المخيلة الإستبدادية و مصادرة الحرية الشخصية في العراق
من المعلوم بأن التعامل مع قضية الحرية بعقل فردوسي خلاصي أو لاهوتي نبوي محصلته تكون تراجع مساحات الحرية و مآله المزيد من الإستبداد. فتسلط السلطة و تأليه المقولات، التي تدعي بأنها تمتلك الحقيقة لإحتكار الإيمان، تنتج الأبله الثقافي، الذي يسعی الی التطابق مع القدامی في كل ماقالوه و فعلوه في عصرنا هذا، عصر الثورات الناعمة المنفتحة علی العلم و الآخر والعالم. و هكذا تقفل أبواب خلق مناخ يتيح للواحد أن ينصت للآخر المختلف لكي يتعلم منه أو يغتني به، عبر تشكيل قناعات جديدة أو إبتكار صيغ مركبة.
نحن نعلم بأن نظام البعث الفاشي في العراق قام بعد محاولة زحزته إثر الإنتفاضة الشعبية عام 1991 بالترويچ لظاهرة مقيتة سميت فيما بعد بـ"الحملة الإيمانية" المزعومة بهدف الخلاص من المحنة التي مر بها، و هكذا بدأت صحافة وإعلام النظام بالتركيز علی مصطلحات دينية إنعكست فيما بعد بدعم الحركات والأحزاب الإسلامية المناهضة للغرب والفكر الغربي الحديث و تم بث تلك المفاهيم في المدارس و الجامعات و الدوائر الرسمية و إرغمت النساء علی إرتداء "الحجاب".
وأخيرا برزت ظاهرة تعدد الزوجات بشكل عام و زواج المتعة عند الشيعة بعد فتح مكاتب رسمية مدعومة من قبل النظام للترويج لهذه الظاهرة السلبية.
و بعد سقوط نظام البعث المستبد كان لنا الأمل بحكومة ديمقراطية فدرالية تؤمن بالحرية الشخصية و تحارب كل مخيلة إستبدادية، ففي النصوص الدستورية فقرات واضحة تشير الی تكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني (أنظر الی المادة 35) وحق الفرد في الخصوصية الشخصية (أنظر الی المادة 17) وضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والأزديين والصابئة المندائيين (أنظر الی المادة الثانية).
و اليوم نری دعم كامل من الحكومة الإتحادية لقوانين "الحملة الإيمانية" الزائفة في التطبيق العملي، بعد فرض ما يسمی بالزي الإسلامي علی الطلاب والطالبات في كافة المراحل الدراسية و نشر يافطات تنذر النساء السافرات و الرجال الغير ملتزمين بالمظهر الإسلامي "المحتشم" من دخول مدن كالكاظمية مثلاً بإعتبارها "مقدسة". هذه المعايير الجديدة تعيد قوانين الأنظمة التيوقراطية والتشريعات المستندة الی الحقوق الإلهية كنظام "ولاية الفقيه" الی الأذهان لتنهض وتخلق جماعات مافيوية تسمی "شرطة الآداب" تقوم بالقمع و سلب الحريات تحت شعار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لمحاربة و متابعة المظاهر التي لا تتناسب مع "الضوابط الاسلامية".
فهذه الظاهرة المعيقة لتطور المجتمع والتي تحاول أن تعيد بالعراقيين الى القرون الوسطى هي أشبه بفيروس فتاك يفتك المجتمع العراقي من الداخل و يجره الی حرب أهلية مآلها حصد الهزائم الحضارية و الكوارث البشرية، بقدر ما يجعل هذا المجتمع الذي عانا ما عاناه من الحروب و الكوارث أن يفشل في مواجهة التحديات الخارجية، لكي يزداد هشاشة و هامشية و تبعية.
أسأل حكومتي، حكومة إقليم كوردستان، التي جعلت بالرغم من بعض قصورها من الديمقراطية مذهباً تسير علیه بعد أن تفتح مع ثورة المعلومات إمكانات هائلة أمامها، تتجسد في قدرات خارقة علی الفعل و التأثير، هل حقاً نريد أن نكون في الحكم شريكاُ مع أحزاب يؤمنون بالعودة الی تجربة السلف و نماذجها في الحضارة والعمران أو في القيادة و الإستخلاف، لتحقيق ما لم ينجح المسلمون و الثورة الإسلامية في إيران في تحقيقه طوال التاريخ، أحزاب تزين لهم نرجسيتهم الدينية وهم في إنتظار "المهدي المنتظر"، القول بأنهم يملكون الحلول لمعالجة المشكلات التي يتخبط فيها الإنسان المعاصر؟
إنها الأصولية و النزعة الی التفرد التي لاتريد أن تنزع جلدها و تغيير ذاتها بل تقوم علی إستئصال المختلف والآخر و لا تؤمن أبداً بتشخيص الداء لتقديم الدواء، بل تعمل علی تحول العلاقة بالأفكار والأصول الی معسكرات فكرية و سجون عقائدية و الحصيلة هي المزيد من التبديد و الإستبداد أو الفوضی والعماء.
و ختاماً نقول: "لا حلول ناجعة تقوم علی الإستبعاد و الإلغاء أو علی التبسيط و الإختزال، فالمجتمع الذي يرفض تسليط الضوء علی عيوبه و أعطاله بالمساءلة و النقد والجرح، أو حتی بالتهكم والسخرية، هو مجتمع مريض، مصاب بالعمی و الصمم والخرس."
الدكتور سامان سوراني
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






