ليس بالأمر الهين أن يمسك القلمَ إنسانٌ ليكتب عن صديق كان نبضاً في حياته، وعن شاعر كان روحاً تسري في جسد شعبٍ بأكمله.
رحل صديقي العزيز أحمد حسيني، ولم يكن رحيله مجرد خبر عابر يمرّ في سطور العزاء، بل هو غيابٌ ثقيل يُخلِّف فراغاً واسعاً في القلب، وفي الذاكرة، بل وفي نسيج اللغة ذاتها.
عرفته إنساناً بسيطاً، هادئ السكينة، يحمل في أعماقه عالماً فسيحاً من الحساسية والصدق النادر. كان من أولئك القلائل الذين يقلّ حديثهم، لكن كلماتهم حين تُنطق ترسخ طويلاً في الذهن؛ وحين يكتبون شعراً، لا يكتبونه زينةً أو طلباً للمجد، بل لأن الشعر لديهم ضرورةٌ وجودية، كالحاجة إلى التنفس تماماً.
أحمد حسيني واحد من الأصوات المضيئة في سماء الشعر الكردي الحديث؛ كتب بلغته الأم وكأنه يحرس حرمة مقدسة، ويعيد إليها دفءَها الأصيل. في قصائده، كانت نبضات المقاومة الكردستانية تتراقص بين السطور. كانت “كردستان” غايته القصوى؛ يكتب لها، يتغنى بها، ويعشق ترابها. كانت الجبال حاضرة في شعره، والذاكرة حيّة، والألم أيضاً حاضرٌ بقوّة، غير أن ألمه لم يكن قطُّ شكوىً باكية، بل كان يتسامى دوماً ليصبح معنى سامياً وحساً جمالياً لا يطيق غيره التعبير عنه. لقد أتقن كيف يصوغ الحزنَ في كلمات تمنح الأمل، وكيف يجعل من القصيدة بيتاً رحباً يتسع للجميع.
لم يكن شيخ القصيدة الكردية الحديثة شاعراً يرصد هموم شعبه من بعيد، بل عاش قضيته وذاكرته وتاريخه بكل تفاصيلهما الدقيقة؛ لذا جاءت قصائده صادقة، عميقة، وقريبة من نبض الناس. آمن بأن اللغة الكردية ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي وطنٌ كامل يسكن الكلمات، ورأى أن حماية هذه اللغة هي في جوهرها حماية للذاكرة والكرامة والوجود.
أما بالنسبة إليّ، فقد تجاوز أحمد كونه شاعراً؛ فقد كان صديقاً ، رفيقَ جلساتٍ طويلة نتبادل فيها تارةً الحديث، وتارةً أخرى الصمت الذي كان بحد ذاته نوعاً من الكلام البليغ. في حضوره كانت تنساب طمأنينة نادرة، ذلك النوع من السكينة الذي لا يمنحه إلا الصديق الحميم.
أنظر اليوم إلى صورنا معاً، فأشعر وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة. كنا نجلس جنباً إلى جنب، ببساطة وهدوء كما اعتدنا، دون أن نفكر يوماً أن تلك اللحظات ستتحول إلى ذكرى ثمينة، وأن أحدنا سيبقى ليروي حكاية الآخر. لكن هكذا هي الحياة؛ تمرّ بنا الأيام خلسةً دون أن ندري أيّها سيغدو جزءاً من الحنين الأبدي.
إن رحيل أحمد خسارةٌ فادحة للشعر الكردي، وللثقافة الكردية، ولكل من عرفه أو قرأه أو اقترب من عالمه الروحي. لكنه في الحقيقة لم يرحل كلياً؛ فالشعراء الحقيقيون لا يغادرون أبداً، إنهم يتركون في كلماتهم حياةً أخرى، ويستمرّون في الوجود كلما قرأ إنسانٌ قصائدهم، أو استعاد صوتهم في ذاكرته.
سيبقى أحمد حسيني حاضراً في قصائده الخالدة، في اللغة التي عشقها وكتب بها، وفي قلوب أصدقائه ومحبيه. وسيبقى بالنسبة إليّ ذلك الصديق الوفي بابتسامته الهادئة ونظرته العميقة،كان يشعرني دائما بالغربة في الحديث الذي لا يريد أن ينتهي.
وداعاً يا صديقي العزيز.
وداعاً أيها الشاعر الذي أحب لغته كما يحب الإنسان وطنه.
نم بسلام.
أما نحن، فسنبقى نحرس ما تركته لنا:
قصائدك، وذكراك العطرة، وتلك الصداقة التي لا يمحوها الغياب.
ستعود غدا الى ارض الوطن ،البداية في آمد ،التي عشقتها والبداية الجديدة ستكون في روژآڤا التي اعطيتها روحك. الى اللقاء صديقي.
الكاتب حسين عمر
مقالات قد تهمك
توثيق هجوم لأنصار السلطة في سوريا على مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة
تهديد الكرد المقيمين في بلدة عين عيسى: تصاعد الانتهاكات وغياب الحماية الأمنية في شمال سوريا
منع 3 منصات إعلامية في سوريا من العمل يثير مخاوف جدية بشأن حرية التعبير والإعلام
توثيق تخريب مقام ديني للطائفة العلوية “الشيخ محمد المغربي” في ريف حماة ضمن تصاعد الانتهاكات ضد دور العبادة في سوريا
خطر الألغام يهدد حياة الأطفال في ريف عين عيسى: توثيق مصوّر لانفجار أثناء اللهو ومحاولات تفكيك بدائية
تصاعد الهجمات ضد الكرد في عين عيسى ورأس العين وريف كوباني: تهديدات واعتداءات ممنهجة تدفع نحو التهجير القسري
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85048






