مخرجات المؤتمر الوطني السوري سلاح جديد في معركة تركيا ضد الكورد في غربي كوردستان
د. محمود عباس
بينها مخططات إجرامية بحق الشعب السوري والتضحية بقضيتهم الوطنية على أمل تصفية الإدارة الذاتية!
سارت مجريات المؤتمر الوطني السوري، بدءًا من مرحلة التحضير مرورًا بانعقاده وحتى مخرجاته، وفق إملاءات ومخططات تركية تهدف إلى خلق سوريا جديدة تتماشى مع مصالح ومتطلبات تركيا، وعلى رأسها تقزيم الحراك الكوردي والقضاء على القضية الكوردية في سوريا. شكّل هذا المؤتمر الحلقة الأحدث ضمن سلسلة المؤامرات التي يقودها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد الشعب الكوردي.
منذ عام 2011، وضعت حكومة أردوغان العديد من الخطط، سواء بمفردها أو بالتعاون مع دول إقليمية ودولية ومع ما يُسمى بالمعارضة السورية، بهدف تصفية القضية الكوردية في غربي كوردستان، من خلال محاربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا ومحاولة احتواء المجلس الوطني الكوردي عبر الائتلاف الوطني السوري.
وفيما يلي أبرز هذه المؤامرات مرتبةً زمنيًا:
- الصراع مع روسيا في الفترة التي كانت تتلقى فيها الإدارة الذاتية الدعم من روسيا، حيث بلغت مرحلة فتح شبه قنصلية لها في موسكو. بدأ الصراع بإسقاط الطائرة الروسية في 24 نوفمبر 2015، من طراز سوخوي-24 قرب الحدود السورية-التركية، مما دفع موسكو إلى فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، وشهدت العلاقات الثنائية توترًا ملحوظًا. أعقب ذلك اغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف في 19 ديسمبر 2016 أثناء إلقائه كلمة في معرض فني بأنقرة، وهو ما أثار صدمة كبيرة وزاد من تعقيد العلاقات بين البلدين. بعد فشل تركيا في نهج الصراع المباشر، ومع تصاعد العقوبات الروسية، غيرت أنقرة سياستها إلى التقارب مع روسيا ومعارضة المواقف الغربية، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، لضمان مصالحها في سوريا، والحد من الطموحات الكوردية، وهو تقارب جاء على حساب علاقاتها مع حلفائها التقليديين في الناتو والولايات المتحدة.
- عام 2014، وبعد فشل الخطة عن طريق روسيا، تبنّت الحكومة التركية بقيادة أردوغان خطة دعم تنظيم داعش للقضاء على الإدارة الذاتية وبيشمركة جنوب كوردستان.
- عند ظهور بوادر انهيار داعش، وبدعم أمريكي ودولي للتحالف، قامت تركيا بتوسيع دائرة تشكيل الفصائل التكفيرية المتطرفة المنضوية تحت عباءة المعارضة السورية لمحاربة الإدارة الذاتية. كما زادت من دعمها لتنظيم داعش، شمل ذلك فتح أبواب مطاراتها وموانئها لاستقبال المتطرفين القادمين من الخارج، وتوفير الإقامة وسهولة الانتقال إلى داخل سوريا والعراق، ومن ثم دعمهم بالأسلحة والتمويل والتدريب، بهدف مواجهة قوات قسد وتقويض مشروع الإدارة الذاتية، وسابقًا قوات البيشمركة في جنوب كوردستان.
- رفعت تركيا سقف دعمها العسكري لفصائل من المعارضة السورية ودعمتها سياسيًا من جهة، كما أقنعت روسيا بتوجيه تلك الفصائل لمحاربة قوات قسد المدعومة من أمريكا، على أمل الضغط على الوجود الأمريكي وإخراجه من غربي كوردستان. بالمقابل، حصلت تركيا على موافقة روسيا لتنفيذ عملية “درع الفرات” عام 2016، التي رفعت شعار طرد تنظيم “داعش”، بينما كانت تهدف في الواقع إلى محاربة قسد، ومنع توسعها غرب نهر الفرات، مما حال دون ربط المناطق الكوردية ببعضها وانفتاحها على منطقة جبل الكورد المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
- استمرت الموافقة الروسية على توسيع الحرب ضد قوات قسد، فقامت تركيا بعملية “غصن الزيتون” في عام 2018. من اللافت أن أمريكا حينها تغاضت عن هذه العملية، التي استهدفت منطقة عفرين ذات الأغلبية الكوردية، وأسفرت عن سيطرة القوات التركية وحلفائها على المنطقة، مما أدى إلى نزوح كبير للسكان الكورد.
- تمكن أردوغان، عبر علاقات عائلية بين صهره وصهر ترامب، ومن خلال صفقة بناء تجاوزت المليار دولار، من تغيير موقف ترامب كليًا، حيث تحول من داعم لقوات قسد إلى السماح لأردوغان بتنفيذ عملية “نبع السلام” عام 2019. هدفت العملية إلى إقامة “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، بهدف إبعاد قوات قسد عن الحدود التركية، وتهجير سكان المنطقة الكورد، وتوطين اللاجئين السوريين من الداخل، لكنها توقفت بعد يومين فقط، بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، على خلفية المعارضة الشديدة من قبل البنتاغون والكونغرس الأمريكي.
- قدمت تركيا دعمًا سياسيًا وعسكريًا لمنظمات سورية متنوعة بهدف مواجهة نفوذ الإدارة الذاتية الكوردية وتقويض مشروعها السياسي. منذ بداية الأزمة السورية وحتى الآن، أشركت فيها معظم المنظمات السياسية والعسكرية التي يُطلق عليها جدلًا اسم المعارضة السورية.
- عقدت تركيا اجتماعات متواصلة مع إيران وروسيا ضمن مسار أستانا – سوتشي، بهدف تنسيق الجهود حول الملف السوري، مع التركيز على مواجهة الإدارة الذاتية الكوردية.
- بعد فشل مسار مؤتمرات أستانا، عادت تركيا لمحاولة إقناع الإدارة الأمريكية بالتخلي عن التحالف مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
- سعت أنقرة إلى إقناع واشنطن، بدءًا من عهد أوباما ومرورًا بولاية ترامب الأولى، ومن ثم خلال فترة بايدن، بإنهاء دعمها لقسد، معتبرةً أن وحدات حماية الشعب(YPG)، المكون الرئيسي لقسد، هي امتداد لحزب العمال الكوردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية في تركيا. آخر محاولة جرت في فبراير 2025، عندما أعرب وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن أمله في أن ينهي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التعاون مع YPG، مشيرًا إلى أن تركيا وسوريا والعراق والأردن يمكن أن تتعاون لمكافحة فلول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، مما قد يتيح للولايات المتحدة قطع علاقاتها مع المقاتلين الكورد في سوريا.
- استغلت تركيا قضية اللاجئين السوريين كورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي، حيث هددت مرارًا بفتح الحدود أمام تدفق اللاجئين إلى أوروبا إذا استمر الدعم الأوروبي للإدارة الذاتية في غربي كوردستان، مما وضع الدول الأوروبية أمام معضلة التعامل مع موجات هجرة جديدة محتملة.
- عملت تركيا على استبعاد الحراك الكوردي من المؤتمرات الدولية، مثل جنيف والقاهرة والرياض، بهدف حرمانهم من أي تمثيل سياسي، كما أدرجت بند محاربة الإدارة الذاتية ضمن مؤتمرات أستانا وسوتشي وطهران وموسكو، التي تجاوزت 22 مؤتمرًا، في محاولة لضمان توافق دولي وإقليمي لدعم عملياتها العسكرية ضد المناطق الكوردية.
- كانمن أحد أهم شروطها المفروضة على هيئة تحرير الشام (النصرة حينها) بين عامي 2014-2020 محاربة القوات الكوردية في المناطق الشمالية الغربية من سوريا.
- سعت تركيا إلىتطبيع العلاقات مع دمشق والتخلي عن بعض الفصائل المعارضة السورية التي ترعاها، بهدف تنسيق الجهود ضد الإدارة الذاتية الكوردية، حيث تم عقد لقاءات بين مسؤولي البلدين لبحث هذا الملف.
- بعدما لم يحقق أردوغان أي نجاح فيمسيرة التطبيع مع بشار الأسد، رغم التلويح بالتخلي عن أدواتها من المعارضة السورية العسكرية والسياسية، تحول إلى تكتيك التنازل لشروط الولايات المتحدة وإسرائيل حول استراتيجية القضاء على الميليشيات الإيرانية وإزالة نظام بشار الأسد في سوريا، وذلك للحصول على دعمهما. وشرط تنفيذ ذلك كان تكليف هيئة تحرير الشام ومرتزقة أردوغان في عفرين بمهمة القضاء على القضية الكوردية من خلال استهداف الإدارة الذاتية وتهميش الحراك الكوردي في سوريا القادمة.
- بدأ بالضغط على حكومة هيئة تحرير الشاملعدم إشراك الحراك الكوردي في مؤتمر الحوار الوطني، وخاصة قوى الإدارة الذاتية. وللتغطية على هذه المؤامرة، تم إرسال الدعوات لبعض الشخصيات من مناطق الإدارة الذاتية دون تمثيل رسمي لمكوناته القومية والإثنية، وبشكل خاص المكون الكوردي، بل تحت صفة “أبناء المنطقة”.
- توجيه أدواتها ومرتزقتها في عفرينلمحاربة قوات الإدارة الذاتية على مدار الشهور الماضية من جهة، بالتزامن مع التحضير لتشكيل الحكومة الجديدة في دمشق وكتابة الدستور، وعقد المؤتمر الذي عكس الوجه الخاضع للإملاءات التركية من جهة أخرى.
لو أن تركيا سخّرت الجهود التي بذلتها طوال العقود الماضية، وخاصة في العقد الأخير، في محاربة الكورد لصالح مسيرة سلام حقيقية معهم، واعترافٍ كاملٍ بحقوقهم، وسعت إلى بناء دولة وطنية مشتركة قائمة على العدل والمساواة، لكانت اليوم من بين الدول الأكثر تطورًا في العالم.
بدلًا من استنزاف مواردها في الصراعات العسكرية والسياسية، كان بإمكانها تحقيق نهضة اقتصادية هائلة، وزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي، ورفع مستويات الدخل القومي، مما كان سيعزز مكانتها كقوة اقتصادية عالمية. التنمية لا تأتي من الإنكار والقمع، بل من الاعتراف بالشراكة وبناء مستقبل مشترك لجميع المكونات دون تمييز، وهذا ما نأمله من الحكومة السورية الحالية، على أمل ألا تعيد تجارب تركيا الفاشلة أو تسلك نهج الأنظمة السورية المجرمة السابقة.
الولايات المتحدة الأمريكية
23/2/2025م
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd.ws/?p=63547