أثار قرار فضائية شمس الكردية الامتناع عن بث اللقاء التلفزيوني الذي أُجري في دمشق مع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) رئيس الفترة المؤقتة جدلًا واسعًا، رافقته حملات إعلامية منظمة حاولت تصوير القرار على أنه تراجع مهني أو خضوع لضغوط سياسية. غير أن قراءة معمّقة للسياق السياسي والإعلامي لما جرى تكشف أن ما قامت به القناة لا يندرج في إطار الدفاع عن الذات، بل يمثل موقفًا واعيًا ومسؤولًا في لحظة شديدة الحساسية.
كان من المفترض أن يُعرض اللقاء ضمن إطار إعلامي تقليدي، إلا أن مراجعة مضمونه أظهرت أن الطروحات التي حاول الجولاني تمريرها تتجاوز حدود الحوار إلى محاولة واضحة لإثارة الفتن، سواء داخل الشارع الكردي نفسه، أو في العلاقة العربية – الكردية، وفي توقيت بالغ الخطورة. من هنا، جاء قرار القناة بالامتناع عن بث المقابلة بعد تقدير عميق لعواقبها، وهو قرار لا يمكن فصله عن المسؤولية الأخلاقية والمهنية للإعلام، خصوصًا في بيئة سورية هشّة ومفتوحة على كل احتمالات الانقسام.
ويُضاف إلى ذلك أن قرار فضائية شمس لم يأتِ في فراغ، بل تزامن مع حملات واسعة قادها ناشطون كرد على وسائل التواصل الاجتماعي، طالبوا بشكل صريح بعدم بث المقابلة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن لا يمكن منح أحمد الشرع أي فرصة لتبرير نفسه أو تلميع صورته بعد مجزرة شيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب. فقد رأى هؤلاء أن أي مساحة إعلامية تُمنح له في هذا التوقيت ستُستخدم حتمًا لتجاوز الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الكرد، وتحويل الجلاد إلى محاور سياسي، والالتفاف على دماء لم تجف بعد.
ما يعزز صوابية هذا القرار، أن أجزاءً من اللقاء سُرّبت لاحقًا وبُثت عبر وسائل إعلام تابعة لحكومة الجولاني، قبل أن تجد طريقها إلى بعض القنوات العربية والتركية. وقد أظهرت تلك المقاطع حجم الإساءة والتحريض ومحاولات خلق أجواء مشحونة داخل الشارع الكردي، إلى جانب تكريس خطاب سياسي يخدم أجندات إقليمية معادية للكرد.
ويزداد هذا المشهد وضوحًا عندما نلاحظ أن المقاطع التي جرى بثها لم تكن كاملة ولا عفوية، بل كانت منتقاة بعناية من قبل الوسائل الإعلامية التابعة لحكومة الجولاني، وهو ما يثير الشكوك دائمًا حول الهدف الحقيقي من المقابلة منذ البداية. فالانتقائية في النشر، والتركيز على عبارات بعينها دون السياق الكامل للحوار، يكشفان أن المسألة لم تكن نقل رأي أو فتح نقاش، بل تنفيذ مخطط إعلامي مدروس لتوظيف اللقاء سياسيًا بعد فشل بثه عبر القناة الأصلية.
الأهم من ذلك، أن المعطيات تشير بوضوح إلى أن الجولاني نفسه هو من سعى إلى هذا اللقاء، مدركًا أهمية المنبر الإعلامي الكردي في إيصال رسائل محددة إلى الداخل الكردي أولًا، وإلى الرأي العام الإقليمي والدولي ثانيًا. وعليه، فإن لجوء الإعلام التابع له إلى بث مقاطع منتقاة بعد امتناع قناة شمس عن العرض لا يمكن فهمه إلا بوصفه محاولة لتعويض فشل تمرير الخطاب كاملًا، عبر تسريب أجزاء تخدم سرديته وتُستخدم لإثارة الالتباس والفتنة بدل فتح نقاش حقيقي.
أخطر ما ورد في هذه المقاطع، هو إصرار الجولاني على إعادة إنتاج رواية ارتباط قوات سوريا الديمقراطية بحزب العمال الكردستاني، في ترداد شبه حرفي للخطاب التركي الرسمي، الذي يُستخدم باستمرار كذريعة لضرب قسد وتجريدها من شرعيتها السياسية والعسكرية. إن تمرير هذا الخطاب عبر منبر إعلامي كردي، حتى ولو بشكل غير مباشر، كان سيُستثمر لاحقًا كسلاح سياسي وإعلامي ضد الكرد أنفسهم.
وفي هذا السياق، يتضح أن الجولاني حاول استخدام وسيلة إعلامية تتبع لإقليم كردستان كأداة ناعمة لخلق فتنة كردية – كردية داخلية، عبر خطاب انتقائي يضرب وحدة الموقف الكردي من الداخل، وفي الوقت ذاته يسعى إلى تقديم نفسه كـ “رجل سلام” ومنفتح على الحوار. هذا الخطاب يتناقض بشكل صارخ مع الوقائع الميدانية، حيث ارتكبت المجموعات العسكرية التابعة له في مدينة حلب جرائم وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الكرد، شملت القتل والترويع والانتهاك، دون أي مساءلة أو تحمّل للمسؤولية.
إن هذا التناقض بين الخطاب الإعلامي الناعم والممارسة العسكرية العنيفة ليس أمرًا عابرًا، بل يمثل جزءًا من استراتيجية مدروسة تهدف إلى تبييض الصورة السياسية عبر الإعلام، مقابل الاستمرار في فرض الأمر الواقع بالقوة على الأرض. ومن هنا، فإن خطورة بث مثل هذا اللقاء لا تكمن فقط في مضمونه، بل في السياق الذي يُقدَّم فيه، وفي الجهة الإعلامية التي يُراد استخدامها كجسر لتمريره.
حكمة مدير قناة شمس إيلي ناكوزي في لحظة القرار
لا يمكن فصل قرار عدم بث المقابلة عن الحكمة المهنية والإعلامية التي تحلّى بها مدير قناة شمس، الإعلامي القدير إيلي ناكوزي، في مقاربة واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في المشهد الإعلامي السوري. فالقرار لم يكن سهلًا ولا شعبويًا، لكنه كان قرارًا ناضجًا يستند إلى فهم عميق لدور الإعلام وحدود مسؤوليته.
لقد أدرك ناكوزي، ومن موقعه كمسؤول عن الخط التحريري للقناة، أن بث المقابلة كما هي كان سيحوّل فضائية شمس من منصة إعلامية إلى أداة – ولو عن غير قصد – في مشروع سياسي يهدف إلى ضرب التماسك الكردي الداخلي، وتأزيم العلاقة العربية – الكردية، وإعادة إنتاج خطاب التخوين والتشكيك.
الحكمة هنا لم تكن في المنع بحد ذاته، بل في تقدير العواقب. فالإعلامي الحقيقي لا يُقاس بقدرته على تسجيل اللقاءات المثيرة للجدل، بل بقدرته على اتخاذ القرار الصعب عندما يدرك أن النشر قد يكون أخطر من الامتناع. وهذا ما فعله ناكوزي عندما قدّم المصلحة العامة والسلم الأهلي على حساب السبق الإعلامي أو الضغوط السياسية.
كما يعكس هذا القرار فهمًا متقدمًا لوظيفة الإعلام الكردي في هذه المرحلة؛ إعلام لا يُستدرج إلى معارك الآخرين، ولا يسمح باستخدامه كمنصة لتصفية حسابات إقليمية، ولا يقبل أن يكون شاهد زور على محاولات شيطنة قوة كردية فاعلة مثل قوات سوريا الديمقراطية عبر ترداد سرديات جاهزة.
المحصلة
إن الوقوف إلى جانب قرار فضائية شمس اليوم لا يعني الدفاع عن مؤسسة إعلامية بعينها، بل الدفاع عن مفهوم الإعلام المسؤول في لحظة تتكاثر فيها محاولات شق الصف الكردي واستخدام الإعلام كساحة حرب ناعمة. فالجدل الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول سبب عدم بث المقابلة، بل حول من كان المستفيد من بثها، ولماذا أُريد للإعلام الكردي أن يتحول إلى منصة لخطاب تحريضي يخدم أجندات متقاطعة تركية – دمشقية.
عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح قرار شمس ليس تراجعًا، بل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا محسوبًا.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=82239




