د. محمود عباس
تشير التطورات المتسارعة في سوريا والعراق إلى تبلور مقاربة أمريكية جديدة لإدارة ملفات المشرق، يمكن رصد ملامحها في السياسات التي يُنسب رسم خطوطها إلى توماس باراك. لا تقوم هذه المقاربة على حلول بنيوية طويلة الأمد، بقدر ما تعتمد على إعادة ترتيب القوى المحلية وفق منطق الوظيفة والاحتواء المرحلي، تحت عنوانين مركزيين، حماية الأمن الإسرائيلي وضمان المصالح الأمريكية في الإقليم.
في هذا السياق، يمكن فهم الانتهاكات التي طالت المكونات العلوية والدرزية، ثم لاحقًا استهداف الكورد وقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها مؤشرات على إعادة تعريف الأولويات الميدانية، أكثر من كونها أحداثًا منفصلة أو ناتجة عن اختلالات أمنية مؤقتة. كما يُرجّح أن ملف الدروز لم يُغلق نهائيًا، بل جرى تأجيله إلى مرحلة لاحقة، تبعًا لحسابات الدور الوظيفي لكل مكوّن في معادلة الاستقرار المرحلي.
وتُظهر القراءة الإستراتيجية أن هذه المقاربة لا تتوقف عند الجغرافيا السورية، بل تمتد منطقيًا إلى العراق، حيث يُتوقع أن تتعرض بنية الحشد الشعبي والعلاقة بين الحكومة العراقية والفاعلين غير الدولتيين إلى ضغوط متزايدة، تحت المبررات ذاتها المرتبطة بالأمن الإقليمي والتوازن مع إسرائيل. ويأتي ذلك في إطار إعادة صياغة المجال الأمني المشرقي، لا عبر التسويات السياسية، بل من خلال ضبط الصراعات وإعادة توجيهها.
في المقابل، يبدو أن تركيا جرى تحييدها جزئيًا عن ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها غزة، مقابل منحها هامش حركة أوسع داخل الساحة السورية. هذا الترتيب غير المعلن يشير إلى مقايضة إستراتيجية، تسمح لأنقرة بلعب دور أمني مباشر في سوريا، مع إبقاء تدخلها ضمن سقوف مرسومة، لا تمس التوازنات الكبرى التي تهم واشنطن وحلفاءها.
أما المسار الأكثر حساسية في هذه الإستراتيجية، فيتمثل في التعاطي مع حكومة أبي محمد الجولاني والتنظيمات السنية المسلحة المرتبطة بها. فعملية رفع بعض القيود السياسية والإعلامية عنه، وإعادة تقديمه بوصفه فاعلًا يمكن التعامل معه، تعكس توجهًا أمريكيًا براغماتيًا لا يستند إلى تغيير جوهري في طبيعة هذه القوى، بقدر ما يقوم على توظيفها كأدوات مرحلية لضبط الجغرافيا السنية في سوريا. ومن دون هذا الغطاء الأمريكي، يصعب تصور قدرة هذه الكيانات على اكتساب شرعية أو وزن سياسي مؤثر، سواء إقليميًا أو داخل البيئة السنية ذاتها.
غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن عمليات التعويم السريع، حين لا تُرافقها عملية تحول بنيوي حقيقي، تحمل في داخلها عوامل عدم الاستدامة. فالصعود المدفوع خارجيًا غالبًا ما يُنتج هشاشة داخلية، ويُسرّع من تآكل الشرعية مع أول اختبار أخلاقي أو سياسي.
وتبرز في هذا السياق مؤشرات مقلقة، تتعلق بالانتهاكات التي رافقت توسع نفوذ هذه القوى، بما في ذلك الاعتداءات على مكونات دينية وقومية مختلفة، والتوتر المتزايد مع الكورد، إلى جانب خطاب إعلامي إقصائي. هذه العوامل، إن استمرت، ستقوّض أي محاولة لتقديم نموذج حكم مستقر أو قابل للتسويق دوليًا.
ومن زاوية مقارنة، يمكن الاستفادة من التجربة العراقية بعد 2003، حيث أدى تمكين قوى طائفية على حساب مشروع وطني جامع إلى تفكك الدولة، وتفشي الفساد، وظهور صراعات داخلية مدمرة. وتشير المعطيات إلى أن إعادة إنتاج نموذج مشابه في سوريا، وإن بمرجعية سنية هذه المرة، يحمل المخاطر ذاتها: تهميش المكونات غير السنية، تقويض الحقوق القومية للكورد، وتكريس سلطة أحادية تؤدي في النهاية إلى التآكل الداخلي.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الإستراتيجية الأمريكية الراهنة قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنها تحمل في بنيتها مخاطر إستراتيجية بعيدة المدى، سواء على استقرار سوريا، أو على التوازن الإقليمي الأوسع. فإدارة الصراع عبر أدوات وظيفية مؤقتة، بدل معالجة جذوره السياسية والاجتماعية، قد تؤدي إلى تأجيل الانفجار لا منعه، وإلى إنتاج دورات عنف جديدة أكثر تعقيدًا.
هذا ليس تحذيرًا نظريًا، بل قراءة لمسارٍ بدأ بالفعل. ومن يصفق اليوم، سيكون أول من يُسحق غدًا، فالإمبراطوريات لا تصنع حلفاء دائمين، بل أدوات مؤقتة، وعندما تنتهي وظيفتها، يُكتب سقوطها بدمٍ جديد.
الولايات المتحدة الأمريكية
26/1/2026
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=82591





