هوشنك أوسي
حين كنت أعمل في قناة "روج تي في" الكرديّة، قمت بإعداد برنامج حواري خاصّ، في الشهر الأوّل من الثورة السوريّة، وتحديداً، في (02/04/2011)، استضفت فيه مجموعة من الساسة الكرد والعرب. والقناة، والقائمون عليها، مشكورين، اتاحوا كامل المبادرة والفرصة، لاعداد البرنامج، من الاستضافة وتحديد المحاور والاسئلة. ولئن كانت هذه التجربة الأولى لي، في مسألة اعداد وتقديم البرامج الحواريّة السياسيّة، فغالباً ستشكو من الهنّات والعثرات. والآن، حين اعود لمشاهدة ذلك البرنامج الخاص، وكان بعنوان: "سورية الانتفاضة.. سوريّة التغيير"، أجده ينطوي قدر لا بأس به الموضوعيّة والجديّة في الطرح، وإحراج الضيوف عبر طرح الاسئلة الاستفزازيّة الاستدراجيّة والاستنطاقيّة. (احتفظ بنسخة من البرنامج على DVD للأرشفة والتوثيق). وحين طرحت سؤالاً على رئيس حزب كردي، حول مشاركتهم في الانتفاضة السوريّة من عدمها، أجاب، بما معناه: "نحن منتفضون قبل الانتفاضة!. واحتفالات نوروز (2011) هي سرهلدانات وانتفاضات"…، وأضاف الى كلامه سرداً يقتات على الكلام التهويمي الشعاراتي، ملمّحاً الى ان كل الحشود التي شاركت في عيد النوروز، تعبّر عن جماهيريّة حزبه!. وهذه العادة في تضخيم الذات، آتية من حزب العمال الكردستاني، الذي كان ينهبر بالحشود الجماهيريّة، أثناء حملات الدعاية الانتخابيّة، واثناء اعياد النوروز، وأثناء الحفلات الفنيّة، ويبني عليها موقف ثقة فائضة، ويعوّل عليها في استيلاد معطيات سياسيّة، ولكن، حين يأتي الجدّ، نجد الحزب الكردي الموالي للعمال الكردستاني، واثناء الانتخابات الاشتراعيّة، لا يتجاوز حاجز العشرة بالمئة الذي يؤهله دخول البرلمان كحزب، فتحدث الخيبة. ومنذ انتخابات التسعينات، حين كان الكردستاني في أوجّ نشاطه العسكري والجماهيري، حاول دخول الانتخابات كحزب، ففشل، لعدم تجاوزه حاحز العشرة بالمئة من إجمالي اصوات المقترعين. وإذا كان هذا الحاجز ظالماً، وموجود عمداً لمنع الحزب الكردي من دخول البرلمان، إلاّ أن هنالك 20 مليون كردي، كان ينبغي الكردستاني، وخلال 30 سنة، استقطابهم واستمالة ولو نصفهم!. وهذا ما لم يحصل حتّى الآن. وهذا بحدّ ذاته، يعتبر فشلاً استراتيجيّاً، الى جانب النجاحات الاستراتيجيّة التي حققها الكردستاني. لذا، فمنذ انتخابات 2007، والكردستاني يدخل الانتخابات البرلمانيّة التركيّة، وفق قوائم المستقلّين، ثم يشكل كتل نيابيّة في البرلمان. ولا شك ان هذا تكتيك صائب، وفي محلّه، وانتج نجاحات استراتيجيّة هامّة. لكن، لا يرقى لنضال 30 سنة من التضحيات والدماء.
صيف 2007، كنت في جبال قنديل. وكانت قيادات الكردستاني، متفائلة جدّاً، وتتوقّع اجتياز حاجز العشرة بالمئة، وحصد نحو ثمانين مقعد في البرلمان التركي. وهذا التوقّع، لم يكن مستنداً على احصائيّات دقيقة ومهنيّة ومحايدة، بل كانت تستند للانبهار الناتج من حملات الدعاية الانتخابيّة والحشود الجماهيريّة المشاركة فيها. ولا شكّ ان قسم من هذه الحشود، تحضر الاحتفالات، وحين يحين وقت التصويت، تذهب أصواتهم لصناديق حزب العدالة والتنمية وحزب السعادة الاسلامي وحتّى لحزب الشعب الجمهوري. وهذه الحقيقة، تعرّفت عليها حين كنت في آمد صيف 2009. وكنّا نتناقش الامر مع الزملاء العاملين في حقل الاعلام التابع للكردستاني في آمد. وخلصت لفكرة، ان قسم من الحشد، يأتي ليشاهد ويشارك في الحفالات الغنائيّة التي تشهدها الحملات الانتخابيّة فقط، وليس لكونه موالٍ، قلباً وقالباً للثورة الكرديّة، ولخياره السياسي المتمثّل في حزب السلام والديمقراطيّة!.
زد على ذلك، ان التقارير التي كانت تصل قيادة العمال الكردستاني من المناطق الكرديّة، والتي تشير الى اتساع رقعة التأييد الجماهيري للحزب، هي بدورها، لعبت دور البوصلة المضللة لقيادة الحزب، ما كان يدفعها للمبالغة في التكهّنات والتوقّعات من الحجم الحقيقي لشعبيّة الحزب.
حقيقةً، الحزب شعبي وجماهيري. ولكن، يجب ان نعترف انه منذ 30 سنة، خمسة مليون من اصل 20 مليون، هم مع الثورة الكردستانيّة، وقضيّة التحرر الوطني الكردستاني، و15 مليون هم مع الدولة التركيّة واحزابها. واي ارتفاع في شعبيّة العمال الكردستاني، لا يأتي من 15 مليون الموالين للدولة، بل من ضمن كتلة الحزب الاصليّة (5 مليون) عبر زيادة عدد الولادات، ووصول سن البعض، لنصاب الادلاء بصوته. ويبقى تمدد الكردستاني ضمن 15 مليون الموالين للدولة، قليل وبطيء جداً. وإلاّ، لكنّا شهدنا في اسطنبول (4 مليون كردي) تأثيراً قويّاً جدّاً للكردستاني، الذي لم يستطع ان يحصل على 250 الف صوت، رغم ان احتفالات نوروز، في هذه المدينة، وبحسب تقديرات اللجان التحضريّة، تشير الى مشاركة ما يقارب 300 ألف شخص!.
في انتخابات 2011، البرلمانيّة في تركيا، توقّع الكردستاني حصاد نحو 60 مقعد، كمستقلين. ولكنه نجح، وبعد تحالف مع بعض القوى الكرديّة والتركيّة الصغيرة، لحصد 36 مقعد. اكيد انها نتيجة جيّدة جداً. لكنّها اتت نصف ما توقّعه الحزب!. زد انه لم يتجاز مرة اخرى، حاجز العشرة بالمئة. يعني، هنالك كلام مبالغ فيه حول الشعبيّة والجماهيريّة.
لا يفهمنّ من هذا الرأي، التقليل من الانجازات التي حققها العمال الكردستاني في تركيا. ولكن السؤال: هل كانت بمستوى التضحيات؟ قطعاً لا!. هل كانت بمستوّى ما توقّعه الحزب لنفسه؟. قطعاً لا!. إذن، من أين تتأتّى هذه التوقّعات المبالغ فيها؟. بتقديري، تتأتّى من البوصلة المنبهرة بالحشود. والانبهار، غالباً ما يكون وهماً، أو أقلّه، مجافياً للواقع والوقائع!. وتجارب 30 سنة الماضيّة، وفي محطّات عديدة، أثبتت صحّة هذه الفرصيّة. وربما السؤال الأكثر صعوبةً وحرجاً: هل يمثّل حزب العمال الكردستاني، الشعب الكردي في تركيا، بوزنه الجماهيري الحالي أم لا؟. اذا قلنا نعم: فيجب ألاّ نعتبر الـ15 مليون كردي الموالين للدولة، كرداً!. وإذا قلنا: لا. هذا يعني أننا نبخس حزب العمال الكردستاني، حقّه ونضاله ومقاومته التاريخيّة. وعليه، يبقى السؤال مفتوحاً!.
المقصد من هذا المدخل، هو أن البعض، وكي يحاول ان يقنع نفسه بأنه على صواب وحق في كل سلوكه ومنهجه وحراكه، ويستدلّ على ذلك بالحشود التي شاركت في عيد النوروز، والتفّت على المسارح التي نصبّها للاحتفال في هذا اليوم، فهو جد واهم. فمن أتى للاستماع لهذا الفنان الكردي أو ذاك، لا يعني انه موالٍ للحزب الذي استضاف هذا الفنان!. فبانتهاء الحفل وسفر الفنان، يعود كل واحد الى منزله وولاءاته وانحيازاته السياسيّة، بينما الصور الفتوغرافيّة ومشاهد الفيديو، وثّقت وجود عشرات الالوف في مكان ما، حول مسرح ما، تابع لحزب ما، فتوهّم الحزب، ان هذه الجماهير، كلها، اتت لتصادق على برنامجه السياسي، وتجدد له البيعة!. حقيقة الامر، ليست على هذا النحو تماماً. بدليل، اذا كان "بافي طيار"، والفنان ديار، قد اجتذب 150 ألف في قامشلو، لحضور حفلة نوروز، نظّمها حزب معيّن، فالحزب مطالب لأن يخرج مظاهرة، يشارك فيها على الأقل، 20 ألف، في نفس المدينة، كقرينة على ان شعبيّته وجماهيريّته، حقيقيّة وليست وليدة المناسبات والاحتفالات، وتنهتي بانتهائها.
الحزب الجماهيري الحقيقي، بإمكانه إخراج نفس الكميّة أو نصفها أو ربعها، التي استطاع جمعها حول مسارحه، يوم النوروز، في مناسبة او مظاهرة أخرى. دون ان ننسى ان أي حزب، من حقّه توظيف كل الادوات والامكانات المتاحة، للتحشيد الجماهيري. ولكن، التحشيد الجماهيري، لا يعني بالضرورة انه حزب جماهيري، بالحجم الذي يسوّقه لنفسه!. بمعنى آخر، شعبيّة الفنان الكوميدي أو الموسيقي، هي ليست شعبيّة الحزب الذي أتى به. ومن الغريب والمضلل ان نعتبر شعبيّة فنان مسرحي وموسيقي، هي شعبيّة منهج وخطاب سياسي حزب معيّن. ذلك ان تأثير المسرح الكوميدي والغناء والموسيقى، يتجاوز الاطر الحزبيّة والايديولوجيّة، حتّى لو كان بافي طيار والفنان ديار، مواليين لحزب معيّن. ذلك ان هذان الفنانان، يحظيان بشعبيّة، داخل كل الاحزاب الكرديّة الاخرى.
ختام القول: ان من يستند على احتفالات عيد النوروز، في تقديرته السياسيّة لنفسه وحجمه ووزنه، كمن يعوّل على سحابة ممطرة، وأنه يمكنه استدعاءها دوماً، وفي المكان والزمان، الذي يشاء!. وهذا هو الوهم والتضليل الذاتي بعينه. واذا انزلق حزب سياسي لتبنّي هذا المقياس، يكون قد جعل من نفسه حزب المناسبات الذي يعتاش على شعبيّة الفنانين. وكمن ينظر الى ظلّه، ساعة المغيب، فيظنّ نفسه عملاقاً، بينما حقيقة الأمر، ليست هكذا.
كاتب كردي سوري
24/03/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






