د. جوتيار تمر
ليست كوردستان مجرد إقليم يتمتع بوضع دستوري خاص داخل الدولة العراقية، ولا تجربة سياسية يمكن اختزالها في حدودها الإدارية أو في تعاقب حكوماتها، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل تشكل عبر قرن من الصراع من أجل الاعتراف بالوجود والحقوق السياسية للشعب الكوردي، وقد أفضى هذا المسار إلى قيام كيان سياسي استطاع، رغم تعقيدات البيئة العراقية والإقليمية، أن يرسخ حضورا سياسيا ودستوريا لم يكن ثمرة تسوية عابرة، بل نتاجا لتراكم طويل من التضحيات والتحولات التاريخية.
غير أن التاريخ يمنح الشعوب شرعية التأسيس، ولا يمنحها بالضرورة ضمانة الاستمرار، فالمشروعات الوطنية لا تقاس فقط بقدرتها على انتزاع الاعتراف أو حماية وجودها، وإنما بقدرتها على بناء نظام سياسي يحول شرعية الكفاح إلى شرعية مؤسسية، ويجعل بقاء الكيان قائما على قوة مؤسساته أكثر من اعتماده على رمزية تاريخه، ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي يواجه إقليم كوردستان اليوم لم يعد متعلقا بشرعية وجوده، فقد تجاوزت التجربة هذه المرحلة، وإنما بمدى نجاح نظامه السياسي في إنجاز التحول من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة بناء المؤسسات.
وخلال أكثر من ثلاثة عقود، تمكن الإقليم من المحافظة على كيانه السياسي والإداري في بيئة اتسمت بالحروب، والأزمات الاقتصادية، والنزاعات الدستورية، والتدخلات الإقليمية، وهي منجزات لا يمكن تجاهلها عند تقييم التجربة الكوردستانية، غير أن هذه المنجزات، على أهميتها، لا تعفي من طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا بقيت الأزمات السياسية والاقتصادية والإدارية تعود بصورة متكررة، رغم استقرار الكيان السياسي واستمرار مؤسساته؟.
لا تنطلق هذه المقالة من فرضية أن المشكلة تكمن في نقص الشرعية التاريخية، ولا من تصور يرجع جميع الإخفاقات إلى الضغوط الخارجية، بل من فرضية مختلفة، مؤداها أن التحدي الرئيس الذي واجه التجربة الكوردستانية تمثل في بطء الانتقال من شرعية حركة التحرر إلى شرعية النظام السياسي المؤسسي؛ فالأحزاب الكوردية التي قادت مشروع التحرر الوطني أصبحت، بعد تأسيس الإقليم، الفاعل الرئيس في صياغة النظام السياسي وإدارة مؤسساته، ومن ثم فإن تقييم التجربة لا يمكن أن ينفصل عن تقييم الكيفية التي أدارت بها هذه الأحزاب والقيادات عملية الانتقال من قيادة مشروع وطني إلى إدارة سلطة عامة، ومن هذه الزاوية، لا يهدف هذا المقال إلى إصدار أحكام أخلاقية على الأحزاب أو القيادات السياسية، ولا إلى التقليل من حجم التضحيات التي قدمتها الحركة الوطنية الكوردية، بل إلى قراءة البنية السياسية التي تشكلت بعد قيام الإقليم، وتحليل الآليات التي أعادت إنتاج الأزمات، انطلاقا من أن المسؤولية التاريخية في النظم السياسية تتحدد بمقدار السلطة التي تمتلكها القوى الفاعلة، وأن الجهة التي صنعت المنجزات هي نفسها الجهة التي تتحمل مسؤولية ما رافقها من اختلالات؛ فالتاريخ لا يفصل بين الإنجاز والإخفاق، بل ينسب كليهما إلى من امتلك سلطة القرار، لقد نجحت الحركة الوطنية الكوردية في تحقيق ما عجزت عنه أجيال متعاقبة، إذ انتقلت بالقضية الكوردية من هامش السياسة العراقية إلى أحد عناصرها الدستورية، ورسخت وجود كيان سياسي يتمتع بمؤسسات وسلطات وصلاحيات لم تكن متاحة في أي مرحلة سابقة من التاريخ الكوردي المعاصر، وكانت هذه النقلة نتيجة طبيعية لشرعية تاريخية تراكمت عبر عقود من النضال، حتى غدت الأحزاب الكوردية صاحبة الشرعية السياسية الأولى داخل الإقليم.
غير أن شرعية التحرر، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء نظام سياسي مستقر، فهي تمنح القوى السياسية حق قيادة مرحلة التأسيس، لكنها لا تعفيها من متطلبات مرحلة مختلفة، هي مرحلة بناء المؤسسات، وهنا واجهت التجربة الكوردستانية تحديا أكثر تعقيدا من تحديات الكفاح الوطني؛ إذ لم يعد المطلوب الدفاع عن وجود الكيان، بل بناء قواعد حكم تجعل هذا الكيان قادرا على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص، وعن موازين القوى الحزبية، وعن التحولات السياسية المتغيرة.
لقد انتقلت الأحزاب الكوردية إلى السلطة وهي تحمل البنية التنظيمية التي تشكلت في ظروف الثورة والكفاح المسلح، وهي بنية أثبتت كفاءتها في إدارة الصراع، لكنها لم تكن، بالضرورة، البنية الأكثر ملاءمة لإدارة سلطة عامة تتطلب مؤسسات مستقلة، وتوزيعا واضحا للصلاحيات، وآليات رقابة ومساءلة، وفصلا بين المجال الحزبي والمجال المؤسسي، ومن هنا برزت إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الكوردستانية؛ فالقوى التي نجحت في بناء الكيان لم تنجح، بالدرجة نفسها، في بناء الدولة داخل الكيان.
ولا يعني ذلك أن الأحزاب أخفقت في أداء دورها التاريخي، بل يعني أن طبيعة المرحلة تغيرت بينما بقيت أدوات إدارتها تتغير ببطء، ففي مراحل التحرر، تكون وحدة القرار وتركيز السلطة شرطا لنجاح الحركة الوطنية، أما في مراحل بناء الكيانات السياسية، فإن استقرار النظام يتوقف على توزيع السلطة بين مؤسسات مستقلة، وعلى انتقال الشرعية من التنظيم إلى القانون، ومن القيادة التاريخية إلى المؤسسات الدائمة، وكلما تأخر هذا الانتقال، أصبحت مؤسسات الحكم أكثر ارتباطا بالتوازنات السياسية منها بالقواعد المؤسسية.
ومن هنا، فإن الأزمات التي شهدها الإقليم خلال العقود الماضية وإلى اللحظة، لا تبدو، عند النظر إليها في سياقها التاريخي، أزمات منفصلة، بل حلقات متعاقبة أنتجتها البنية السياسية ذاتها، فأزمات الرواتب، وتعثر الإصلاح الإداري، وبطء استكمال البناء الدستوري، وتأخر توحيد المؤسسات الأمنية، والارتباك في بعض الملفات الاستراتيجية، ليست ظواهر مستقلة عن بعضها، وإنما نتائج متعددة لآلية واحدة في إنتاج السلطة، ظلت تعتمد على إدارة التوازنات أكثر من اعتمادها على ترسيخ قواعد مؤسسية مستقرة.
لذلك، فإن تفسير هذه الأزمات من خلال أخطاء الحكومات المتعاقبة وحدها، أو من خلال الظروف الإقليمية وحدها، يبقى تفسيرا ناقصا، فالحكومات كانت تعمل داخل بنية سياسية سبق أن رسمت حدود حركتها، كما أن الضغوط الخارجية لم تكن لتترك آثارها بهذا العمق لولا وجود اختلالات داخلية سهلت انتقالها إلى بنية النظام السياسي، ولهذا فإن العامل الخارجي لم يكن منشئا للأزمة بقدر ما كان كاشفا لها ومضاعفا لآثارها.
ومن هذه الزاوية، تصبح مسؤولية الأحزاب والقيادات السياسية مسؤولية تاريخية لا لأنها ارتكبت أخطاء أكثر من غيرها، وإنما لأنها كانت صاحبة القرار وصاحبة النفوذ وصاحبة القدرة على رسم قواعد النظام السياسي منذ تأسيس الإقليم، فالتاريخ لا يحمل المسؤولية لمن امتلك النوايا، وإنما لمن امتلك السلطة، وكما تنسب إلى هذه الأحزاب إنجازات تثبيت الكيان، وحماية التجربة، وترسيخ الحضور الكوردي في المعادلة العراقية، فإن الاختلالات البنيوية التي رافقت بناء النظام السياسي تدخل، بالقدر نفسه، ضمن مسؤوليتها التاريخية، لأنها كانت الفاعل الرئيس في صياغة هذا النظام وتوجيه مساره.
ولا يمكن فهم هذا المسار بمعزل عن طبيعة الاقتصاد الذي تشكل في الإقليم خلال العقود الماضية، فالمشكلة لم تكن في محدودية الموارد وحدها، ولا في الأزمات المالية المتعاقبة، بل في الكيفية التي اندمج بها الاقتصاد في بنية النظام السياسي، فالاعتماد الكبير على العائدات النفطية، والإيرادات الجمركية التي بقيت خاضعة لآليات إدارة متعددة، إلى جانب التحويلات المالية القادمة من بغداد، جعل الاقتصاد أقل قدرة على إنتاج استقلاله الذاتي، وربط جانبا مهما من النشاط الاقتصادي بقرارات السلطة السياسية، ومع مرور الوقت، لم يعد الاقتصاد مجالا مستقلا عن السياسة، بل أصبح جزءا من معادلة توزيع النفوذ وإدارة التوازنات، وهو ما حد من فرص بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تقليل الاعتماد على الريع وتعزيز استقلال القرار السياسي.
ولم يكن ذلك نتيجة خيارات اقتصادية فحسب، بل انعكاسا لطبيعة العلاقة بين السلطة والموارد العامة، ففي الاقتصادات الريعية تميل السلطة إلى إدارة الموارد أكثر من إدارة الإنتاج، ويصبح الحفاظ على توازنات توزيع الموارد جزءا من استقرار النظام السياسي نفسه، ومن ثم، لم تعد الإصلاحات الاقتصادية تتوقف على جدواها الفنية وحدها، وإنما أصبحت ترتبط أيضا بتأثيرها في موازين القوى القائمة، الأمر الذي جعل كثيرا من مشاريع الإصلاح تتقدم ببطء، أو تتوقف عند حدود لا تمس البنية العميقة للنظام.
ولذلك لم يكن الاقتصاد الريعي مجرد سمة اقتصادية للتجربة الكوردستانية، بل تحول إلى أحد عناصر بنيتها السياسية، فكلما ازداد ارتباط الموارد العامة بمراكز القرار، تعاظم تأثير الاعتبارات السياسية في إدارة الاقتصاد، وأصبح الانتقال إلى نموذج إنتاجي أكثر استقلالا يقتضي، في الوقت نفسه، إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والموارد، ومن هنا، فإن تعثر الإصلاح الاقتصادي لم يكن منفصلا عن تعثر الإصلاح المؤسسي، لأن كلا منهما ظل يعيد إنتاج الآخر ضمن البنية السياسية ذاتها.
وفي السياق نفسه، شكلت العلاقة مع الحكومة الاتحادية عاملا مؤثرا في تطور التجربة الكوردستانية، فمنذ إقرار الدستور العراقي، ظل الخلاف حول الصلاحيات الدستورية، وإدارة الثروات الطبيعية، والموازنة العامة، والمناطق المتنازع عليها، أحد العناصر الثابتة في العلاقة بين بغداد وأربيل. غير أن هذا الخلاف لم يكن مجرد نزاع قانوني حول تفسير النصوص الدستورية، بل تحول إلى عامل دائم أعاد تشكيل أولويات النظام السياسي داخل الإقليم.
وقد فرضت المواجهة المستمرة مع بغداد على القيادات الكوردية توجيه جانب مهم من طاقتها السياسية نحو إدارة الصراع الخارجي والدفاع عن المكتسبات الدستورية، وهو ما كان مبررا في كثير من المحطات، إلا أن استمرار هذا الواقع أفضى، في المقابل، إلى تأجيل ملفات داخلية لا تقل أهمية، وفي مقدمتها استكمال البناء الدستوري للإقليم، وتعزيز استقلال المؤسسات، وإعادة هيكلة الإدارة العامة، وتنويع الاقتصاد، وهكذا لم تعد الأزمة الداخلية منفصلة عن الأزمة الخارجية، بل أصبح كل منهما يغذي الآخر؛ فكلما تصاعد الخلاف مع بغداد تراجعت أولوية الإصلاح الداخلي، وكلما تأخر الإصلاح ازدادت قدرة الضغوط الخارجية على التأثير في بنية النظام السياسي.
ومن هنا، فإن تفسير تعثر التجربة الكوردستانية بعامل واحد، سواء كان بغداد أو التدخلات الإقليمية أو الانقسامات الحزبية، يظل تفسيرا قاصرا، فالأنظمة السياسية لا تنتج أزماتها من سبب منفرد، وإنما من تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية التي تتغذى بعضها من بعض، وفي الحالة الكوردستانية، تداخلت بنية النظام الحزبي، وطبيعة الاقتصاد الريعي، واستمرار النزاع مع بغداد، في إنتاج حالة أصبح فيها الإصلاح أكثر صعوبة مع مرور الزمن، لأن كل عنصر من هذه العناصر كان يعزز بقاء العنصر الآخر.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للنخبة السياسية بوصفها القوة التي احتكرت إدارة هذه المرحلة منذ تأسيس الإقليم، فهذه المسؤولية لا تفهم بوصفها إدانة سياسية، وإنما بوصفها نتيجة طبيعية لاحتكار القرار، فالأحزاب التي صاغت مؤسسات الحكم، وأدارت الموارد، ورسمت العلاقات مع بغداد، وحددت أولويات التنمية، هي نفسها التي تتحمل، في ميزان التاريخ، مسؤولية المسار الذي انتهت إليه التجربة، تماما كما تنسب إليها المنجزات التي حققتها، فالتاريخ لا يقيس المسؤولية بالنوايا، بل بمقدار السلطة التي امتلكها الفاعلون، وبالنتائج التي ترتبت على ممارستهم لها، ومن هذه الزاوية، لا تبدو القضية الكوردية اليوم في حاجة إلى إعادة إنتاج شرعية تاريخية جديدة، لأن هذه الشرعية أصبحت جزءا من الوعي الوطني الكوردي، وإنما في حاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشرعية التاريخية والشرعية المؤسسية، فالمجتمعات التي تنجح في تثبيت وجودها تواجه، في مرحلة لاحقة، اختبارا مختلفا، يتمثل في قدرتها على جعل القانون أقوى من التوازنات، والمؤسسات أكثر استقرارا من الحكومات، والدولة أكثر دواما من الأحزاب. وفي هذا الانتقال تحديدا يتحدد مستقبل التجربة الكوردستانية، ويتحدد أيضا الحكم التاريخي الذي ستصدره الأجيال القادمة على هذه المرحلة، إن التجربة الكوردستانية تقف اليوم عند نهاية مرحلة تاريخية وبداية مرحلة أخرى. فالمرحلة التي أعقبت انتفاضة عام 1991، ثم ترسخت بعد عام 2003، كانت مرحلة تثبيت الوجود السياسي، ومن ثم الاعتراف الدستوري بالإقليم عام 2005، وهي مرحلة أنجزت هدفها الأساسي، على الرغم من الحروب والأزمات والتحديات التي أحاطت بها، أما المرحلة التي بدأت تتشكل خلال العقد الأخير، فهي مرحلة مختلفة في طبيعتها؛ إذ لم يعد السؤال الرئيس يتعلق بحق الكورد في إدارة كيانهم السياسي، وإنما بقدرة هذا الكيان على إعادة بناء نفسه وفق منطق الدولة والمؤسسات.
ولا يعني ذلك التقليل من حجم المنجزات التي تحققت، فهذه المنجزات أصبحت جزءا من التاريخ السياسي الحديث للشعب الكوردي، كما لا يعني تجاهل الضغوط الإقليمية والدولية التي أحاطت بالتجربة، إذ لم تكن كوردستان تعمل في بيئة مستقرة أو في إطار دولة اتحادية مستقرة، غير أن صعوبة الظروف لا تعفي النخب السياسية من مسؤولية إدارة نتائجها، لأن قيمة القيادة السياسية لا تقاس بقدرتها على مواجهة الأزمات وحدها، بل بقدرتها على منع تحول الأزمات المؤقتة إلى سمات دائمة في بنية النظام السياسي، ومن هذه الزاوية، فإن الأجيال القادمة لن تنظر إلى هذه المرحلة من خلال الخطابات السياسية، ولا من خلال السجالات الحزبية التي رافقتها، بل ستقرأها بوصفها مرحلة امتلكت فيها الأحزاب الكوردية سلطة غير مسبوقة في تاريخ الحركة الوطنية، وستكون هذه الحقيقة هي الأساس الذي سيبني عليه التاريخ حكمه؛ فالقوى التي امتلكت سلطة القرار ستنسب إليها المنجزات التي تحققت، كما ستنسب إليها الاختلالات التي رافقت بناء النظام السياسي، لأن المسؤولية التاريخية لا تنفصل عن حجم السلطة التي يمتلكها الفاعلون السياسيون.
وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن الحركة الوطنية الكوردية نجحت في كسب معركة الاعتراف، لكنها وجدت نفسها أمام معركة أكثر تعقيدا، هي معركة بناء الدولة داخل الإقليم، فالتاريخ يعلمنا أن كثيرا من حركات التحرر نجحت في إسقاط أنظمة قديمة أو انتزاع حقوقها السياسية، لكن نجاحها في بناء أنظمة حكم مستقرة كان دائما الاختبار الأصعب، ولا تبدو التجربة الكوردستانية بعيدة عن هذه القاعدة؛ إذ إن التحدي الذي واجهها لم يكن في شرعية وجودها، وإنما في استكمال عملية الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسات، ومن سلطة التنظيم إلى سلطة القانون، ومن التوازنات الحزبية إلى الدولة بوصفها المرجعية العليا.
ولذلك، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحا على هذه المرحلة ليس: هل نجحت الأحزاب الكوردية في حماية القضية الكوردية؟ فالإجابة عن هذا السؤال أصبحت جزءا من التاريخ، وإنما السؤال الأهم هو: إلى أي مدى استطاعت تحويل ذلك الإنجاز التاريخي إلى نظام سياسي مؤسسي قادر على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص والأحزاب والظروف الاستثنائية؟ فهذا هو السؤال الذي يميز بين شرعية التأسيس وشرعية الإنجاز، وبين بناء الكيان وبناء الدولة.
إن التاريخ لا يمنح أحكامه استنادا إلى النوايا، ولا إلى الشعارات والإنجازات العمرانية، ولا إلى حجم التضحيات وحدها، وإنما إلى النتائج التي تتركها الخيارات السياسية في حياة الشعوب، وإذا كانت التضحيات قد صنعت شرعية الوجود الكوردي، فإن ترسيخ هذا الوجود لن يتحقق إلا عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأحزاب، والقانون أقوى من موازين النفوذ، والمصلحة العامة المرجعية التي تحتكم إليها جميع القوى السياسية. وعندئذ فقط يمكن القول إن كوردستان لم تنجح في انتزاع حقها في الوجود فحسب، بل نجحت أيضا في بناء نظام سياسي يجعل هذا الوجود أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة المستقبل.. وبهذا المعنى، فإن الانتقال من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز ليس شعارا سياسيا، بل هو التحول التاريخي الذي سيحدد مكانة التجربة الكوردستانية في تاريخ المنطقة، فإذا كانت شرعية التاريخ قد منحت الإقليم حق الوجود، فإن شرعية الإنجاز وحدها هي التي ستحدد قدرته على البقاء والتطور، وهي المعيار الذي سيحتكم إليه التاريخ عندما يقيم هذه المرحلة، ويقوم أداء النخبة السياسية التي قادتها.





