الثوريون
ضدّ أنفسهم!
هوشنك
أوسي
في
كتاب "الدولة والثورة"، للينين، يشير زعيم الثورة البلشفيّة الى
احتمالات تحوّل الثوريين الى محافظين، بحيث يقفون حجر عثرة أمام حركة تحوّل
المجتمعات، ومنطق التجدد والتحوّل التاريخي. وذلك عبر عرقلة تسرّب الأفكار
التجديديّة الداعيّة لتحفيز طاقات المجتمع الراميّة الى تجاوز الراهن والارتقاء
نحو ما يراه بأنه الأفضل. وغنيّ عن البيان، أن هذه الفكرة/ التنبّوء، وجدت طريقه
للتحقق، في الحقبة الستالينيّة، واستمرّت حتّى بعد موت ستالين، حين أطيحت بجهود
خروشوف الإصلاحيّة. كما وجد التنبّوء اللينيني طريقه للتحقق في الصين أيضاً، إبان
ما سمّي بـ"الثورة الثقافيّة"!.
قبل
نحو 33 سنة تقريباً، وتحديداً نهاية السبعينات من القرن المنصرم، وحين اراد حزب
العمال الكردستاني، التمدد في المناطق الكرديّة، شمال كردستان، لاقى ممانعة
ومقاومة دامية وضروسة من قبل كل التنظيمات الكرديّة المتواجدة على الساحة
السياسيّة والجماهيريّة وقتئذ، وخاصّة، حركتي "KUK"
و"DDKD"، وحدثت حرب
كرديّة _ كرديّة، راح ضحيّتها العشرات، وربما المئات من الجانبين. ولقد تحدّث
السيّد أوجلان، في اماكن كثيرة من كتبه، حول هذه الحقبة، واعتبرها مسألة طبيعيّة،
كونها نتاج صراع الجديد والقديم، الثوري والمحافظ/ التقليدي. وأن تلك الاحزاب،
ورغم يساريتها، إلاّ أنه كان يتملّكها ذهنيّة الهيمنة، وتعتبر تلك المناطق،
وكأنّها إقطاع خاص بها، وأن الشعب الموجود في مناطق ماردين، باطمان، أوروفا،
آمد…، ملكيّة خاصّة بها، ولا تريد للأفكار والمشاريع والطروحات الجديدة، ان تأخذ
مكانها بين الشعب. إلاّ أن مقاومة حزب العمال، وإصراره على نشرهِ أفكارهُ الثوريّة
الجديدة والطازجة، جعل مسعاه يتكلل بالنجاح. وتمدد الفكر الثوري بين جماهير الشعب،
رغم ممانعة "اليساريين الثوريين" في التنظيمات الاخرى، لكون ان
الأخيرين، اعتبر الشعب اقطاع لهم، وملكيّة خاصّة مطوّبة باسمهم، ولجأوا للعنف،
بدلاً من النقاش والانفتاح وقوّة أفكارهم وطروحاتهم. وقتها، كان عنف حزب العمال، ثوريّاً،
كونه عنف اضطراري. عنف الضعيف، في الدفاع عن نفسه وعن أفكاره القويّة والجديدة.
وكان عنف الاطراف الأخرى، غير مبرر، كونه كان عنف القويّ جماهيريّاً، في الدفاع عن
أفكاره التقليديّة الضعيفة الهشّة. حدث كل ذلك، والنظام التركي، يتفرّج على تطاحن
الكرد فيما بينهم!. ولكنه، سرعان ما تدخّل، حين لمح ان الغلبة، تتجه نحو العمال
الكردستاني. وإذا كان هنالك ثمّة شيء إيجابي، يمكن تسجيله لصالح انقلاب 12 ايلول
الفاشي 1980، فلأنه وضع حدّاً للاحتراب الكردي _ الكردي في شمال كردستان، وألقى
بالجميع في غياهب السجون. وفي السجون، وبعيداً من العنف، وقعقعة السلاح والعصبيّة
والرعونة وغياب العقل، تعرّف الثوريون الكرد على بعضهم، وصاروا اخوة. وانتسب
المئات من كوادر وعناصر الاحزاب الاخرى للعمال الكردستاني، حين استعمل كوادر
الاخير، عقولهم وارادة المقاومة الفكريّة والنفسيّة.
مناسبة هذا الكلام، هو ما يجري في غربي كردستان، من ازداد حدّة التوتر
والاعتداء والتلاسن والتشاحن والتطاول، بين عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب
العمال الكردستاني من جهة، وجماهير وعناصر الاحزاب الكرديّة الاخرى، من جهة ثانية.
فما شهدته منطقة عفرين، يوم أمس الجمعة، مؤشر خطير، يدعو للمزيد من القلق والرعب
والتساؤل والخشية من الانزلاق للمزيد. ولا يأتينّ أحدهم، وينبري قائلاً؛ هذه انباء
كاذبة، وملفّقة، ومغرضة، وتصدر عن مؤامرة ومتآمرين يريدون النيل من حركة التحرر
الكردستاني. وانها شائعات، الهدف منها اثارة البلبلة وتشويه سمعة الحركة،
ويبدأ بسرد رواية أخرى، ركيكة، ومغايرة
ونقيضة، في مسعى التبربر والشرعنة لسلوكه. صحيح هنالك شائعات كثيرة حول أداء وسلوك
الحزبين المذكورين. وصحيح ايضاً، انه هنالك حقائق على الارض، لم يعد بالامكان
سترها واخفاءها بكلام رثّ ممجوج، فقد صلاحيّته لكثرة استخدامه!. وكاتب هذه السطور،
معني بما نشر من بيان عن المجلس الوطني الكردي/ فرع عفرين/ كرداغ. والبيان الذي
نشره القسم العربي، في وكالة "فرات نيوز"، المقربّة من "PKK"
و"PYD" (http://ar.firatnews.eu/index.php?rupel=nuce&nuceID=1247) صادر عما يسمّى بـ"مبادرة الشعب الكردي".
فقد اكد البيان الاخير، على استخدام القوّة!. وقال: "إنها تعارض جلب
فئات غير كردية من الخارج إلى منطقتهم؛ لأنه سيسفر عن نتائج سلبية تضر بمصلحة
الشعب الكردي ووحدة صفوفه"!. والسؤال: ما هذه الفئات غير الكرديّة!؟.
عربيّة تركمانيّة؟!. وهل أوتي بها من الموزمبيق وبوركينافاسو، لدعم النظام السوري
أم للدعوة الى اسقاطه؟!. ثم ما هذه اللهجة، والحديث عن؛ مناطقنا ومناطقهم؟!. أوليست
هذه لهجة عنصريّة، وتتعارض مع الفكر الاوجلاني، وتحريض على الفئويّة؟!. وكيف
لمظاهرة تخرج تحت شعار "الامّة الديمقراطيّة" أن تتحدّث بهذه اللغة، عن
رفض مجيء فئات غريبة، (غير كرديّة) عن (مناطقهم!) الى مناطقهم!. إن هكذا خطاب،
ينتمي لقاموس حقبة ما قبل العشيرة، وليس لحقبة القوميّة البدائيّة!.
ولكن، ما هو مفروغ منه، أن ما يشهده
غرب كردستان، يشبه الى حد كبير، ما شهده شمال كردستان، قبل 33 سنة. ذلك ان البعض،
حين يتحدّث عن شعبيّته وجماهيريّه، عليه ان يكون على ثقة بهذه الجماهير، من كونها
مرتبطة به عقلانيّاً وليست عاطفيّاً!. وبالتالي، يجب ألاّ يتملّكه الرعب والذعر من
الافكار الجديدة التي يمكن ان تتسرّب بين الناس. ولا يعتبر الشعب إقطاعاً أو
قطيعاً، أو ملكيّة خاصّة به، إذا كان واثقاً من قوّة وتجذّر وعمق أفكاره ومشاريعه.
وهنا، يحضرني قول للقائد الثوري العظيم مظلوم دوغان، بما معناه: "الشتم
والعنف، هو اسلوب الضعفاء". والضعف هنا، ليس الجسدي وحسب، بل الفكري والسياسي
والايديولوجي.
المؤسف في الأمر، أن ثوريو الامس، صاروا محافظي اليوم. هكذا انقلبت الصورة،
بشكل دراماتيكي ومريع.
في بداية تواصلي من مناضلي حزب العمال الكردستاني، كنت اطرح عليهم سؤال
طموح وخيالي، مفاده: طيب، بعد ان تحرروا كردستان وتوحدونها، وتقيمون النظام
الاشتراكي، ماذا انتم فاعلون؟. فكان الجواب: سنذهب الى أوطان اخرى، ترزح تحت
الاحتلال ونعلن فيها الثورة ونحررها من الظلم والاستعباد. تماماً، مثلما فعل تشي
غيفارا.
الآن، وبعد مضي اكثر من 22 سنة على هذا الكلام، ألاّ يحقّ لنا التساؤل:
ماذا جرى بثوريي الأمس؟ ولماذا لم يعلنوا الثورة، ضدّ نظام فاشي، دموي، استبدادي،
تآمر عليهم، وتورّط في المؤامرة على السيّد أوجلان؟. كيف للمناضلين الوطنيين، أن
يكونوا دعاة ثورة وانتفاضة في جزير ونصيبين ودرباسيّة (شن يورت) وسريه كانيّه
(جيلان بنار) وسروج وروها، وفي نفس الوقت، دعاة تهدئة وتريّث وضبط النفس في ديريك
وقامشلو ودرباسية، وسريه كانيه وكوباني وعفرين!؟. كيف للثوري ان يكون متصالحاً مع
ثوريّته في شمال كردستان، وضدّها في غرب كردستان؟!.
من المؤسف جدّاً القول: إن محافظي اليوم، هم ثوريو الأمس، يمارسون، ما
مارسه محاظفو الامس، ضدّهم، قبل 33 سنة!. ذلك ان من يزعم انه يتبنّى الفكر الحرّ،
وانه من يدافع عن حريّة التعبير، وينادي بالثورة والثوريّة والامة الديمقراطيّة،
لا يلجأ للعنف والاكراه والتخوين وكيل الاتهامات لكل الاطرف، ولكل للزعامات ولكل
المثقفين، ولا يكفّ عن ترديد معزوفته؛ ان كل الاحزاب الكرديّة والمثقفين وكل
الدنيا، متواطئة ومتآمرة عليهم!. ان هذه الحال البائسة، تشبه كثيراً، حال الانظمة
التي لا تكلّ ولا تملّ من الحديث عن كونها في مرمى مؤامرة كونيّة تستهدف وجودها!.
4/2/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






