| مهند محمود شوقي |
لم يكن الحوار الذي دار بيني وبين أحد أبناء جلدتي حديثًا عابرًا، بل كان أشبه بمرآة وُضعت فجأة أمام سؤال مؤجل منذ عقود. سألني بهدوء لا يخلو من مرارة: لماذا لم تصل القضية الكوردية، بحقوقها وتاريخها وعمقها الإنساني، إلى المتلقي العربي كما هي، لا كما أُريد لها أن تُختصر أو تُشوَّه؟ ولماذا بقيت فكرة أن للأمة الكوردية حقوقًا، أسوة بالأمة العربية وبقية أمم العالم، فكرة ثقيلة على الوعي العام في المنطقة، تُقابل غالبًا بالريبة لا بالفهم؟
لم ييدو السؤال غريبًا عليّ، ولا بعيدًا عن ذاكرتي الشخصية. فقد حملتُ، مثل كثير من الكورد، ذاكرة تهجير لا تُدوَّن في السجلات الرسمية، لكنها تعيش في تفاصيل البيوت المؤقتة، والحقائب التي لا تُفرَّغ، والأسماء التي تغيّر أمكنتها دون أن تغيّر انتماءها. شهدتُ تنقلات عشيريتي من كويسنجق إلى أربيل، ثم إلى الموصل، فبغداد؛ مسارًا جغرافيًا فرضته التحولات السياسية أكثر مما اختاره الناس. لم تكن تلك التنقلات بحثًا عن رفاه، بل هروبًا صامتًا من ضيقٍ يتبدل شكله ولا يتبدل جوهره، ومن شعور دائم بأن الاستقرار ترفٌ مؤجل للكورد وحدهم.
ذلك السؤال لم يكن اتهامًا بقدر ما كان توصيفًا لحالة. فالقضية الكوردية، رغم عدالتها ووضوح مسارها التاريخي، ظلت حبيسة قراءات سياسية سطحية، اختزلتها في صراعات آنية، وأخرجتها من سياقها الطبيعي كقضية شعب ضارب في الجغرافيا والتاريخ. فالكورد لم يظهروا فجأة مع خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولم يكونوا نتاج لحظة سياسية عابرة، بل هم جزء أصيل من هذه المنطقة، وهو ما تؤكده كتابات تاريخية مبكرة، بدءًا من هيرودوت الذي أشار إلى الكاردوخيين في القرن الخامس قبل الميلاد، مرورًا بمصادر إسلامية كلاسيكية مثل المسعودي وابن الأثير، وصولًا إلى دراسات حديثة ترى في الكورد جماعة قومية مستقرة في هذه الجغرافيا منذ آلاف السنين.
وفي العراق تحديدًا، لم يكن الكورد يومًا طارئين على الدولة أو المجتمع. فقد شكّلت الإمارات الكوردية، مثل إمارة بابان وسوران وبهدينان، وحدات سياسية قائمة بذاتها قبل القرن التاسع عشر، وكانت تدير شؤونها ضمن منظومة الدولة العثمانية، وهو ما وثّقه مؤرخون عثمانيون وغربيون على حد سواء. هذا الوجود التاريخي لا يحتاج إلى إعادة اختراع، بل إلى اعتراف موضوعي بأن الدولة الحديثة جاءت متأخرة عن الشعوب، لا العكس.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، دخلت القضية الكوردية منعطفها الأخطر. فبينما نصّت معاهدة سيفر عام 1920 على إمكانية قيام كيان كوردي مستقل، جرى التراجع عن ذلك في معاهدة لوزان عام 1923، لتُقسَّم الأمة الكوردية بين أربع دول، في واحدة من أوضح حالات إخضاع مصير شعب كامل لمعادلات القوى الكبرى. الباحث البريطاني ديفيد ماكدويل، في كتابه المرجعي A Modern History of the Kurds، يصف هذا التحول بوصفه اللحظة التي تحوّل فيها الكورد من “شعب ذي قضية” إلى “مشكلة إقليمية” داخل دول متعددة، وهو توصيف ما زال قائمًا حتى اليوم.
في العراق، لم يكن هذا التقسيم مجرد حدث سياسي، بل بداية مسار طويل من الصدام. فمنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، لم تُبنَ العلاقة مع الكورد على أساس شراكة متكافئة، بل على منطق الاحتواء القسري أو القمع عند الحاجة. تعاقبت الانتفاضات والحروب، حتى بلغت المأساة ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي، حين نفّذ النظام العراقي السابق حملات الأنفال، التي وثّقت الأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش خلالها مقتل أو اختفاء ما يقارب 182 ألف مدني كوردي، فضلًا عن استخدام السلاح الكيميائي في حلبجة عام 1988، وهي جريمة صُنّفت لاحقًا كجريمة إبادة جماعية في قرارات رسمية داخل العراق وخارجه.
ورغم هذا السجل المثقل بالأدلة، بقيت هذه الحقائق غائبة أو هامشية في الخطاب العربي العام، وكأن الاعتراف بها يفرض مراجعة مؤلمة للسرديات الوطنية السائدة. وبعد عام 1991، ثم 2003، لم يسعَ كوردستان العراق إلى القطيعة مع الدولة، بل إلى حماية الإنسان أولًا. تشكّل الإقليم في سياق فرضته الضرورة الأمنية والسياسية، ثم أُقرّ دستوريًا بعد 2005، حين اعترف الدستور العراقي بإقليم كوردستان ككيان اتحادي وفق المادة 117، في نص صريح لا يحتمل التأويل.
ومنذ ذلك الحين، ورغم الأزمات السياسية والاقتصادية، استطاع الإقليم بناء مؤسسات تعليمية وصحية وأمنية مستقرة نسبيًا، واستقبل أكثر من مليون نازح ولاجئ بعد عام 2014، بحسب بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في وقت كانت فيه مناطق واسعة من العراق تغرق في الفوضى. ومع ذلك، ظل هذا الجهد يُقابل بالتشكيك بدل التقدير، وكأن الاستقرار ذاته بات تهمة.
وساهم الإعلام العراقي، في جانب غير قليل منه، في ترسيخ هذه النظرة. فبدل أن يكون مساحة لتقديم رواية متوازنة، اختار في محطات عديدة خطاب التصعيد، وقدّم الكورد كخصم سياسي دائم، لا كشريك وطني، متجاهلًا أن الخلافات الدستورية والمالية موثقة في نصوص رسمية وتقارير صادرة عن الحكومة الاتحادية نفسها، وعن مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد.
القضية الكوردية، في جوهرها، ليست نزاعًا على حدود ولا صراعًا على موارد، بل معركة وعي. هي محاولة لتحويل التاريخ من مادة إنكار إلى حُجّة، وتحويل الحُجّة من صدام إلى قناعة. فحين يُقرأ التاريخ بإنصاف، كما تفعل معظم الدراسات الأكاديمية المحايدة، لا يعود الاعتراف بحقوق الكورد تهديدًا لوحدة الدول، بل شرطًا لاستقرارها. وحين تُفهم هذه القضية خارج منطق التخوين، تصبح جزءًا من مشروع عدالة أوسع، لا استثناءً مزعجًا له.
ما لم يُدرك المحيط أن إنكار حقوق الكورد لم يُنتج يومًا استقرارًا، وأن الشراكة لا تُبنى بالقوة بل بالاعتراف، ستبقى الأسئلة مفتوحة، وسيبقى السؤال الكوردي مطروحًا، لا بدافع الغضب، بل لأن التاريخ، مهما طال تجاهله، لا يتوقف عن المطالبة بحقه في أن يُفهم… وأن يُصدَّق.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=81876




