دهوك: رحلة في الحجر والفن مع أرشد خلف، النحات الذي يمنح الحجر روحًا

بدل رفو

النمسا \ غراتس

في مدينة دهوك، حيث يلتقي الجبل بالذاكرة، يبرز اسم النحات أرشد خلف كأحد أهم الأصوات الفنية في كوردستان. استطاع أن يحوّل الحجر والبرونز إلى لغة بصرية توثّق تاريخ الشعب الكوردي ونضاله، وتمنح الفضاء العام روحًا وهوية. من دهوك انطلقت تجربته، ومنها شكّل أعمالًا أصبحت جزءًا من ملامح المدينة وذاكرتها الجمالية، جامعًا بين الحس الإنساني والوعي التاريخي، ومؤكدًا أن النحت ليس مجرد شكل، بل موقف ورسالة.ارشد خلف نحات كوردستاني يحوّل الحجر إلى شاهد حي على تاريخ شعبه في مدينة تختزن الذاكرة والوجع والجمال. أن النحت بالنسبة له ليس مجرد صناعة تماثيل، بل حوار طويل بين الإنسان والمادة، بين الفكرة والتنفيذ، وبين التاريخ والحاضر.

 

البدايات: من  محلة شعبية (خستي ـ المستشفى) إلى معهد الفنون الجميلة

ولد أرشد خلف عام 1982 في محلة خستي ـ المستشفى  بدهوك. طفولته، كما يقول، كانت ممتدة بين الأزقة الضيقة وألعاب الشوارع، لكنه كان يرى الحياة بعين مختلفة، عين تتأمل البشر وتستشعر التفاصيل الصغيرة. لاحقًا، وفي معهد الفنون الجميلة بدهوك، بدأت شرارة الفن تشعل داخله فضولًا متزايدًا، ومع كلية الفنون الجميلة في السليمانية، تحوّل النحت من مهارة تقنية إلى سؤال مستمر: كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى حجم، وللحجر أن يتحدث؟

(لم أكن أحلم بالنحت في البداية)

قالها أرشد وهو يبتسم، لكن المسار الفني قادني إليه، ومع الوقت أصبح جزءًا مني، لا يمكن فصله عني.

التكوين الأكاديمي ومشاريع البداية

بعد التخرج من المعهد، ذهب أرشد إلى كلية الفنون الجميلة في السليمانية، وهي مرحلة وصفها بأنها نقطة تحوّل كبيرة في رؤيته الفنية. هناك تعلم كيف تُبنى الفكرة، وكيف يتحوّل العمل النحتي إلى مشروع فكري وبصري متكامل. في المرحلة الثالثة من الكلية، نفذوا عملًا نحتيًا من الفايبر كلاس بارتفاع خمسة أمتار بعنوان الأنفال – ناحية صمود في مدينة كلار عام 2005، بإشراف أحد أساتذته. وفي عطلة العام نفسه، عمل على تنفيذ علم كوردستان على جبل (كه ليا شه داي ) في دهوك مع الفنان بيار محمد.

كانت هذه المشاريع الأولى تجربة عملية حقيقية، تعلم فيها الصبر والعمل الجماعي، وفهم كيف يمكن للحجم والمادة أن يرويا قصةً أكبر من مجرد شكل.

أولى التجارب الكبرى في الفضاء العام

بعد التخرّج، عاد أرشد إلى دهوك وشارك في مشروع بانوراما آزادي( بانوراما الحرية) للفنان عدنان شينو عامي 2006–2007. عمل منذ البداية وحتى النهاية بكل تفاصيل المشروع، وكان أول عمل كبير ينفذه من مادة البرونز، وهو ما جعله يشعر بأنه ينتقل من مرحلة الطالب إلى مرحلة الفنان المشارك في صياغة الذاكرة البصرية للمدينة.

 

تمثال بحجم الذاكرة الكوردية وسيرة وطن في تمثال

في عام 2010، بدأ تنفيذ نصب البارزاني الخالد في دهوك مع مجموعة من فناني المدينة. يعتبر أرشد هذا العمل أول نصب برونزي لقائد كوردي وشخصية تاريخية. يبلغ ارتفاع التمثال ثمانية أمتار، ويصاحبه جداريتان بطول سبعة أمتار لكل منهما. بالنسبة له، هذا العمل ليس مجرد نصب، بل شهادة حيّة على تاريخ الكورد وهوية المدينة، ومثال على كيفية أن يتحوّل النحت إلى جسر بين الماضي والحاضر.

رحلة الماجستير في مصر

عام 2012، سافر أرشد إلى مصر لاستكمال دراسة الماجستير، في مدينة الإسكندرية العريقة، حيث التقى نخبة من رواد الفن التشكيلي. يقول: تعلمت كيف أصغي للحجر، وكيف أترك الفراغ يتحدث. لم تكن الرحلة مجرد دراسة، بل تجربة حياة غيرتني فنيًا وإنسانيًا.

الرحلة لم تقتصر على تعلم التقنيات، بل فتحت أمامه أفقًا جديدًا للتفكير في العلاقة بين المادة والفكرة، وأعطته أدوات للتعامل مع الأحجام الكبيرة والجداريات المعقدة.

أبرز الأعمال النحتية بعد العودة

بعد عودته إلى كوردستان، بدأ بتنفيذ مجموعة من الأعمال النحتية المهمة. من أبرزها تماثيل لشخصيات مؤثرة في تاريخ وثقافة كوردستان، مثل الشاعر الراحل أحمدي خاني،  الشاعر الرحالة بدل رفو،الشاعر الراحل  بكر بك الأرزي،الفنان الراحل تحسين طه، الكاتب بير خدر سليمان، بالإضافة إلى أعمال عديدة في زاخو ومشاركات واسعة في المعارض الفنية.

آخر أعماله كانت جدارية بانوراما خبات ( النضال) في كلي (وادي) دهوك، التي تتناول نضال الكورد وسعيهم المستمر لنيل حق تقرير المصير. يقول أرشد: كل عمل يحمل جزءًا من ذاكرة شعب، والفن هو الطريقة التي تجعل الناس يتذكرون ما مضى ويصنعون مستقبلهم.

 

أسلوبه وفلسفة النحت

يصف أرشد أسلوبه بأنه يتغيّر حسب طبيعة العمل، أحيانًا يذهب نحو الواقعية، وأحيانًا نحو التجريد، لكنه يميل كثيرًا إلى الواقعية التعبيرية. الفكرة هي التي تحدد المادة والأسلوب، فهناك علاقة ترابطية بين الفكرة والمادة في العمل النحتي. كما أن دراساته الفنية والتاريخية تلعب دورًا كبيرًا في اختيار المواضيع.

كل عمل يبدأ بالإلهام، ثم الفكرة، ثم التحليل، يلي ذلك رسم الاسكتشات والتخطيط الفني، وتحديد الأسلوب، ثم مرحلة التنفيذ. مدة الإنجاز تختلف حسب نوع العمل، فالتمثال الواقعي يحتاج وقتًا أطول من العمل التجريدي، ولا يمكن تحديد زمن ثابت لأي عمل نحتي.

 

أصعب تجربة: أحمدي خاني

أصعب عمل نفذه أرشد كان تمثال أحمدي خاني عام 2016، أثناء الحرب مع داعش. لم يكن هناك أي دعم مادي، وتعرض لإصابة في إحدى فقرات ظهره خلال التنفيذ، لكنه أكمل العمل. يقول: كلما أنظر إليه أشعر بالفخر والفرح، فقد تجاوزت الصعاب وحوّلت الحجر إلى ذاكرة حيّة.

 

التحديات والنقد في كوردستان

يرى أرشد أن أكبر التحديات التي تواجه النحاتين هي غياب الدعم، وإهمال دور الفنان في التخطيط العمراني وجمالية المدن. غير أنّ مسيرته لم تكن معبّدة بالصمت وحده، إذ ارتفعت على جانبيها أصوات باهتة حاولت كسر الضوء، لكنها لم تفعل سوى أن زادت التجربة صلابة، وحوّلت النقد الجارح إلى وقودٍ للإبداع، لكنها لم تؤثر عليه، بل كانت دافعًا لتقديم أعمال أكبر وأعمق.

معرضه الشخصي 2018

في عام 2018، أقام معرضًا شخصيًا في السليمانية، عرض فيه أعمالًا نحتية من الخشب والحجر، بأساليب وأفكار متنوعة. كان للمعرض صدى واسع لدى الجمهور والإعلام، وشكّل نقطة تحوّل في الحركة الفنية، خصوصًا أن الأحجار المستخدمة كانت من مناطق مختلفة من كوردستان، واستُخدمت فنيًا لأول مرة.

 

المشاريع القادمة ورؤيته للمستقبل

يخطط أرشد لتنفيذ مجموعة من البورتريهات لشخصيات لها دور كبير في الساحة الثقافية في كوردستان. يصف تفاعل الجمهور والنخبة الثقافية مع أعماله بأنه دافع معنوي كبير. يرى أن مستقبل فن النحت يتجه نحو الأفضل رغم الصعوبات، بفضل فنانون شباب ومثقفون يعملون بإخلاص، مستلهمين أفكارهم من التاريخ والحياة العامة.

 

كلمة ختامية

من خلال أعماله، يؤكد أرشد خلف أن بناء الوطن يتطلب مشاركة جميع فئات المجتمع، وأن الفن يلعب دورًا محوريًا في توثيق الذاكرة وتعزيز الجمال العام، ويعتبر أن الفنان الصادق يشكّل حلقة وصل فاعلة بين المجتمع والسلطة، ويسهم في ترسيخ الوعي الثقافي والهوية الجماعية.

 

واخيرا…

أرشد خلف ليس مجرد نحات، إنه راوٍ للتاريخ وموثّق للهوية، يحوّل الحجر والبرونز والخشب إلى ذاكرة حية تنبض بصبر الشعب وصموده. كل عمل له هو رحلة من الفكرة إلى التنفيذ، يحمل في طياته شغفًا لا يلين وإصرارًا على أن يظل الفن جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين المجتمع وثقافته. أرشد يمنح كل قطعة روحًا، ويثبت أن الفنان ليس زينة للمدينة فحسب، بل صانع ذاكرة، ومعلّم الصبر، وناقل الحكايات، وحارس الجمال، الذي يكتب للتاريخ بصمت الحجر ودفء الإبداع.

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top