د. فيصل صادق توفيق
دكتوراه فلسفة في القانون الدولي _ دستوري
هناك كلمات لا تقال، بل تبكي.
ومن بين أكثر الكلمات التي هزّت وجداني، ما نُقل على لسان طفل صغير، وهو ينظر إلى صورة والده الشهيد ويسأل أمه: "لماذا آباء أصدقائي يذهبون إلى أعمالهم كل صباح، بينما أبي مجرد صورة لا تعمل، وأنتِ وحدك تعملين وتتعبين؟" ذلك السؤال لم يكن سؤال طفل فحسب، بل كان سؤال أمة كاملة ما زالت تبحث عن العدالة.
فالأنفال لم تكن مجرد عملية عسكرية انتهت بانتهاء المعارك، ولم تكن الجينوسايد التي تعرض لها البارزانيون رقما في كتب التاريخ، وإنما كانت محاولة لاقتلاع الإنسان من ذاكرته، والأسرة من جذورها، والطفولة من براءتها.
إن الذين يتحدثون عن آلاف الشهداء والأرقام والإحصاءات قد يغفلون حقيقة واحدة؛ وهي أن خلف كل شهيد بيتا ينتظر، وزوجة قاومت الحياة وحدها، وطفلا كبر وهو لا يعرف من والده إلا صورة معلقة على الحائط. أي ظلم أعظم من أن يرث الطفل صورة بدلا من حضن أبيه؟
إن الإبادة الجماعية لا تقتل الإنسان مرة واحدة، بل تقتله في كل يوم؛ عندما يكبر أبناؤه أيتاما، وعندما تتحمل الأمهات وحدهن مسؤولية الحياة، وعندما يسأل طفل بريء سؤالا لا تستطيع الدنيا كلها أن تقدم له جوابا يقنع قلبه. لقد أراد منفذو تلك الجرائم أن يمحوا شعبا بأكمله، لكنهم لم يدركوا أن الدم قد يصنع تاريخا، وأن المأساة قد تتحول إلى هوية، وأن الشعوب التي تدفع أثمانا باهظة من أجل وجودها تصبح أكثر تمسكا بالحياة.
إن جينوسايد البارزانيين لم يكن استهدافا لعائلة أو عشيرة أو منطقة، بل كان اعتداء على الكرامة الإنسانية، وعلى حق الإنسان في الحياة والهوية والانتماء. ولذلك فإن استذكار هذه الجريمة لا ينبغي أن يكون مناسبة للبكاء فقط، وإنما مناسبة لتجديد الالتزام بعدم السماح بتكرار مثل هذه الجرائم بحق أي شعب أو أي إنسان. إن العدالة الحقيقية لا تعني الانتقام، بل تعني حفظ الذاكرة، وإنصاف الضحايا، وتعليم الأجيال الجديدة أن الكراهية لا تبني وطنا، وأن احترام الإنسان هو أساس كل حضارة.
واليوم، وبعد عقود طويلة، ما زالت صور الشهداء معلقة في آلاف البيوت، وما زالت الأمهات اللواتي حملن أعباء الحياة وحدهن يمثلن مدرسة في الصبر والكرامة، وما زال أطفال الأمس يحملون في قلوبهم السؤال ذاته، وإن تغيرت أعمارهم. ولعل أعظم وفاء لأولئك الشهداء هو أن نبني مجتمعا يحترم الإنسان، ويصون القانون، ويمنع الظلم، ويجعل من الذاكرة جسرا نحو المستقبل لا قيدا يمنعنا من السير إليه. ويبقى صوت ذلك الطفل يطرق ضمير كل من يقرأ التاريخ: ” لماذا يعمل آباء أصدقائي بينما أبي مجرد صورة ؟” .
انه سؤال لا يجيب عنه كتاب، ولا خطاب سياسي، ولا نصب تذكاري. إنما تجيب عنه العدالة، ويجيب عنه الوفاء، ويجيب عنه وطن لا ينسى أبناءه الذين دفعوا حياتهم ثمنا لكرامته.




