د. محمود عباس
ما أبشع أن تُستدعى آيات القرآن لتغطية أحطّ العبارات، وأن تُشوَّه لغة الوحي على ألسنة شرائح لا تعرف منها إلا ما تقتطعه لتبرير السباب والتحريض والتكفير! يستشهدون بسيرة الرسول والصحابة، لا للاقتداء بأخلاقهم، بل لتعويم أكثر الأصوات انحطاطًا وفسادًا، ومنح الابتذال هالةً دينية، حتى غدت الكلمات المقدسة ستارًا تتخفّى خلفه العنصرية والكراهية.
هؤلاء لا يدافعون عن الإسلام، بل يبتذلون لغته؛ ولا ينصرون الدين، بل يجرّدونه من قيمه الأخلاقية ويحوّلونه إلى أداة لإهانة المختلف وإقصائه. وهم لا يدافعون عن الحكومة السورية بقدر ما يدفعونها إلى إنتاج نظام عنصري فاسد، ولا يعملون لبناء وطن، بل يمهّدون لدولة ممزقة تعبث بمصيرها شرائح منحطة أخلاقيًا وموبوءة ثقافيًا. إنهم، وهم يزعمون حماية السلطة، يهدمون ما تبقّى من شرعيتها، ويزرعون بين السوريين بذور صراعات قد تحرق البلاد من جديد.
كان يُفترض بالثورة أن تفتح أبوابًا جديدة في وعي السوريين، وأن تُنتج نخبًا تحمل مسؤولية البناء وتقاوم الفساد والنفاق والكراهية، ولا سيما في وطن يتكوّن من شعوب وأديان ومذاهب متعددة. لكن ما سُمّي ثورات في تاريخ سوريا والمنطقة كثيرًا ما انقلب على معنى الثورة نفسه؛ من الناصرية والبعث إلى الإخوان المسلمين، وصولًا إلى داعش والنصرة وهيئة تحرير الشام. تبدلت الرايات والشعارات، وبقي الوباء واحدًا: احتكار الوطن، وتقديس الهوية الواحدة، وتحويل المختلف إلى عدو.
خرجت سوريا من تحت أنقاض نظامٍ بنى سلطته على الجريمة والحقد والتدمير، لكنها لم تدخل بعد رحاب الوطن؛ بل انتقلت من سجن الطاغية إلى مستنقع آخر قد يكون أشد خطرًا من الخراب العمراني: مستنقع الانحطاط الفكري والابتذال الأخلاقي واللغة السافلة، حيث يتحول الخلاف السياسي إلى شتائم، والاختلاف القومي والديني إلى تحريض، وتصبح الآية الكريمة غطاءً للكراهية، والسيرة النبوية سلّمًا يصعد عليه المنافقون والمتطرفون إلى منابر السلطة.
ويظهر هذا الانحطاط بأبشع صوره عندما يتعلق الأمر بالكورد وقضيتهم. عندها يسقط القناع عن كثيرين؛ ينسون أنهم يتحدثون عن شعبٍ مسلم في غالبيته، وأن الكوردي السني لم يصبح أخًا لهم يومًا لأنهم لا يرونه إلا تابعًا ينبغي أن يصمت، لا شريكًا يملك أرضًا وهوية وحقوقًا. يتذكرون الدين عندما يخدم سلطانهم، وينسونه عندما يطالب الكوردي بكرامته. يريدون منه أن يكون مسلمًا بلا حقوق، وسوريًا بلا هوية، وشريكًا بلا قرار، وأن يشكر جلاده لأنه سمح له بالبقاء حيًا!
الكورد لا يطلبون الحرب، ولا يسعون إلى إلغاء أحد. إنهم شعب يريد السلام مع من يؤمن بالسلام، والشراكة مع من يعترف بالشراكة، ووطنًا لا يتحول فيه اسم «الوحدة» إلى سجن، ولا تصبح فيه «الأكثرية» رخصةً لابتلاع الآخرين. لكن السلام لا يعني الخضوع، والشراكة لا تعني الذوبان، ووحدة سوريا لا يمكن أن تُبنى على إنكار وجود أحد شعوبها الأصيلة.
لقد اختطفت التنظيمات التكفيرية الثورة السورية وأغرقتها في أكثر مستنقعات التاريخ قذارة. ومن رحم خطابها خرجت شرائح لا تعرف من العربية إلا مفردات الشتيمة والتحقير، ولا من الإسلام إلا ما يبرر التكفير والقتل والاستعلاء. والإسلام، في قيمه الأخلاقية والإنسانية، بريء من هذه الوحشية التي جعلت الدين سوطًا على ظهور الناس، والمذهب بطاقة امتلاك للوطن، والاختلاف تهمة تستوجب الإقصاء.
هذه البيئة لا تصنع دولة، بل مصانع للكراهية؛ ولا تبني جامعات، بل معاهد تمنح أعلى الشهادات في العنصرية والتكفير؛ ولا تؤسس إعلامًا، بل منابر تحريض قد تمهّد لمجازر جديدة لا تقل بشاعة عن مجازر حافظ الأسد وابنه بشار. فالقاتل لا يولد ساعة إطلاق الرصاصة؛ بل تصنعه كلمة تحريض، وفتوى تكفير، ومنبر يشيطن الآخر، وسلطة تصمت لأنها تنتظر ثمرة الكراهية.
والخطر لا يهدد الكورد وحدهم. الخطاب نفسه يهاجم الدروز والعلويين والمسيحيين، ويخوّن كل سني معتدل يرفض التطرف، كأن سوريا ملكية خاصة لفئة نصّبت نفسها وكيلةً عن الله وحارسةً للعروبة وصاحبة الحق في توزيع صكوك الوطنية والإيمان. هؤلاء لا يمثلون السنّة، بل يسيئون إليهم؛ ولا يحمون الإسلام، بل يحولونه إلى راية فوق مشروع عنصري دموي.
إن استمر هذا الوباء، فلن يكون خراب سوريا القادم مجرد أبنية مهدمة ومدن منكوبة؛ بل دمارًا ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا وقوميًا ودينيًا. وهذا أخطر من الخراب المادي، لأن الحجر يمكن أن يُعاد بناؤه، أما الإنسان الذي امتلأ عقله بالكراهية فقد يحتاج إلى أجيال كي يتحرر منها.
أنقذوا سوريا، لا باجتثاث البشر، بل باجتثاث خطاب الكراهية من المنابر والمدارس والإعلام ومؤسسات السلطة. حاسبوا المحرّض كما يُحاسب من يشعل النار، وأوقفوا تحويل المذهب إلى سلاح والقومية إلى أداة إذلال. فإما أن تكون سوريا وطنًا دستوريًا لجميع شعوبها ومكوّناتها، قائمًا على الاعتراف والعدالة والشراكة، وإما أن تبقى حفرةً واسعة تتبدل فيها أسماء الطغاة والضحايا، بينما يستمر الموت تحت رايات جديدة.
لقد سقط الأسد، لكن صناعة الأصنام لم تسقط. وقد يكون أحمد الشرع، بعد التحولات التي أعلنها، صادقًا في محاولته مغادرة ماضيه (أبو محمد الجولاني) الإرهابي والتكفيري، وتقديم نفسه رجلَ دولة يريد الخير لسوريا والعدالة لجميع مكوّناتها؛ غير أن المنافقين والمحرّضين المحيطين به يأبون إلا أن يعيدوه إلى صورته القديمة. فبدل أن يساعدوه على إثبات تحوّله، يضعونه فوق النقد، ويجعلون الاعتراض عليه خروجًا على الدين والوطن، ويقدّمونه قائدًا لتلك الشرائح المتطرفة والفاسدة. وهكذا يهدمون ما يحاول بناءه، ويزرعون كراهيته في نفوس السوريين، كما زرع جلاوزة الأسد كراهية سيدهم من قبل.
لقد دفعنا طويلًا ثمن الغلوّ المذهبي الشيعي الذي صنع قداسةً سياسية حول «المهدي المنتظر» و«ولاية الفقيه»، وبلغ بمتطرفيه الطعن في الخلفاء الراشدين وأم المؤمنين. واليوم يخرج إلينا غلوّ سنّي تكفيري لا يقل خطرًا، يصنع شخصيات على مقاس الرسول والصحابة، ويضع حكام سوريا الجدد في مقامٍ يكاد يجعل نقدهم خروجًا على الدين، ومعارضتهم كفرًا، وفضح ماضيهم خيانةً للوطن.
وهنا تكمن الكارثة: عندما تتحول الحكومة ذات الجذور التكفيرية إلى سلطة مقدسة، ويتحول رئيسها إلى وليٍّ لا يُسأل، يصبح السوريون أمام «ولاية فقيه» سنّية بلسان جديد؛ تُشرعن الحاكم بالدين، وتُكمم الأفواه باسم الاستقرار، وتكفّر المعارض باسم الجماعة، وتُقصي الكورد والدروز والعلويين والمسيحيين، بل وكل سني حر يرفض الركوع.
إلى المدافعين عنها: أنتم لا تدافعون عن سوريا، بل تصنعون طاغيةً جديدًا قبل أن يكتمل عرشه. وإلى المنافقين الذين يغسلون ماضيها ويقدّسون رئيسها: أنتم لا تبنون دولة، بل تجهزون المقصلة وتختلفون فقط على اسم الجلاد.
لن تُخدع سوريا مرةً أخرى بتغيير الرايات. فالاستبداد لا يصبح عدلًا إذا تلا آية، والتكفيري لا يصبح رجل دولة إذا ارتدى ربطة عنق، والجلاد لا يصبح وليًّا لأن المنافقين أحاطوه بهالة من القداسة. إما دولة مدنية دستورية يتساوى فيها الجميع ويخضع حكامها للمساءلة، وإما نسخةٌ أشد ظلامًا من نظام الأسد: السجن نفسه، لكن هذه المرة تُعلّق على بابه راية الدين، ويُطلب من الضحية أن تهتف للجلاد وتراه مبعوثًا للعناية الإلهية.
الولايات المتحدة الأمريكية
19/7/2026 م










