاقيات المبرمة، وفي مقدمتها اتفاق ١٠ آذار ٢٠٢٥ واتفاق ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦، يشكل الأساس الوحيد للخروج من الأزمة. فمهما بلغت الانتقادات الموجهة لأداء الأطراف المختلفة، يبقى الحل السياسي التفاوضي هو الضامن الوحيد لعدم تكرار الكارثة، والمدخل الوحيد لسوريا موحدة لا مركزية عادلة حاضنة لجميع مكوناتها.

اللجنة السياسية

لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا

18 شباط 2026

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top