عبد الوهاب بيراني
توفي الشاعر والكاتب الكردي خليل كالو في الخامس عشر من أيلول عام 2015، بعد صراع طويل مع مرض عضال، تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وأدبياً ونضالياً حاضراً في وجدان شعبه ومحيطه الثقافي.
وُلد خليل كالو عام 1958 في قرية “ديرونا قلنكا” بريف تربه سبيه، نشأ في بيئة فلاحية بسيطة، وهو ما انعكس على شخصيته، إذ وصف نفسه بأنه “شخصية عادية وبسيطة جداً على عكس ما توحي كتاباته”، وظل متأثراً بثقافة القرية الكردية الأصيلة، وأنهى دراسته الجامعية في قسم الجيولوجيا التطبيقية بجامعة دمشق، وخلال هذه الفترة، تعلم اللغة الكردية على يد السياسي الكردي أوصمان صبري، وساهم في تعليمها للعمال والطلبة، وبدأ اهتمامه بقضايا وطنه منذ شبابه، ونتيجة لقربه من حركة التحرر الكردستانية، انخرط في الترجمة من وإلى الكردية والعربية.
كتب خليل كالو في أغلب شؤون المجتمع الكردي، وكل ما هو مرتبط بثوابته وهويته، ودافع عنها بعيداً عن الشوفونية والتعصب القومي الأعمى، وعرف كمثقف وناقد اجتماعي جريء، متمسك بمبادئ شعبه، وانتقد بشدة سلبيات الحركة السياسية والثقافية الكردية، ورأى أن المشهد الثقافي الكردي “مأزوم ورمادي”، ويفتقر إلى الإبداع والهوية الواضحة، وأن الثقافة “مكتومة الجنسية مثل أهلها وليس لها كيان”. واعتبر الصحافة “عين الشعوب”، وانتقد الصحافة الحزبية ووصفها بأنها “نشرات سرية” تخدم أيديولوجية الحزب وتمارس الإقصاء، داعياً إلى صحافة حرة وفكر حر من أجل مجتمع حر، وفي كتابه “الكردايتي وأزمة الشخصية” (2007)، تناول خللاً بنيوياً أصاب الشخصية الكردية وأخرجها من مسارها الصحيح، وناقش قضايا مثل “إخفاق الشخصية”، و”الضياع والاغتراب”، و”مسألة القيادة والتنظيم”، وآمن بأن الكتابة لها “وظيفة اجتماعية” وليست مجرد تعبير، وأن النقد بالصدمة ضروري من أجل التغيير والحداثة ورفض “التراث البالي”، كما اعتبر أن الوحدة السياسية الكردية هي “فرصة تاريخية” لنيل الحقوق المشروعة، وسعى مع رفاقه لتشكيل وفد للحوار الكردي – الكردي، لكنه أصيب بخيبة أمل بسبب “خذلانه من الأحزاب التي رفضت دور المثقفين والمستقلين”. ولعب خليل كالو دوراً بارزاً في المشهد الثقافي المنظم في منطقة الجزيرة، حيث كان عضواً فاعلاً في اتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة، وتجلى دوره في هذا الاتحاد من خلال المشاركة في الفعاليات، إذ كان الاتحاد حاضراً بقوة في مراسم عزاء كالو، مما يعكس مكانته وعلاقته الوثيقة به، وبعد رحيله، تولى اتحاد المثقفين في الجزيرة مسؤولية إحياء ذكرى رحيله السنوية في مسقط رأسه، بحضور الكتاب والمثقفين، تقديراً لمسيرته النضالية، وكان كالو من الشخصيات الثقافية التي لعبت “دوراً إيجابياً ومساهماً” في تأسيس اتحاد الكتاب الكرد في سوريا، حيث حث على القيام بهذه المهمة، وحضر اجتماعات عدة، وقدم مقترحات بارزة. وتقديراً لجهوده، منحته صحيفة “روناهي” عضوية فخرية كونه من أعضاء هيئة التحرير الفخريين، كما منحته وحدات حماية الشعب (YPG) شهادة عضو فخري في صفوفها.
وترك كالو إرثاً ثقافياً متنوعاً يشمل التأليف والترجمة والشعر، فقد ألف كتاب “الحكم والأمثال الكردية”، ويضم مئتي مثل كردي ومعانيه، وكتاب “الكردايتي وأزمة الشخصية”، وكتاباً في مواضيع متنوعة، وترجم كتاب “مذكرات شاهد عيان” للكاتب “ملا حسني كرد” من الكردية إلى العربية، وطبع في هولير عام 2010، وترجم ستة كتب من محاضرات القائد عبد الله أوجلان، وترجم مذكرات حسن هشيار عن ثورة 1925، وترجم وأعد ستة كتب سياسية بالعربية، ونشر مقالات في صحف عدة ومجلات كردية، ووصل ما كتبه من الشعر الكردي إلى مائة قصيدة “شعر غنائي” منذ عام 1988، وهناك 16 فيديو كليب وأربعون أغنية من أشعاره، وأسّس منتدى ثقافياً باسم “منتدى جكرخوين الثقافي” في منطقة آليان، وألقى فيه عشرات المحاضرات عن الثقافة والهوية الكردية، وغنى أشعاره الكثير من الفنانين الكرد، أمثال: سروت من باكور كردستان، وخيرو عباس، والفنانة روميدا، وسيلفانا، والفنان عماد ميكائيل، ودلو دوغان.
كان خليل كالو مثقفاً عضوياً ارتبط مصيره بمصير شعبه، فجمع بين النقد الجريء والالتزام بالقضية، ولم يكن مجرد كاتب، بل كان فاعلاً في المؤسسات الثقافية التي شكلت وعي المجتمع الكردي، وعلى رأسها اتحاد المثقفين في الجزيرة، الذي كان منبراً لنشاطه النقدي والتنويري، وظل حتى وفاته في 15 ايلول 2015 متمسكاً بموقفه، ناقداً “الخطأ دون خوف”، كما كان يقول.
وفي الذكرى السنوية الـحادية عشرة لرحيله، يبقى خليل كالو حاضراً عبر إنتاجه الأدبي والثقافي، وأعماله التي وثقت الهوية والثقافة الكردية، ومواقفه التي لم تهادن في قول الحق ونقد الخلل، ونتقدم بأحر التعازي وأصدقها، ونجددها لرفاقه في اتحاد المثقفين في الجزيرة، ولعائلته الكريمة، وأصدقائه ومحبيه، سائلين أن يظل إرثه الفكري والأدبي منارة للأجيال القادمة.
صحيفة روناهي
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






