سوريا: تعميم الداخلية حول الحضور الصامت للمحامي: حماية شكلية لحقّ الدفاع وتقييد لحقوق أساسية

     1. مقدمة:

في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أصدرت وزارة الداخلية التعميم رقم 10/ص/ش/ق، مشددة فيه على احترام حقوق المواطنين، ومعاملة المحامين بما يليق بدورهم، والدعوة إلى التعاون معهم أثناء ممارستهم لمهام التمثيل القانوني عن موكليهم. وقد بدا التعميم، من حيث لغته، خطوةً تهدف إلى تعزيز ضمانات الدفاع وتحسين العلاقة بين الجهات المعنية بإنفاذ القانون وترسيخ قيم العدالة.

غير أن المادة رقم 3 من التعميم أجازت حضور المحامي أثناء جلسة ضبط إفادة موكله بصفة “مستمع” فقط، دون أي تدخل في مجريات التحقيق، مع السماح باستمرار التحقيقات لاحقاً في غياب المحامي، وفقاً لما ورد في نص القرار. ورغم أن تقييد حقّ الدفاع أو استبعاده ليس ممارسة مستحدثة، فإن التعميم، بصيغته الحالية، أضفى على هذه الممارسات طابعاً إدارياً منظَّماً، بما أسهم في إضفاء مشروعية شكلية على انتهاكات كانت قائمة فعلاً في ظل النظام السابق، وهذا ما يتناقض مع المبادئ الواردة في مقدمة التعميم.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل الأثر العملي لهذا القيد على حقّ الدفاع، من خلال مقاربته في ضوء القوانين الوطنية والمعايير الدستورية والدولية ذات الصلة بالمحاكمة العادلة. كما يستعرض التقرير كيفية تطبيق التعميم على أرض الواقع، بالاستناد إلى شهادات موثقة لمحامين ومحاميات تأثروا مباشرة بتطبيقه، وذلك لتقييم ما إذا كان التنظيم الذي أرساه التعميم قد أسهم فعلاً في تعزيز ضمانات الدفاع، أم أنه كرّس حضوراً شكلياً للمحامي أفرغ هذا الحق من مضمونه القانوني.

من أجل إعداد هذا التقرير، أجرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” خمس مقابلات معمّقة مع محامين ومحاميات تأثروا مباشرةً بتطبيق التعميم المذكور. وقد جرى الحصول على موافقة مستنيرة المشاركين والمشاركات المستنيرة بعد توضيح الطابع الطوعي لمشاركتهم وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك الاستعانة بمقتطفات من شهاداتهم في هذا التقرير.

وأكد جميع الشهود رغبتهم في عدم كشف هوياتهم أو أي معلومات قد تؤدي إلى التعريف بهم، خشية التعرّض لأعمال انتقامية قد تطالهم أو أفراداً من أسرهم. وبناءً عليه، اعتمدت هذه الورقة القانونية استخدام أسماء مستعارة عند الإشارة إلى الشهادات الواردة فيها.

الصورة 1: صورة عن التعميم رقم 10/ص/ش/ق الصادر عن وزارة الداخلية بتاريخ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025

     2. أهمية حضور المحامي في مرحلة التحقيق والإطار القانوني للحق بالدفاع:

لا يقتصر دور المحامي/ة في مرحلة التحقيق على ضمان الشكل الإجرائي فقط، بل يشكّل وجوده في المراحل الأولى من الاستجواب إحدى أهم الضمانات العملية لحقوق الموقوفين. ففي هذه المرحلة، يكون الشخص الموقوف في وضع هشّ من حيث المعرفة القانونية، والقدرة على الاعتراض. ويُعد ضمان حق المحامي في الحديث والاعتراض تدخلاً وقائياً يحدّ من احتمالات الإكراه، وسوء المعاملة، وانتزاع الإفادات تحت الضغط، كما يساهم في ضمان سلامة الإجراءات منذ بدايتها.

وتؤكد لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن أي خلل يقع في مرحلة التحقيق الأولي لا يمكن دائماً تصحيحه لاحقاً أمام القضاء، حتى مع حضور المحامي في مراحل متقدمة. إذ غالباً ما تُبنى القرارات اللاحقة، بما فيها توجيه التهم وتوصيف الوقائع، على الإفادات الأولية المضبوطة في غياب الدفاع. من هنا، فإن اختزال دور المحامي في هذه المرحلة إلى مجرد حضور صامت، أو السماح باستكمال التحقيق دون وجوده، لا يشكّل مسألة إجرائية ثانوية، بل يمسّ جوهر الحق في الدفاع ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة منذ بدايتها.

ورغم النبرة الإيجابية التي يعتمدها التعميم في توصيف دور المحامي، فإن القيد الذي تنص عليه المادة رقم 3 من شأنه أن يُفرغ حق الدفاع من مضمونه القانوني، لما ينطوي عليه من تعارض مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، التي تُعدّ حضور المحامي أثناء الاستجواب ومشاركته ضمانة أساسية لحماية الموقوفين من التعسف وسوء المعاملة، وتعتبر أن أي تحقيق يُجرى دون تمكين المحامي من التدخل أو تقديم المشورة القانونية يشكّل انتهاكاً لحق الدفاع، لا مجرد إخلال شكلي بالإجراءات.

وتؤكد المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال ومسؤولية القضاة والمحامين وممثلي النيابة العامة وجوبَ أن تكفل الحكومات للمحامين القدرة على أداء جميع وظائفهم المهنية دون تخويف، أو إعاقة، أو مضايقة، أو أي تدخل غير مبرر. كذلك يكفل المبدأ 18 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن حق كل محتجز في الاتصال بمحاميه والتشاور معه بشكل فعّال، وفي وقت مناسب، ودون تأخير أو مراقبة، وبسرية كاملة، ولا يجوز تقييد هذا الحق إلا في ظروف استثنائية يحددها القانون.

هذا وقد أكد أيضاً كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن حق الدفاع حق مقدس والحق في توكيل محام يدافع عنه.

ولا بد من الإشارة إلى أن المادة 12 من الإعلان الدستوري تنص على اعتبار الحقوق المنبثقة عن الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها سوريا جزءاً من التشريع الوطني، بما يوجب احترامها والعمل بمقتضاها.

وبينما لم يكن استبعاد المحامي أو تقييد دوره ظاهرة جديدة في الممارسة، فإن التعميم أسهم في نقل هذا الواقع من مستوى الانتهاك غير المنظّم إلى إطار إداري يمنحه غطاءً شكلياً.

من شأن القيد الذي نص عليه التعميم أن يُفرغ حق الدفاع من مضمونه القانوني، لما ينطوي عليه من تعارض مع قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 لعام 2010، ولا سيما المادة 57 منه، التي تكفل للمحامي حق الحضور أمام جميع الجهات القضائية والتحقيقية والإدارية، وممارسة عمله بما يتيح له الدفاع الفعلي عن موكله.

ويعكس أحد المحامين الذين قابلتهم “سوريون” هذا الإشكال من زاوية دستورية أوسع، ترتبط بطبيعة الدولة والضمانات التي يفترض أن تقوم عليها المرحلة الانتقالية، قائلاً:

“إن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 الذي أُقرّ بعد المرحلة الانتقالية شدّد على أن الدولة الجديدة قائمة على العدل والكرامة والمواطنة، وضمان الحقوق والحريات العامة، بما فيها الحق في محاكمة عادلة وحق الدفاع. هذا يعني أن أي نص إداري يقيّد دور المحامي يتعارض مع الدستور نفسه، لأنه يفرغ الحق في الدفاع من مضمونه ويعيد إنتاج ممارسات التحقيق السابقة التي كانت سبباً في انتهاكات واسعة”.

     3. حضور غير فعال: كيف فرّغ التعميم دور المحامي من مضمونه:

تكشف الشهادات التي وثقتها “سوريون” كيف تحوّل الحق في حضور المحامي، كما ورد في التعميم، من ضمانة دفاعية إلى وجود شكلي منزوع الأثر القانوني. في هذا السياق، يوضح المحامي “كريم”، وهو محامٍ مزاول في حمص، أن التعميم يعترف بدور المحامي نظرياً، لكنه يسلبه فعاليته العملية. ويقول:

“التعميم الأخير خطوة تحمل نوايا إيجابية في ظاهرها، لكن في جوهره يجعل المحامي مجرد مستمع، والمحامي ليس شاهداً، بل ضمانة أساسية ضد أي تجاوز أو ضغط على الموقوف.”

وفي إحدى القضايا التي تولاها، مُنع كريم من حضور جلسة التحقيق أو تأجيلها بحجة عدم اكتمال الوكالة، رغم تأكيد مندوبة النقابة للقاضي أن ورقة التوكيل قيد التنظيم ولا تتطلب سوى وقت قصير. ومع ذلك، استُكمل الاستجواب دون وجود محامي مع المتهم. ويضيف:

“استجوب القاضي موكلي دون وجودي، ولم يسمح لي بالاطلاع على الإضبارة، أو بتصوير نسخة عنها، بل اكتفى بتسليمي محضر الاستجواب فقط.”

ويؤكد كريم أن استبعاد المحامي من التدخل، أو استكمال التحقيق في غيابه، وعدم إعطائه إمكانية التحضير للدفاع، لا يُعد خللاً إجرائياً عابراً، بل عودةً إلى أنماط تحقيق سابقة أفضت إلى انتهاكات جسيمة، قائلاً:

“إننا نعود عملياً إلى ممارسات سابقة كانت سبباً في انتهاكات كثيرة، وهذا يضعف ثقة الناس بالعدالة.”

وبحسب الشهادات التي وثّقتها “سوريون”، لا تعكس هذه الحالة اجتهاداً فردياً أو تصرفاً استثنائياً، بل نموذجاً متكرراً لكيفية استخدام التعميم لتبرير استكمال التحقيق دون دفاع فعّال، وتحويل حضور المحامي إلى إجراء شكلي لا يترتب عليه أي أثر قانوني حقيقي.

     4. التحقيق دون دفاع فعّال: الضابطة العدلية كنقطة الانتهاك الأخطر:

تُظهر الشهادات الموثقة من قبل “سوريون” أن التعميم رقم 10/ص/ش/ق لم يعالج جوهر الإشكالية المرتبطة بحق الدفاع، بل أعاد إنتاجها ضمن إطار إداري يمنحها طابعاً مشروعاً. فالحضور الشكلي للمحامي، أو استبعاده كلياً، لا يشكّل حماية حقيقية لحق الدفاع، بل يفتح المجال أمام ممارسات تقوّض هذا الحق وتعرّض الموقوفين لمخاطر جسيمة.

وينعكس القيد الذي يفرضه التعميم على دور المحامي عملياً في مرحلة التحقيق الأولي، التي تضطلع بها الضابطة العدلية، حيث يُستجوب الموقوفون في غياب أي دفاع فعّال. وفي هذا السياق، تكشف شهادة المحامي “مأمون” أن استكمال التحقيق دون حضور المحامي لا يُعد استثناءً عارضاً، بل ممارسة متكررة، بما يفتح الباب أمام الضغط وتضخيم التهم وانتزاع الاعترافات. ويقول:

“حالياً في أغلب الحالات، عند القبض على المدعى عليه تقوم الشرطة باستجوابه مباشرة دون حضور محامٍ، وغالباً يُدفع المتهم أو يتم التحايل عليه/ا للاعتراف بأمور لم يرتكبها تحت ضغط أو إيهام أن “الاعتراف” سيكون لمصلحته.”

ويضيف أن غياب الدفاع يؤدي أحياناً إلى تضخيم التهم بشكل خطير:

“غالباً لا يعرف أهل المتهم مكانه أو موعد استجوابه، فيحضر أمام المحقق منفرداً ويُقر بما يُطلب منه دون دفاع قانوني. شاهدت حالات نُسب فيها لموقوفين تهم أشد بكثير من الواقع، ولو كان يوجد محامٍ يسمح له بالمتابعة لما حدثت هذه الكوارث.”

ويخلص مأمون إلى أن السماح باستمرار التحقيق دون حضور المحامي يفرغ النصوص القانونية من مضمونها، ويحوّل الحق في الدفاع إلى إجراء شكلي. ويوضح كيف يُختزل دور المحامي إلى موقع المتلقي للمعلومات فقط، قائلاً:

“لا يتم تبليغ المحامي بشكل رسمي ولا يُعطى وقت كافٍ للحضور، بل يضطر لمراجعة القضاء بشكل يومي لمعرفة المستجدات. الإضبارة تُفتح في المحكمة بشكل غير منتظم ودون مواعيد واضحة. هذا الخلل ينعكس على حقّ الدفاع ويجعل المحامي في موقع المتلقي للمعلومات بدلاً من أن يكون شريكاً أساسياً في الإجراءات.”

وتدعم شهادة المحامية “هناء” هذا التوصيف، إذ تشير إلى أن تعامل الضابطة العدلية يُعد، في تجربتها، الأكثر انتهاكاً لحق الدفاع. وتقول:

“توجهتُ إلى مركز الشرطة التابع للقصر العدلي وبحوزتي وكالة رسمية، وطلبت الاطلاع على الضبط، إلا أنني لم أُمنح هذا الحق، وبرروا ذلك بسرية التحقيق.”

وتضيف:

“أوضحت أن القانون يمنحني الحقّ في الدخول والاطلاع والتواصل مع موكلي، لكن التعامل كان سلبياً للغاية.”

وترى هناء أن هذا الواقع يخالف القوانين النافذة التي تفرض حضوراً فعّالاً للمحامي في هذه المرحلة الحساسة. وتُظهر هذه الشهادات أن التعميم، بدلاً من سدّ الفجوة في مرحلة التحقيق الأولي، أسهم في تكريسها، عبر السماح باستبعاد الدفاع الفعّال في المرحلة الأكثر حساسية وخطورة على حقوق الموقوفين.

     5. من الحضور الشكلي إلى الإقصاء: حالات المنع المطلق للمحامي:

تُظهر الشهادات التي وثقتها “سوريون” أن تقييد دور المحامي، أو استبعاده، لا يقع في فراغ، بل يتخذ أشكالاً متدرجة ضمن منطق واحد. ففي بعض الحالات، يُسمح للمحامي بالحضور بصفة شكلية دون تدخل، وفي حالات أخرى يُستكمل التحقيق في غيابه، وصولاً إلى حالات المنع المطلق من التوكيل أو التواصل مع الموقوف. ورغم اختلاف هذه الوقائع في شدتها، فإنها تشترك في نتيجة واحدة تتمثل في إضعاف جوهر الحق في الدفاع.

ويكشف هذا التسلسل أن الإشكالية لا تكمن فقط في ممارسات أو تجاوزات فردية، بل في غياب تصور واضح لدور المحامي بوصفه فاعلاً أساسياً في مرحلة التحقيق. فعندما لا يضع النص الإداري حدوداً ملزمة تمنع استبعاد الدفاع، أو يكتفي بتنظيم حضور شكلي، فإنه يفتح المجال أمام تفاوت واسع في التطبيق، يخضع أحياناً لاجتهادات شخصية أو لموازين القوة داخل منظومة التحقيق. وهو ما يفسر الانتقال السلس من التقييد إلى الإقصاء، دون وجود آليات فعّالة للتصحيح أو المساءلة.

في هذا السياق، يروي “سعيد”، وهو محامٍ متمرن، أن والده وشقيقه موقوفان منذ أيار/مايو 2025، وقد جرى التحقيق معهما دون أي تمثيل قانوني. ويقول:

“لم يوكلوا لأبي محامي، ورفضوا أن يحضر محامي تحقيق أو يراجعهم فيه.”

ويضيف:

“تم التحقيق مع أبي من قبل الأمن العام داخل السجن المركزي في حمص دون حضور محامٍ. أما أخي فهو في سجن البالونة [في حمص] ولم يتم توكيل محامٍ له أيضاً، ولم يُسمح لنا بزيارته حتى الآن.”

تمثل هذه الحالة مثالاً على أقصى ما يمكن أن تؤول إليه ممارسات التحقيق في غياب ضمانات فعّالة لحق الدفاع، وتُظهر أن التعميم، بصيغته الحالية، لم يوفّر آليات حماية تحول دون الوصول إلى هذا المستوى من الإقصاء الكامل للمحامي.

     6. التعميم كإطار إداري لا كأداة إصلاح فعّالة:

تكشف الشهادات الموثقة أن الإشكالية لا تقتصر على كيفية تطبيق التعميم، بل تمتد إلى حدود الدور الذي صُمِّم ليؤديه بوصفه أداة تنظيمية. فبعيداً عن الوقائع الفردية، تبرز تساؤلات حول قدرة التعميم، بصيغته الحالية، على إحداث أثر إصلاحي فعلي داخل منظومة التحقيق. في هذا السياق، يرى المحامي بشر، العامل في دمشق، أن التعميم لم يُحدث تغييراً ملموساً في الممارسة، ويقول:

“التعميم الأخير لم يأتِ بجديد يُذكر، بل اقتصر على التأكيد على اللباقة، وهي مسألة كانت قائمة أصلاً.”

ويصف بشر إحدى القضايا التي عايشها، قائلاً:

“واجهتُ حالة شخص تم توقيفه من قبل الأمن العام، وكان وراء توقيفه شيخ نافذ رفض أن يراه أحد أو يتواصل معه أهله أو أن يتم توكيل محامٍ له. وبصفتي محامٍ لم أتمكن من التوكل عنه أو حضور التحقيق معه، ولم يُسمح لي برؤيته، مما جعل الدفاع عنه مستحيلاً، وحتى أهله لم يُسمح لهم بزيارته أو السؤال عنه.”

تكشف هذه الشهادة أن التعميم، بصيغته الحالية، لم يمسّ موازين القوة الفعلية داخل منظومة التحقيق، ولم يضع آليات ملزمة تكفل احترام حق الدفاع عند تعارضه مع نفوذ الجهات القائمة على التوقيف أو التحقيق. وبدلاً من أن يشكّل أداة إصلاح قانوني، بقي التعميم إطاراً إدارياً يكتفي بلغة إجرائية عامة، دون أن يُترجم إلى ضمانات قابلة للإنفاذ أو المساءلة.

     7. توصيات

يُظهر تحليل التعميم رقم 10/ص/ش/ق، في ضوء الإطار القانوني الناظم لحق الدفاع والشهادات الموثقة في هذا التقرير، أن النص الإداري المذكور لم يُفضِ إلى تعزيز حضور المحامي كضمانة قانونية فعّالة، بل اقتصر على تنظيم شكلي أتاح هامشاً واسعاً لاجتهادات التطبيق العملي. كما تبيّن الوقائع أن غياب معايير ملزمة وآليات رقابة فعّالة لدور المحامي في مرحلة التحقيق الأولي يسمح باستمرار ممارسات تُضعف الحق في الدفاع. وبناءً عليه، لا يمكن اعتبار التعميم خطوة إصلاحية مكتملة من منظور حقوقي، ما يستدعي إعادة النظر فيه لضمان حماية قابلة للإنفاذ تتوافق مع الالتزامات الدستورية والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. وعليه توصي “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بما يلي:

      7.1. إلى وزارة الداخلية:
  • تعديل التعميم رقم 10/ص/ش/ق، ولا سيما المادة رقم 3 المتعلقة بدور المحامي أثناء التحقيق، بما يضمن حضوراً فعّالاً لا شكلياً، ويكفل حق المحامي في التدخل وتقديم المشورة القانونية لموكله أثناء ضبط الإفادة. وأن يكفل حق الاعتراض على الأسئلة التي يراها غير ذات جدوى، أو غير قانونية، وفي حال إصرار المحققين على توجيه السؤال فيجب أن يسجل اعتراض المحامي في الضبط.
  • حظر استكمال أي إجراء تحقيقي في غياب المحامي متى تم توكيله أو طلب حضوره أصولاً، وعدم المضي في التحقيق قبل تمكينه من الحضور خلال مهلة معقولة، واعتبار أي إفادة تُنتزع في هذه الحالة مخالفة للأصول القانونية. وعدم التذرع بعدم اكتمال توثيق الوكالة أو ما شابه طالما الموقوف موافق على توكيل المحامي، ومسالة صحة الوكالة من عدمها تبقى مسألة إدارية من اختصاص نقابة المحامين.
  • إصدار تعليمات تنفيذية واضحة وملزمة لجميع الجهات التحقيقية، بما فيها الضابطة العدلية، تحدد دور المحامي وحدود أي استثناءات محتملة بشكل ضيق ومعلّل.
      7.2. إلى الجهات القضائية المختصة:
  • تعزيز الرقابة القضائية على مرحلة التحقيق الأولي، والتحقق من احترام حق الدفاع قبل البناء عليها في توجيه التهم أو توصيف الوقائع.
  • عدم التعويل على الإفادات المنتزعة في غياب دفاع فعّال، أو في ظل تقييد دور المحامي، باعتبارها مشوبة بخلل إجرائي جوهري.
     7.3. إلى نقابة المحامين:
  • اتخاذ دور أكثر فاعلية في رصد وتوثيق حالات تقييد أو إقصاء المحامين أثناء التحقيق، وتقديم شكاوى مؤسسية بشأنها.
  • توعية المحامين بحقوقهم القانونية أثناء مرحلة التحقيق، وتوفير الدعم المهني لهم في حال تعرضهم للمنع أو التضييق.

المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top