إنّ المتابع للملف السوري وتحدياته يدرك حجم الإشكاليات الأمنية التي تهدد السلم الأهلي بشكل مباشر. وإلى جانب حالة الفوضى الأمنية التي ما تزال تُلقي بظلالها على عناوين المشهد، تلوح في الأفق مؤشرات مقلقة على عودة الفكر المتطرف كأحد أخطر التحديات التي قد تعيد صياغة الواقع السوري بأكمله. ويبرز في هذا السياق الحدث المتمثل بفرار آلاف السجناء من تنظيم داعش عقب التطورات التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا، ما يفرض ضرورة التعمق في قراءة المشهد وتداعياته المحتملة على السلم الأهلي والمجتمعي.
إن عودة الفكر المتطرف إلى الواجهة، فكرياً وأمنياً، تتجاوز خطرها الإطار العسكري الضيق، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع السوري على استيعاب دروس الماضي، ومواجهة الفراغات النفسية والاجتماعية التي تغذي هذا الفكر. كما تفتح هذه العودة الباب أمام تساؤلات عميقة حول كيفية تفاعلها مع تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، في بلد يسعى إلى إعادة اكتشاف ذاته وسط تراكمات الحرب والدمار.
المحامي والناشط الحقوقي رشيد ورد، من ريف دمشق، يقدّم قراءة تتجاوز مسألة فرار عناصر داعش من السجون، إذ يقول: “الصراع السوري الممتد حتى اليوم لا يمكن النظر إليه من زاوية واحدة، فهو يتجاوز الحدود الجغرافية ليغدو معركة وجودية. غير أن عودة الفكر المتطرف كسلاح خفي يُعاد تشكيله ليهاجم من الداخل، تُفكك ليس فقط البنى السياسية، بل أيضاً الأرضية الأخلاقية التي تشكل الضمير الجمعي، حيث يتحول مفهوم الوطنية من عامل توحيد إلى أداة استغلال بيد من يحول اليأس إلى وقود للكراهية”.
ويؤكد ورد أن هذا الفكر لا يعيد إنتاج داعش كتنظيم عسكري فحسب، بل كـ”فيروس ثقافي” يتغلغل في الفراغات النفسية لمجتمع منهك، مستغلاً حالة اللامبالاة التي يفرضها الواقع السياسي القائم. ويضيف أن هذا الواقع يحوّل الأفراد إلى أدوات ضمن منظومة تُدمّر الروابط الإنسانية الأساسية، حيث تصبح العائلة نفسها ساحة للولاءات المتضاربة، ويُدفع الأطفال إلى تبني خطاب إقصائي يقوم على اعتبار الآخر عدواً دائماً. ويشدد على أن هذه العملية تمثل تفكيكاً تدريجياً للنسيج الوطني، ما يستدعي وقفة وطنية شاملة تعيد ترميم المفاهيم الجامعة وتعزز التشاركية على مختلف المستويات.
ويتابع ورد: “لا يمكن حصر الفكر المتطرف بداعش وحده، فثمة محرضون قد يكونون أكثر خطراً، يعتمدون خطاباً سياسياً واجتماعياً يقوم على إقصاء الآخر المختلف. ومع تزايد نفوذ هذا الخطاب داخل دوائر السلطة، يتحول السلم الأهلي إلى حالة هشة مهددة بالانهيار”. ويرى أن استخدام داعش كغطاء لتمرير سياسات معينة لا يهدد الاستقرار فحسب، بل يسهم في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية بما يعزز من حضور التطرف ويكرّس حالة من الفوضى المنظمة.
وفي سياق متصل، يلفت ورد إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المواجهات العسكرية مع داعش، بل في قدرة الفكر المتطرف على إعادة صياغة السردية الوطنية بوصفها مساراً مفتوحاً للانتقام، ما يجعل السلم الأهلي رهينة لمعالجة الجذور الاقتصادية والنفسية للأزمة قبل تفاقمها بشكل يصعب احتواؤه. ويختم بالقول: “الواقع السوري يمر بمرحلة حساسة، والخطر لا يقتصر على داعش، بل يمتد إلى خطاب تحريضي يتعزز لدى بعض المقربين من السلطة، وهو بمثابة قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي، ما يستدعي تبني خطاب وطني جامع يعزز الوحدة بدل الانقسام”.
من جهتها، ترى الناشطة المدنية عفاف الجرعتلي، أن المعركة في سوريا اليوم هي “معركة وعي جمعي”، مؤكدة أن الفكر المتطرف، سواء تمثّل بداعش أو بالخطاب الإقصائي، يشكل العائق الأكبر أمام أي مشروع للاندماج الوطني. وتقول: “منذ سقوط نظام الأسد، برز خطاب يبتعد عن مفاهيم المواطنة والسلم الأهلي، ويسهم بشكل ممنهج في تفكيك النسيج الاجتماعي”.
وتضيف الجرعتلي: “عندما يظهر أشخاص عبر وسائل الإعلام ويدعون إلى قتل مكوّن سوري، فنحن أمام كارثة وطنية. الأخطر أن هذا الخطاب يصدر أحياناً عن مقربين من السلطة، ممن يروجون لفكرة ’إما نحن أو لا أحد‘، وهو ما يعكس ذهنية إقصائية متطرفة أراها أخطر من فكر داعش ذاته”.
وتتابع: “داعش يتغذى بشكل مباشر على هذا الخطاب التحريضي. ومع فرار عناصر التنظيم من السجون، تزداد المخاطر تعقيداً، ما يتطلب موقفاً وطنياً واضحاً يواجه ليس فقط التنظيم، بل أيضاً الفكر الإقصائي في مراكز القرار”. وتشدد على أن مواجهة التطرف لا تقتصر على العمل العسكري، بل تتطلب حماية الروابط الإنسانية وتعزيز قيم التسامح، محذرة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إنتاج جيل جديد يتبنى الفكر المتطرف.
وترى الجرعتلي أن انتشار هذا الفكر يهدد بإعادة إشعال الصراعات الأهلية ذات الطابع الطائفي، ويجعل السلم الأهلي رهينة لقدرة السلطة على بناء هوية وطنية جامعة. لكنها تحذر من أن الخطاب المتطرف يقوض هذه الجهود، ويدفع المجتمع نحو دوامة عنف متجددة تغذيها الجروح الاجتماعية غير المعالجة.
وتختم بالقول: “الفكر المتطرف لا يهدد الحاضر فقط، بل يعيد إنتاج نماذج قمعية تعمق عزلة الأفراد، وتدفع باتجاه إعادة تعريف سوريا ككيان مفكك، حيث يصبح الاستقرار هدفاً بعيد المنال ما لم تُعالج جذور الأزمة بجدية”.
في الخلاصة، تبرز الحاجة الملحّة إلى تضافر الجهود الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف في سوريا، إذ لا يمكن لأي طرف منفرد التصدي لهذا التهديد المركب. ويشكّل التعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والقوى الثقافية والدينية المعتدلة مدخلاً أساسياً لبناء جبهة موحدة، تعيد صياغة السرد الوطني على أسس جامعة، وتحوّل التحديات الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء هوية وطنية قادرة على مقاومة التطرف، وترسيخ السلم الأهلي بوصفه ركيزة لمستقبل البلاد.
بلال الأحمد-إدلب
المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85501
مقالات قد تهمك









