لم يكن ما جرى في كوردستان سوريا مجرّد فشل إداري أو سوء إدارة مرحلة، بل كان انهيارًا كاملًا لوهمٍ سياسي بني على إنكار الحقيقة الأساسية: لا شراكة حقيقية دون اعتراف صريح بالهوية الكوردية وأرضها. فحين تخلّى الخطاب السياسي عن اسم كوردستان سوريا، تخلّى تدريجيًا عن مضمونها، وفتح الباب أمام قوى استثمرت التضحيات الكوردية ثم انقلبت عليها عند أول منعطف حاسم
أولًا: فشل مشروع “أخوة الشعوب” وانكشاف حقيقته
لقد روّج لمشروع “أخوة الشعوب” بوصفه نموذجًا تحرريًا جامعًا يتجاوز القوميات والهويات، ويؤسس لتعايش ديمقراطي عادل. غير أن التجربة العملية في كوردستان سوريا أثبتت أن هذا المشروع لم يكن سوى غطاء أيديولوجي أتاح لجهات غير كوردية الاحتماء بالجغرافيا الكوردية، واستثمار تضحيات الشعب الكوردي، ثم الانقلاب عليه عند أول مفترق سياسي أو عسكري.
فمن كانوا ضيوفًا أصبحوا خصومًا، ومن رفعوا شعارات الشراكة مارسوا الإقصاء، ومن تحدّثوا عن الأخوّة لم يترددوا في نفي الهوية الكوردية أو تمييعها. وهكذا سقط المشروع عند أول اختبار حقيقي، لأنّه لم يبن على الاعتراف الصريح بحقوق الشعب الكوردي، بل على تجاوزها وتسويفها.
ثانيًا: المصطلح ليس تفصيلًا لغويًا بل موقف سياسي
إن استخدام مصطلحات مثل “روج آفا” أو “شمال وشرق سوريا” لا يمكن النظر إليه بوصفه خيارًا لغويًا بريئًا، بل هو اختيار سياسي واعٍ يهدف إلى: فصل الجغرافيا الكوردية عن سياقها القومي والتاريخي.
تجنّب الاعتراف بوجود كوردستان مجزّأة بفعل اتفاقيات استعمارية.
طمأنة القوى الإقليمية المعادية لأي ذكر لكوردستان.
في المقابل، فإن مصطلح كوردستان سوريا: يربط الجغرافيا الكوردية في سوريا بامتدادها الطبيعي في كوردستان الكبرى. يؤكد أن القضية الكوردية في سوريا ليست طارئة ولا وليدة الحرب، بل قضية شعب أصيل. يمنح الخطاب الكوردي وضوحًا وقوة في المحافل السياسية والقانونية الدولية.
ثالثًا: كوردستان سوريا – الجذور التاريخية والشرعية السياسية
إن كوردستان سوريا ليست اختراعًا حديثًا ولا شعارًا عاطفيًا، بل توصيفًا له جذوره في: الكتابات الجغرافية والتاريخية قبل قيام الدولة السورية الحديثة. الوجود الديمغرافي الكوردي المتواصل منذ قرون. السياسات التعريبية الممنهجة التي مورست ضد الكورد، ما يؤكد الاعتراف الضمني بخصوصية هذه الجغرافيا.
كما أن القانون الدولي، الذي يقرّ بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يتعامل مع الشعارات الفضفاضة، بل مع شعوب معرّفة وأراضٍ مسماة. ومن هنا، فإن استخدام مصطلح كوردستان سوريا يعزّز أي مطالبة مستقبلية بالحقوق القومية، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو إدارية.
رابعًا: قوة المصطلح في بناء الوعي الكوردي
إن أخطر ما خلّفته المرحلة السابقة ليس فقط الخسائر السياسية، بل تشويش الوعي الكوردي نفسه. إذ نشأ جيل يتحدث عن أرضه دون أن يسميها باسمها الحقيقي. لذلك فإن إعادة ترسيخ مصطلح كوردستان سوريا هو: فعل مقاومة ثقافية. خطوة أساسية في إعادة بناء الهوية القومية. شرط لازم لأي مشروع وطني كوردي مستقل القرار. فالشعوب التي تتنازل عن اسمها، تتنازل تدريجيًا عن حقوقها، ثم عن وجودها.
خاتمة
لقد آن الأوان للخروج من مرحلة المجاملات السياسية والمصطلحات الرمادية. فالتجربة أثبتت أن من لا يعترف بكوردستان سوريا لفظًا، لن يعترف بها حقًا. إن ترسيخ هذا المصطلح ليس موجّهًا ضد أحد، بل هو دفاع مشروع عن الحقيقة التاريخية والحق السياسي.
كوردستان سوريا ليست تفصيلًا لغويًا، بل عنوان قضية. وليست شعارًا إقصائيًا، بل إطارًا عادلاً لأي شراكة حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل. ومن هنا، فإن استخدام هذا المصطلح اليوم هو واجب ثقافي، ومسؤولية سياسية، وخطوة أساسية نحو مستقبل لا يبنى على الأوهام، بل على الوضوح والحق.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=82331





