غارسيا ناصح
لم تبدأ الحضارات بمدافع ولا بحدود سياسية، ولم تولد من صخب الجيوش ولا من أبراج الإسمنت.
لقد بدأت بخطٍّ بسيطٍ مرسومٍ على جدار كهف، بيد إنسانٍ بدائي أراد أن يقول: أنا هنا.
ذلك الخط لم يكن مجرد رسمٍ لحيوانٍ أو مشهد صيد، بل كان إعلانًا عن وعيٍ جديد. كان لحظة انتقال الإنسان من العيش فقط… إلى التفكير والتعبير.
من تلك الخربشات الأولى على جدران الكهوف، وُلد الفن، ثم اللغة، ثم الرموز، ثم الكتابة.
ومن الكتابة قامت المدن، وازدهرت العلوم، وتشكلت الفلسفات.
مرّت القرون، وتطورت الأدوات، وتحوّل الفحم إلى حبر، والحجر إلى ورق، والورق إلى شاشات مضيئة.
واليوم نقف أمام تكنولوجيا مذهلة: ذكاء اصطناعي، أقمار صناعية، جراحات دقيقة، عوالم افتراضية.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: إلى أين وصلنا؟
بل: هل ما زلنا نحمل ذلك الوعي الأول؟
إن الحضارة لم تكن يومًا في الأدوات وحدها، بل في احترام الفكر، وتشجيع الإبداع، والاهتمام بالثقافة والفن والتعليم.
الدول التي آمنت بأن الخط البسيط على جدار كهف هو بذرة المستقبل، هي نفسها التي استثمرت في الإنسان، فصنعت الجامعات والمختبرات والمتاحف.
أما حين يُهمَل الفن، ويُختزل التعليم في شهاداتٍ بلا روح، وتُعتبر الثقافة ترفًا لا ضرورة… فإننا نعود – وإن امتلكنا أحدث الأجهزة – إلى عصورٍ بلا وعي.
ليست المشكلة أن العالم تقدم.
المشكلة أن بعض أوطاننا لم تؤمن بأن الحضارة تبدأ من طفلٍ يمسك قلمًا، ومن معلمٍ يحترم السؤال، ومن دولةٍ ترى في الثقافة أمنًا قوميًّا لا كماليات.
لقد بدأ كل شيء بخطٍ بسيط.
فهل نملك اليوم شجاعة أن نرسم خطًا جديدًا… يعيد للإنسان قيمته؟
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=84135






