الماسونية في السر الأكبر
( الجزء الأول )
برزت في العقود الأخيرة كتب فكرية إلى جانب روايات غارقة في الألغاز التاريخية، أثارت الرأي العام بغزارة المعلومات وتشابكها، واساليب البحث في الأحداث التاريخية مع اسقاطات ذاتية وتحليلات خاصة لتوجيه القارئ الى ماوراء الملموس. كتب تبحث في المجال الثقافي، تسخر لبلوغ غايات سياسية اقتصادية خاصة، تحت يافطة منظمة تراكمت حولها تلال من الألغاز، أرتبطت اسمها مع القوة والهيمنة الدولية.
الحركة الماسونية التي يعيد البعض ظهورها إلى فترة ما قبل ظهور المسيح، في مدينة الإسكندرية، والتي كان يتمركز فيها آنذاك طوائف دينية متنوعة معظمها كانت منتمية للقبائل اليهودية، إلى جانب تأثير كهنة من المعابد الاغريقية والفرعونية خاصة في عهد بطليموس الثاني( 323 – 304 ق.م ) الذي أولى اليهود أهتمام كبيراً، فأمر بترجمة التوراة إلى اليونانية، وجلب 72 راهباً يهوديا من القدس لشرحها. وآخرين يعيدونها إلى فترة أقدم قليلاً، فترة وجودهم في مناطق بابل ضمن العراق، بعد أن هجرهم ملك الكلدانيين نبوخذ نصر ( 604 – 562 ق.م ) من مملكتهم والتي رافقها تدمير فظيع لعاصمتهم القدس. ظهرت هناك حركات دينية سرية قبل العودة إلى أرض الميعاد عام ( 539 ق.م ) بعد ان سمح لهم قورش الميدي ملك فارس، تقديراً لدعم زعماء تلك الحركة له بالقضاء على مملكتي الكلدانيين والميديين، ولزوجته اليهودية كما تذكر في بعض الدراسات التاريخية، وهي الفترة التي لم يسمح لليهود بعمل سوى ممارسة الروحانيات والأعمال الاقتصادية، حتى أن بعض المؤرخين يعيدون فترة كتابة التورات إلى هذه المرحلة الزمنية.
الدراسات ضبابية ومختلفة حول فترة ظهور الحركة الماسونية، وهنا لا نبحث عن مدى صحة وجود هذه الحركة أو عدمها، بل ننقب عن الطفرات المتتالية التي تثار فيها أسم هذه الحركة، من يقف وراء إثارة أسم الماسونية، ويحيطها بهالات متنوعة من الغموض، بشكل مباشر أو غير مباشر؟! بين فترة وأخرى منذ أكثر من عشرين قرن من الزمن.
اثيرت أسم هذه الحركة، تحت قناعات مختلفة، بقوة في فترة الحروب الصليبية، ملأت صفحات التاريخ عنها أثناءها وفيما بعد، معظمها كانت تحت سيطرة قادة ومجموعات تنتمي إلى تيارات دينية باطنية، خاصة فترة ظهور ( فرسان الهيكل أو المعبد ) الذين سموا أنفسهم بالجنود الفقراء للكنيسة ومعبد سليمان! أستطاع هؤلاء، على مدى قرنين من الزمن، الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، السيطرة على الكنيسة، وشكلوا حركة سرية باطنية انتشرت في معظم أوروبا، وفي فترة ما حاولوا تقليص السيطرة البابوية نفسها، إلى أن تمكن البابا كليمنت الخامس بالإتفاق مع ملك فرنسا فيليب الرابع بالقضاء عليهم وبفظاعة، وذلك بعد اصداره المرسومين البابويين في عام 1312 م. أحيت الحركة تنظيمها فيما بعد تحت رعاية عائلة ستيوارت في نهاية القرن السابع عشر تحت اسم الحركة الماسونية بشكل مباشر.
كان وراء ظهورهم غايات مترامية الأبعاد، لسنا بصددها الآن! وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين وإلى اليوم بدأت تثار أسم الماسونية، تحت يافطات مغايرة، وبطرق متنوعة، تبحث في الأروقة السياسية الاقتصادية عن هيمنتها، سيطرتها على البشرية، ومدى قدرتها لتسيير الدول والأمم حسب غايات مجموعات بشرية معينة! ومن خلال مجالات مختلفة، ثقافية، وسياسية، اقتصادية إجتماعية، الى الاعلام، مجموعات تتحرك في الواقع السياسي الاقتصادي وتتكالب على الهيمنة بالترهيب الفكري، يسخرون لها العديد من الكتاب. من بينهم كتاب ( السر الأكبر ) للكاتب ديفيد أيكه، الواسع الإنتشار والتأثير.
يود الكاتب اليهودي البريطاني، بعث الماسونية، بمفهومها وقدراتها الكلاسيكية، نشر الرهبة مع الإثارة بين القراء. كتاب يبحث في العمق، وينبش في الماضي ليبرز آثار الحاضر المتضارب بين المتفوق والمهمل، لكنه يعتمد في أبعاده الفكرية على غزارة المعلومات المبنية على خلفية هشة، وبناء علمي مضعضع من حيث الربط بين الماضي القديم والحاضر الحديث جداً بالنسبة للتاريخ البشري، وله من كل ذلك غاية وحيدة الجانب: أقناع القارئ على أنه هناك في الخلف الإنساني، والحراك السياسي الاقتصادي العالمي منظمة عريقة في التاريخ مترامية الاطراف والعلاقات والتأثير، يود على بنيتها خلق الاعتقاد بوجود الرهبة الماسونية وقدراتها اللامحدودة في تسيير مصير البشر وتغيير حركة التاريخ حسب غايات زعماء الحركة، الذين كانوا على مدى التاريخ يعرفون أنهم يفعلونها خدمة لليهود ومنظماتهم السياسية والاقتصادية للسيطرة على العالم.
ينجح بشكل تام ديفيد أيكه في غايته الخفية هذه والتي هي في حقيقتها عكس ما يود تبيانها، لكنه يفشل أمام القارئ النابه. ملاحظة ما ورد في المقدمة والمدخل بشكل خاص، يوضح الكثير من نقاط الضعف التي يرتكز عليه بنيان الكتاب بشكل عام، بين اسطرها الأولى تظهر الأبعاد الخفية لغاية السر الأكبر، الكتاب الذي يجرف بالقارئ إلى اعماق الصفحات المليئة بالمعلومات البسيطة والمضخمة والمعتمدة على خيال الكاتب نفسه، وذلك باسلوب جذاب ومتين وعن طريق كمية هائلة من المعلومات المثيرة التي تحتاج معظمها إلى وثاق وأدلة واحصائيات، نادراً ما يفكر القارئ بالبحث عن صوابها وصحتها العلمية أو التاريخية، ولا ينتبه إلى تأويل هذه المعلومات البعيدة معظمها عن الواقع والحقائق، كما لا يفكر فيما إذا كانت مدعومة بالمصادر العلمية المنطقية. الكاتب يختار من الشخصيات والعائلات المتنفذة بدون الإشارة إلى المسافات التاريخية، مع غياب تام لعائلات منافسة للعائلات التي يذكرها والذين حكموا على مدى عصور مديدة، ويتناسى أن عائلة مثل عائلة وندسور البريطانية حديثة العهد مقارنة بعائلات حكموا قرونناً وسيطروا على امبراطوريات مترامية الاطراف وكان لهم تأثير افظع بكثير، وفي فترات لم تكن لآل وندسور وجود وكيان. العائلة نفسها تتحرك تحت حكم قوانين ومفاهيم سيطرة الحركة، ترضخ ولا تسيطر، كالعديد من ملوك وامبراطوريات الصقت اسمائهم وأعمالهم بالماسونية، فيما إذا كانت لهذه الحركة وجود وهيمنة مثلما يقال.
يذكر الكاتب بشكل مباشر، ان زعماء هذه الحركة يسيطرون بمجموعات غير ظاهرة في المجتمع يأمرون ويتحركون في الأروقة الخفية! بينهم العائلات اليهودية الراسمالية، والذين هم في الحقيقة حديثوا العهد، ولا يمكن أن يورثوا حركة بهذا الجبروت وبهذه الفترة القصيرة وبهذه السهولة، هؤلاء ظهروا في بدايات القرن الماضي على السطح السياسي والاقتصادي، فالقوة المادية وتأثيرهم الاقتصادي قصير المدى الزمني، حتى ولو كانت لها سلطة وثقل إلا أنها آنية، تصبح الحركة الماسونية محدودة في الواقع السياسي الاقتصادي العصري، حيث العلاقات الدولية المتشابكة لم يعد مغلقا في اطار جغرافي أو ضمن شريحة اثنية أو دينية محددة.
على خلفية الحقائق العصرية المعروفة لزعماء الحركة الماسونية، كما يقال، دفعوا بكتاب من أمثال ديفيد أيكه لإعادة نشر أسم الحركة وإثارة الرهبة المغلفة بالغموض من جديد، لإعادة تنبيه العالم على وجود هذه السيطرة المخفية، لتبقيها في اطار الهيمنة الماسونية الكلاسيكية والمغلقة على مجموعة دينية معينة. لكن يبقى اللغز الذي يكمن وراء عدم قدرة الحركة اللامحدودة الأبعاد على اكتشاف مكان الكاتب بعد نشره السر الأكبر، يذكر أنه يعيش مختفياً كليا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
نشرت في جريدة ( بينوسا نو ) التي تصدرها رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، العدد الرابع.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






