عبدالغني
علي يحيى
على
الرغم من اختلاف معظم الأطراف السياسية العراقية مع حكومة المالكي حول العديد من
القضايا، وتراجع المشتركات التدريجي بينهما، الا أن ما يجمع المتصارعين، هو التشبث
بالحوار أو التفاوض، فالجلوس على طاولة واحدة.. الخ من الكلمات والمصطلحات التي
تكاد تعبر عن معنى واحد طبعاً لمعالجة الازمات الداخلية والتي ترجمت في الممارسة
والتطبيق الى الأشكال التالية: مؤتمرات المصالحة الوطنية في الداخل والخارج،
اتفاقية اربيل، افكار ومشاريع تقدمت وماتزال تتقدم بها هذه الجهة أو تلك من شيعية
وكردية وسنية، اضف الى ذلك اشكال من الممارسات التي اتسمت بالسذاجة مثل الصلاة
المشتركة للشيعة والسنة.. فطقوس دينية جمعت المسلمين مع المسيحيين والتي لم تثمرعن
نتيجة مشجعة على امتداد الاعوام السابقة لرأب الصداع بين المتخاصمين، واذكر ان
الخصومة كانت حصراً بين الجهات التي اسقطت النظام السابق وبين حزب البعث المنحل
سيما في العام الأول لأسقاط ذلك
النظام، وكان مصطلح (المصالحة الوطنية)
عامذاك وفيما بعد لاعوام تلته يعني تحقيق المصالحة مع البعث وجمهوره. وعندما تكللت
االجهود في تحقيق تلك المصالحة بالأخفاق، فأن افكار اخرى انبثقت بهدف حل
الاشكالات، ليس مع البعث، بل بين اطراف العملية السياسية نفسها وبالأخص بين (دولة
القانون) و(العراقية) وبرزت دعوات الى سحب الثقة من المالكي وايجاد بديل عنه، أو
الى اجراء انتخابات مبكرة والتي لا بد أن تنتهي الى الفشل ايضاً، وهكذا اتسعت
دائره الخلاف لتمشل المكونين الكبيرين الشيعي والسني، بعد ان كانت محصورة بين
اطراف النظام الجديد في العراق وبين حزب البعث فقط، ثم اتسعت اكثر وبشدة حين تفاقم
الخلاف بين حكومة المالكي وحكومة اقليم كردستان، وبعد ان كان الكرد يوصفون ببيضة
القبان وبجزء من الحل، فلقد جاء اليوم الذي تحولوا فيه الى جزء من الخلاف وقد
دفعتهم سياسات المالكي والشهرستاني إليه.
هنالك اكثر من مشروع لدى الجهات السياسية
العراقية حالياً لتجاوز الأزمة السياسية، ويكاد ان يكون لكل طرف مشروعه ومقترحاته،
وهذه المشاريع من حيث المضمون والمحتوى ليست بجديد، فقد سبق وان قدمت في السابق من
غيران تفلح في معالجة أية أزمة، ليس هذا فقط بل ان الأزمات كثرت و اشتدت بصورة جد
خطيرة، ووصف بعضهم العراق في المشهد الحالي بأنه على كف عفريت وهو الصحيح، وفوق كل
هذا نجد القادة العراقيين يلجؤون الى الخطط السابقة لأجل تصحيح ما آلت اليه
الأوضاع، وكم ينطبق بحقهم، القول المأثور(تجربة المجرب حماقه)! إذ ان معظمهم على
يقين، من أن خططهم ومشاريعهم الجديدة القديمة مثل خططهم ومشاريعهم السابقة ستتوج
بالأندحار.
بالمقابل نجد ان حكومة المالكي وحزبه وسط
التخبط الذي يعيشه خصومه، تتقوى باستمرار على مختلف الصعد بما فيها الدولية، فهي
مباركة من الأمريكان وحلفائهم من جانب ايران في الوقت نفسه ووفق مفهوم (صديق صديقك
صديفك) فان كلا من روسيا الاتحادية والصين وقوى شبه غطمى كذلك كالهند مثلاً، والتي
في معظمها تساند المثلث: الأيراني، السوري، الكوري الشمالي. بشكل مباشر أو غير
مباشر لذا والحالة هذه، فان القوى الدولية تلك كتحصيل حاصل ستكون حتماً مع حكومة
المالكي. ولا يشكل اتفاق المتناقضات على دعم واسناد المالكي حالة نادرة في تأريخ
الدولة العراقية أو الحياة الدولية، ففي عقد الثمانينات من القرن الماضي، التقت
مصالح القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق على دعم
واسناد حكومة صدام حسين في حربها 1980-1988 مع ايران، ولولاهما لما كان بمقدور
العراق الثبات بوجه ايران. علماً ان حالة اخرى مشابهة كانت قد سبقت تضامن النقيضين
الكبيرين المنوه عنهما مع العراق ففي عام 1975، استطاعت المؤامرة التي التي نفذتها
اتفاقية الجزائر ضد ثورة ايلول الكردية 1961- 1975 ان تقضي على تلك الثورة، والذي
حصل يومذاك كان برضى القوتين العظميين.. الخ من الأمثلة.
ان على القوى المناهضة لحكومة المالكي
استيعاب ليس الدرس أو الدروس اعلاه، انما دروس اخرى كذلك منها، ان الصراع الراهن
في العراق، اثني وطائفي مذهبي بامتياز، وان المكون الشيعي الكبير سيبقى حاكماً
للعراق، حتى لو اجريت انتخابات مبكرة وازيح شخص المالكي عن الحكم، ان المنادين
بالانتخابات المبكرة لا يفكرون بالنتائج كما يبدو والتي ستكون لصالح المكون
الشيعي، كما يجب ان يضعوا ببالهم ان المالكي المعبرعن طموح وارادة مكونه الاجتماعي
الشيعي سيظل بدوره في الحكم لفترات مقبلة، اذا لم تعترضه موانع او عوائق طارئة،
ويساعده على البقاء في السلطةجيش مليوني ينمو حجمه باستمرار، وهو في كل صنوفه و
واسلحته موال له وفي خدمته، والجيوش العملاقه المليونية في بلدان العالم الثالث من
الظواهر الملازمة للدكتاتورية، والجيش العراقي
المليوني المالكي الحالي سيمد من عمر النظام القائم في العراق وسلطة المالكي
حتماً. وهكذا فان الاسباب المار ذكرها واسباب اخرى غيرها ستجعل من المالكي في موقع
قوة واقتدار في المستقبل المنظور على الأقل، ولايغيب عن البال، ان المالكي كسياسي
يحظى بطاقات وامكانيات شخصية فذة، قد لا تتوفر لدى خصومه من الساسة العراقيين، دع
جانباً القول عن تمتعه بخبرات جيدة اكتسبها خلال السنوات المنصرمة، وعلاوة على كل
هذا فانه يقود حزباً متما سكاً وينتمي الى اوسع تحالف سياسي في العراق ألا وهو
التحالف الوطني الذي يبدو متماسكاً بقوة مقارنة مع(العراقية) التي تتعرض بين حين
وحين الى انقسامات وانشقاقات في صفوفه والتي اضعفتها (العراقية) ونالت من هيبتها،
حتى التحالف الكردستاني فان الانسحابات نالت منه، وصار في الداخل الكردستاني امام
معارضة قوية، الأمرالذي لا نجد مثله في التحالف الوطني الشيعي.
بفضل من الانكليز قامت الدولة السنية العراقية
عام 1921 ورغم رفض المكونين الشيعي والكردي لحكم السنة والانكليز معاً، إلا ان
السنة حكموا العراق لعقود من السنين. وفي عام 2003 حل الامريكان محل الانكليز في
لعب دور في الحياة السياسية العراقية فتوجهوا الى الشيعة بدلاً من السنة، واذا كان
العراقيون قد ارغموا الانكليزعام 1921 على التراجع عن احتلالهم المباشر للعراق،
فان العراقيين أرغموا قبل فترة الامريكان على انهاء احتلالهم المباشر للعراق، ومع
هذا، فان ذلك لم يمنع لا الانكليز ولا الامريكان عن مواصلة دعمهم للحكام
العراقيين، الأول (الانكليز) للسنة والثاني (الامريكان) للشيعة، ان العلاقة
الحالية التضامنية بين الولايات المتحدة والعراق والتي تقوم على دعم الاخير ستطول.
ما يعني ان المالكي سيبقى، اما التفكير بازاحته فأنه يعد ضرباً من الخيال الأن وفي
المدى المنظور كذلك، وكل من يفكر بازاحته، فعليه ان يعلم انه يسعى الى ازاحة
المكون الشيعي الكبيربرمته عن الحكم، وهذا بدوره خيال، وغير ممكن. ان الجميع
وبضمنه المكونين الرئيسيين الكرد والسنة بات على قناعة، بان من الصعب ان لم نقل من
المستحيل التواصل مع حكومة المالكي. فالعراقية السنية التي قاطعت اجتماع اللجنة
التحضيرية للاجتماع الوطني بينت السبب على لسان قائدها د. ايادعلاوي، الذي قال بان
حضوره (مضيعة للوقت). وقبله بايام كان البارزاني قد صرح بانه لو عقد (100) إجتماع
مع المالكي، فأن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً. وقبل ان اختتم هذا المقال اضيف سببا
اخر الى الاسباب التي تمد من عمرحكومة المالكي الا وهو النهج الذي ينتهيجه خصومها
ضدها والمتمثل في (الحوار والتفاوض والاجتماعات والمؤتمرات)التي قوت وتقوي هذه
الحكومة. بالرغم من ان الصراع الراهن في العراق يحث الخطى نحومرحلته النهائية
مرحلة انهيارالدولة العراقية والتي ادت اليها سياسات حكومة المالكي وسياسات اخرى
لحكومات سبقتها. وهيهات ان تنقذ المحاولات والمشاريع والاعداد للاجتماع الوطني
العملية السياسية من السقوط وبالتالي سقوط الدولة العراقية.
على العراقيين ان يختاروا أحد الأمرين، اما
الاطالة من عمر حكومة المالكي عبر تعليق الامال على النهج السراب والعقيم
والمشارإليه، أوتقسيم العراق الى ثلاث دول شيعية وكردية وسنية، فلقد اثبتت الوقائع
صعوبة واستحالة العيش للمكونات الثلاثة العراقية الكبرى معا وتحت قبة واحدة أو
وحدة قسرية، وكفى خداعاً للنفس وللاخرين وللمكونات العراقية وللمجتمع الدولي.
·
رئيس تحرير صحيفة راية الموصل- العراق
·
al_botani2008@yahoo.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






