غادر الحليف واستيقظت شهوة الهيمنة… بغداد والكورد بين وهم القوة وامتحان الدولة

تكبير الصورة

فرست عبدالرحمن مصطفى

ليست المشكلة في العراق أن الأمريكي يغادر ولا أن التحالف الدولي يغيّر طبيعة وجوده، ولا أن خارطة النفوذ الإقليمي تتبدل من حين إلى آخر. المشكلة الحقيقية أن بعض العقول السياسية لا ترى في غياب القوة الأجنبية فرصة لبناء دولة مستقلة القرار بل تراه مناسبة لإخراج مشاريع قديمة من مستودعات الأوهام، مشاريع لم تجد طريقها إلى التنفيذ طوال العقود الماضية فتعود اليوم بثياب جديدة وباللغة نفسها وبشهية أكثر انفتاحاً على الهيمنة.
ما إن تلوح في الأفق مؤشرات انتهاء مرحلة من الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف في العراق وإقليم كوردستان حتى تبدأ بعض الأصوات السياسية والإعلامية العراقية، ولا سيما من بعض المحللين والفاعلين العرب بالحديث عن إنهاء النظام الفدرالي وإلغاء إقليم كوردستان وإحكام السيطرة العسكرية والأمنية على جميع مفاصل الدولة وحدودها. بل إن بعض التصريحات تتجاوز حدود النقد السياسي إلى التلويح بمنطق القوة، وكأن العراق لم يتعلم من تاريخه الطويل أن السلاح حين يتحول إلى لغة للحكم لا يصنع دولة بل يفتح أبواباً جديدة للصراع.
يقول أحدهم، بمعنى ما يردده هذا الخطاب إن تجربة سوريا يمكن أن تُستنسخ في العراق من الشمال إلى الجنوب “لاننا نحن الأكثرية ونمتلك السلاح”. ويقول آخر “إن الوقت قد حان للسيطرة على جميع المفاصل العسكرية والأمنية للدولة”.
وهنا يحق لنا أن نسأل لا بغضب المنهزم بل ببرودة من يراجع سجل التاريخ، أي دولة تريدون بناءها؟ دولة المواطن أم دولة الغالب؟ دولة الدستور أم دولة البندقية؟ دولة الشراكة أم دولة الأكثرية حين ترتدي خوذة عسكرية؟
فإذا كانت الأكثرية وحدها تمنح الحق في السيطرة، فما الذي يبقى للدستور؟ وإذا كان السلاح هو الطريق إلى إعادة صياغة النظام السياسي، فبأي منطق نطالب الناس بالاحتكام إلى المؤسسات؟ وهل تصبح الدولة قوية حين تخضع جميع مكوناتها لإرادة مركزية واحدة، أم حين يشعر الجميع أن حقوقهم لا تتوقف على موازين القوة؟
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس الكلمات التي تُقال في لحظة انفعال سياسي وإنما العقلية التي تقف خلفها عقلية ترى التعدد مشكلة والفدرالية تنازلاً قابلاً للسحب، والحقوق القومية امتيازاً مؤقتاً تمنحه القوة الغالبة متى شاءت وتسلبه متى تبدلت الظروف.
والمفارقة أن أصحاب هذا الخطاب يتحدثون عن استعادة هيبة الدولة، بينما لا يبدو أنهم يسألون أنفسهم عن الوسيلة التي تجعل الدولة جديرة بالهيبة في نظر مواطنيها.
قبل أن تحاسبوا الإقليم… حاسبوا تاريخ الدولة.
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، مرّ العراق بمراحل متلاحقة من الانقلابات والاستبداد والحروب والقمع والتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية. وتراكمت الأزمات حتى أصبح المواطن العراقي في كثير من الأحيان يبحث عن الدولة التي تحميه أكثر مما يبحث عن الدولة التي يحكمها شعارها الرسمي.
لقد دفع العراقيون عرباً وكورداً وتركماناً ومسيحيين وإيزيديين وسائر المكونات أثماناً باهظة نتيجة سياسات الإقصاء والعنف واحتكار السلطة. ولم يكن إقليم كوردستان هو المسؤول عن كل تلك الانهيارات، كما أن وجوده لا يفسر وحده إخفاقات الدولة العراقية في الاقتصاد والخدمات والأمن والإدارة.
فماذا فعلتم للعراق؟ أيها المتحمسون لإلغاء الإقليم، حتى أصبح الكورد فجأة أصل كل مشكلة، وأصبحت حدود الإقليم آخر العقبات التي تحول دون قيام الدولة العظيمة؟
هل كانت الكهرباء مستقرة قبل أن يطالب الكورد بحقوقهم؟ هل كانت مؤسسات الدولة خالية من الفساد؟ هل كانت المحاصصة السياسية قد اختفت من بغداد ثم ظهرت من جديد بسبب برلمان الإقليم؟ وهل كانت الحدود العراقية محصنة تماماً ثم جاء إقليم كوردستان ليعطل مشروع السيادة الكاملة؟
إن تحويل الإقليم إلى شماعة جاهزة لكل فشل يشبه طبيباً يعجز عن تشخيص المرض فيقرر أن المشكلة في المرآة التي تكشف أعراضه. ولعل بعض السياسيين يفضلون خصماً دائماً على مرآة صادقة، لأن الخصم يمكن اتهامه أما المرآة فلا يمكن اعتقالها بتهمة التشهير!
العراق لا يحتاج إلى خطاب جديد يبحث عن عدو داخلي بل يحتاج إلى مراجعة شجاعة لتاريخ الدولة وأسباب تعثرها. فالدولة لا تُبنى بإخفاء إخفاقاتها خلف قضية قومية ولا باستدعاء الماضي كلما احتاجت السلطة إلى مبرر جديد لتوسيع نفوذها.
الكورد جزء من العراق… لكنهم ليسوا فائضاً في معادلة السلطة
الكورد في العراق ليسوا ضيوفاً على وطنهم، ولا جماعة سياسية تنتظر الإذن بالبقاء ولا طرفاً يمكن اختزال حقوقه في مزاج المركز أو في موازين القوى المتغيرة.
لقد أقر الدستور العراقي لعام 2005 النظام الاتحادي، واعترف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة ونظم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم وفق أحكامه. وهذه ليست منحة سياسية عابرة بل إطار دستوري ينبغي أن تُعالج الخلافات في نطاقه القانوني.
والكورد بوصفهم جزءاً أصيلاً من العراق، لا يحتاجون إلى إثبات عراقيتهم في كل مرة يطالبون فيها بحقوقهم. فالاعتراف بالخصوصية القومية والثقافية والسياسية لا يعني بالضرورة تفكيك الدولة، كما أن الفدرالية لا تعني إلغاء العراق أو تحويله إلى مجموعة دول متناحرة.
المشكلة ليست في أن يكون للكورد إقليم بل في أن بعض العقول السياسية لا تزال عاجزة عن تصور دولة تتسع لأكثر من هوية وأكثر من ذاكرة وأكثر من مركز نفوذ.
إن الوحدة الوطنية التي تحتاج إلى إلغاء حقوق مكوّن أصيل ليست وحدة راسخة، بل وحدة قلقة تخشى الاختلاف. أما الدولة التي تثق بدستورها ومؤسساتها فلا تحتاج إلى تحويل كل مطالبة بالحقوق إلى مؤامرة انفصالية.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح على أصحاب مشاريع السيطرة، هل تريدون عراقاً موحداً لأن مواطنيه مقتنعون بالعيش المشترك، أم عراقاً موحداً لأن أحداً لا يجرؤ على الاعتراض؟
الفرق بين الاثنين ليس لغوياً بل هو الفرق بين دولة تحظى بالشرعية ودولة تفرض الطاعة.
تجربة سوريا ليست دفتر تعليمات جاهزاً للعراق.
من حق السياسيين والمحللين أن يناقشوا تجربة سوريا وأن يدرسوا تحولات السلطة فيها، وأن يبحثوا في مستقبل القوى المحلية وترتيبات الأمن والسيادة. لكن تحويل التجربة السورية إلى نموذج جاهز لإعادة تشكيل العراق يتجاهل اختلاف التاريخ والدستور وطبيعة الصراعات في البلدين.
إقليم كوردستان في العراق يتمتع بوضع دستوري مختلف عن الترتيبات التي نشأت في مناطق شمال شرقي سوريا خلال سنوات الحرب. ولذلك فإن استنساخ تجربة من سياق إلى سياق آخر ليس تحليلاً سياسياً بالضرورة بل قد يكون أحياناً محاولة لانتقاء ما يخدم رغبة مسبقة.
ثم إن الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على جمع السلاح تحت قيادة واحدة، وإنما بقدرتها على إدارة التنوع وحماية الحقوق وتطبيق القانون وإيجاد حلول سياسية للنزاعات التي لا يمكن حسمها بالقوة وحدها.
ومن يظن أن السيطرة العسكرية على جميع المفاصل كافية لبناء الاستقرار فليتذكر أن تاريخ المنطقة مليء بأنظمة امتلكت أجهزة أمنية واسعة لكنها لم تستطع أن تزرع الثقة في نفوس مواطنيها.
فالأمن الذي يقوم على الخوف قد يفرض الصمت لكنه لا يصنع بالضرورة الولاء. والدولة التي تحتاج إلى تهديد مكوناتها كي تثبت قوتها، إنما تكشف عن هشاشة في مفهومها للشرعية.
لكن ماذا فعلت القيادة الكوردية لحماية الإقليم من الداخل؟
هنا تبدأ المسؤولية التي لا ينبغي أن تخيفنا، ولا ينبغي أن نتهرب منها بحجة وجود خصوم يتربصون بالإقليم.
فإذا كنا نرفض أن تتحول بغداد إلى مركز يفرض إرادته على الكورد بالقوة فعلينا أن نسأل أيضاً، هل قدمت القيادة السياسية الكوردية نموذجاً مؤسساتياً يرسخ ثقة شعبها ويجعل الدفاع عن الإقليم دفاعاً عن حقوق المواطن ومصالحه، لا مجرد دفاع عن ترتيبات حزبية ومراكز نفوذ؟
إن الإقليم ليس محصناً من النقد لمجرد أن هناك من يهدد وجوده. بل إن التهديدات الخارجية تجعل الإصلاح الداخلي أكثر إلحاحاً لا أقل.
فالخلافات الحزبية والتنافس على السلطة وأزمات الرواتب وضعف التنسيق بين المؤسسات ومشكلات الإدارة والشفافية والعلاقة المتوترة أحياناً مع بغداد، كلها ملفات تستحق معالجة جدية. ولا يمكن لأي قيادة سياسية أن تطلب من المواطن التضحية والثبات إلى ما لا نهاية، من دون أن تقدم له في المقابل مؤسسات يشعر أنها تعمل من أجله.
إن المواطن الكوردي لا يحتاج فقط إلى خطاب يدافع عن حقوقه أمام المركز بل يحتاج أيضاً إلى مدرسة جيدة ومستشفى محترم وراتب منتظم وقانون لا يتبدل بحسب النفوذ وفرصة عادلة في العمل وإدارة لا تجعل الانتماء الحزبي بوابة ضرورية إلى المستقبل.
وإذا كانت القيادة الكوردية تريد الاحتفاظ بثقة شعبها، فعليها أن تدرك أن الشرعية لا تُورث إلى الأبد من تضحيات الماضي، ولا تُضمن بمجرد رفع العلم أو استحضار أسماء القادة التاريخيين. الشرعية تتجدد كل يوم عبر الأداء والعدالة والشفافية واحترام المواطن.
فليس من الحكمة أن نطالب بغداد بالتخلي عن عقلية الهيمنة، ثم نغض الطرف عن كل ممارسة داخل الإقليم بحجة أن اللحظة السياسية لا تسمح بالنقد.
الدفاع عن الإقليم لا يعني الدفاع عن كل أخطاء حكوماته كما أن انتقاد حكومات الإقليم لا يعني التخلي عن حقوق الكورد.
وهذه المعادلة رغم بساطتها تبدو احياناً أصعب من إدارة أزمة سياسية كاملة! بين مركز يريد الهيمنة وإقليم يحتاج إلى إصلاح.
إن العراق يقف أمام سؤال أكبر من مجرد الخلاف بين بغداد وأربيل، هل يستطيع أن يتحول من دولة تتعايش فيها مراكز النفوذ إلى دولة تحكمها المؤسسات؟
لا يمكن أن تُحل مشكلات العراق بإلغاء خصوصية إقليم كوردستان، كما لا يمكن أن تُحل مشكلات الإقليم بإلقاء جميع مسؤولياته على الحكومة الاتحادية.
بغداد مطالبة باحترام الدستور والابتعاد عن لغة التهديد وتسوية الخلافات المتعلقة بالصلاحيات والموارد والأمن عبر القانون والحوار المؤسسي. وأربيل مطالبة في المقابل بإصلاح مؤسساتها وتعزيز الشفافية وتقوية العلاقة بين السلطة والمواطن ومعالجة الخلافات الداخلية التي تضعف قدرتها على الدفاع عن حقوقها بصورة موحدة.
فالدولة الاتحادية لا تعني أن المركز يتخلى عن مسؤولياته ولا تعني أن الإقليم يتحول إلى مساحة خارج المحاسبة. إنها صيغة تحتاج إلى قواعد واضحة ومؤسسات فعالة وإرادة سياسية تحترم الشراكة.
أما أن يطالب طرف بإخضاع الطرف الآخر باسم الدولة وأن يطالب الطرف المقابل بحماية كل ممارسة باسم القضية القومية، فذلك لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
السلاح لا يصنع وطناً… كما أن الشعارات لا تبني إقليماً،
ثمة وهمان ينبغي أن يتوقف العراقيون والكورد عن الوقوع في أسرهما.
الوهم الأول أن السلاح قادر على حل جميع المشكلات السياسية وأن الأكثرية تستطيع أن تجعل من إرادتها قانوناً بمجرد امتلاكها القوة.
والوهم الثاني أن رفع الشعارات القومية يكفي لحماية الإقليم، حتى لو بقيت مؤسساته تعاني من أزمات الإدارة وضعف الثقة والانقسام السياسي.
العراق يحتاج إلى دولة تحمي التعدد وإقليم يحتاج إلى مؤسسات تحظى بثقة شعبه. ولا تعارض بين الأمرين إلا في ذهن من يريد استخدام الخلافات ذريعة للهيمنة أو من يريد استخدام القضايا الكبرى ستاراً لتأجيل الإصلاح.
إن الوحدة الوطنية لا تُقاس بمدى قدرة السلطة على إسكات المختلفين بل بقدرتها على جعل الاختلاف ممكناً من دون أن يتحول إلى تهديد وجودي. والقوة الحقيقية ليست في أن يخشى المواطن الدولة وإنما في أن يثق بأن الدولة لن تتحول إلى خصم له.
إذاً من يملك العراق؟ المواطن أم من يملك السلاح؟
ليس العراق غنيمة سياسية وليس إقليم كوردستان خطأً تاريخياً ينتظر التصحيح بقرار عسكري. العراق وطن متعدد وإقليم كوردستان جزء من هذا الوطن ضمن إطاره الدستوري، وحقوق مواطنيه ليست هدية يمكن استردادها عند تغير موازين القوى.
وإذا كان بعض السياسيين يعتقدون أن غياب القوات الأجنبية يفتح الباب أمام فرض مركزية شاملة، فعليهم أن يتذكروا أن الدستور لا يتغير بمجرد مغادرة جندي أجنبي، وأن الدولة لا تستعيد هيبتها بإضعاف الثقة بين مكوناتها.
وفي المقابل على القيادة الكوردية أن تدرك أن حماية الإقليم لا تكون بالشكوى الدائمة من بغداد ولا بتأجيل الإصلاح الداخلي، ولا باعتبار كل نقد مؤامرة على القضية القومية. فالشعب الذي قدم التضحيات يستحق قيادة تحترم تضحياته ببناء مؤسسات عادلة، لا بالاكتفاء باستدعاء ذاكرة الألم في كل مناسبة.
لقد آن للعراق أن يخرج من السياسة التي تجعل كل أزمة فرصة لاتهام الآخر وكل اختلاف مقدمة للتهديد، وكل مطالبة بالحقوق مشروعاً لتفكيك الدولة.
فليتفضل أصحاب مشروع السيطرة على العراق كله قبل أن يرسموا خرائط الهيمنة من الشمال إلى الجنوب، ويخبرونا ماذا فعلتم لبناء دولة تجعل المواطن يثق بها دون أن يحتاج إلى بندقية تحميه منها؟
وليتفضل أصحاب السلطة في إقليم كوردستان في المقابل، ويجيبوا عن السؤال نفسه من زاوية أخرى، ماذا فعلتم حتى يشعر المواطن بأن الإقليم مؤسساته وحقوقه ومستقبله، لا مجرد عنوان سياسي تتنافس الأحزاب على امتلاكه؟
أما العراق هذا الوطن الذي أنهكته المشاريع الكبرى والوعود الصغيرة، فلا يحتاج إلى مزيد من الزعماء الذين يعتقدون أن امتلاك السلاح يمنحهم حق كتابة التاريخ ولا إلى قيادات تتصور أن التضحيات السابقة تعفيها من مسؤولية الحاضر.
فالوطن لا يُبنى بمنطق نحن الأكثرية ولدينا السلاح، ولا بمنطق نحن أصحاب القضية ولا نُسأل. الوطن يُبنى حين يصبح القانون أقوى من السلاح والمواطن أهم من الحزب والكرامة أوسع من حدود النفوذ.

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top