ـ أوراق من الذاكرة ـ
ـ 2 ـ
وليد حاج عبدالقادر
أن تكون من ديركا حمكو ومن عائلة مهتمة بالشأن الوطني ومنذ أوائل ستينات القرن الماضي فهذا يعني أنه لا بد لك أن تكون على معرفة برائعين ـ مهما كانت درجة اتفاقك أو اختلافك معهم ـ أمثال الراحل كنعان عكيد .دهام ميرو . نواف نايف باشا . عبدالكريم وابنه فتاح ملا صادق . حاجي أحمدي ملا إبراهيم .منيري حاجي رشيد .مصطي سمو . ابراهيمي حاجي صبري . تمري مصطي . عبدالكريمي ملاعمر . محويي كوجر .اسماعيلي هيبت وأحمدي شيخ صالح ـ الشاعر الحزين ـ . ومحمدي اسماعيل وحاجي احمدي برهو ـ من عين ديور . وملا رشيدي كرد . اسماعيلي ميرمي . ومحمدي حاجي حيدر . محمدي أبو روشن وملا سمو ـالعلامة المعروف ـ . وأحمدي كردي ـ بافي برشنك ـ . ومحمد لطيف وعبدالله صالح / أخو دورسن / ـ قديريك ـ . ومحمدي اسماعيلي احمد ـ تل جمان ـ جمال ـ وبيت حنيفي وحاجو ـ يي جب من تل دار ـ وحاجي عبدالله كرو ـ ريحانيك ـ والراحل أبوخالد . ومختاري بانه قسري . والأخوين أحمد وعبدالعزيز حاجي حسين وملا صبري ـ كرهصور ـ وملا عبدالله يي صور وحامدي حمدي صوري إيرسي والمرحوم أحمدي سيد حمو . وعمري لعلي . وسليماني حاجي عفدي ـ جم شرف ـ وبالطبع لن أنسى والدي ـ قادي كري . وكذلك محمدي أحمويي بليسييه … وطبيعي أن تكون هناك كثيرات من النسوة التي أبدعن وفق ظروف المرحلة ـ آنذاك ـ كالسيدة سينم زوجة الراحل ـ حاجي عمري زرو ـ والسيدة ـ فاطما شرنخي ـ والدة السيد صديق شرنخي والسيدة كلسن شقيقة المرحوم دورسن صالح … وكذلك اخريات من القامشلي .. مثلا : زوجة الراحل ملا نيو واللائي كنا يقمن بأدوار توزيع المنشورات وكذلك إيواء الملاحقين وإيجاد آلية الإتصال معهم …. وطبيعي أن لا تكون هذه الأسماء هي فقط الحصرية أو المتعاطية ـ كانت ـ مع الشأن الوطني بقدر ما لهذه الذاكرة وتبعاتها المرهقة والمتراكمة إرثا ضخما ـ أرى ـ صعوبة التفرد ـ شخصيا ـ لتدوينها ..من هنا كل العذر لمن أسقطت الأيام ولحظات الكتابة هذه اسمه ـ من هذا المقال وفي هذه العجالة ـ ..إذن أن تكون من ديركا حمكو ومهتما بالشأن الوطني فعليك أن تصون إرث هؤلاء المناضلين والذين وإن تاهت بهم آفة الفرقة والإنقسامات الحزبية إلا أن كلا منهم أعطى بقدر مستطاعه ووفق قناعاته ..ولا يخفى على أحد ما احتلته ولا تزال ـ ديركا حمكو ـ من موقع استراتيجي كقناة اتصال مع قسمي كردستان العراقي منها والتركي .. ونظرا لسرية وخطورة بعض المهام ايضا فمن الضروري لا بل وفي الحقيقة كان هناك جنود مجهولون وبكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى .. عملت بصمت ..وانجزت بلا ضجيج ما كانت تكلف بها وبعضهم ـ سرّهم ذهب معهم ..والبعض الاخر يعفّ عن التكلم أو ـ التباهي بها ـ والبعض الاخر شاءت هذه الذاكرة الملعونة أن تختزن بعضا مما قاموا بها .. فالعذر ممن كان حيّا والرحمة لمن توفاه الله … ووسط تلك الأجواء حري بالطفولة وتلك المرحلة أن تعي أمورا كثيرة .. مثلا : ..هذه الغرفة لا تدخلها ..ولا تلمس أو تعبث بموجوداتها … تلك البضاعة لا تتكلم عنها لزملاءك … هؤلاء الضيوف إياك وذكر أسماءهم ؟؟ … جملة من المحاذير أوجدت لا بل ستوجد لديك إصرارا على مدى أهمية وكتمان ما يجب أن لا يقال وبالتالي ..إذا ما ترافقت والحالة هذه بإعتقال لربما وقتي ومشفوع بمجزرة تعذيب وحشي وقد تعرض لها أبوك مثلا .. وحفلات المداهمات في منتصف الليالي فتقاد مع إخوتك الى ساحة الدار بعد أن يكون قد تم جرّك جرّا من تحت ذاك اللحاف الدافئ ..لا بل ولن تستطيع ـ مطلقا ـ أن تنسى وعبثهم بالسرير / المهد لأخيك الطفل .. إذن هناك أمور مقدسة ..والحفاظ عليها وكتمانها نجاة لأعزة لك من سوط جلاد لايرحم .. أن تكبر في ناظرك مساحة تلك البقعة الهادئة كانت بالرغم من المخاضات والغليان التي كانت تواكب حالة النهوض الثوري في كردستان العراق .. وانت الطفل بعد ..فتضيق بك المساحة من جديد وبالرغم من تلك الفسحة الممتدة لديركا حمكو والآمال التي تخبو حينا وتضمر أحيانا ..إلا أنها تبقى ـ ديركا حمكو ـ وتلك الفسحة الضيقة أو الصغيرة ـ مكانا ـ .. فتتعظم في نواميسها جرم العمالة أو الخيانة ..لا بل لعلها ـ المنطقة المثلى ـ التي كانت لمنطوقة الخائن او الجاش وما لها من مدلولات ـ آنذاك ـ .. كنا نتحسسها ونحن الأطفال بعد بتلك النظرة الدونية والرأس المطأطأ والعين مسمّرة بالأرض يخجل ذاك العميل حتى والنظر يمينا أو يسارا .. وننادي بطفولية أو لعله نتهامس فيما بيننا قائلين ـ بنيره أوه ييه حيز .. ـ وبالرغم من حالات الخلاف وشدة الإنقسام ـ يمينا أو يسارا ـ إلا أن فلانا كان لا يزال صديق أو قريب فلان .. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ..نعم لقد كانت البقعة رغم فسحتها الممتدة ..صغيرة وضيقة .. كنت تلاحظ لا بل وتتلمس تلك الروح في حفاظ ـ الديركيين ـ ومن دائرتهم ـ المغلقة ـ حفاظهم لا بل كتمهم لأمور كانت ستجلب الويلات للبعض منهم … وهنا وبالرغم من وعدي القاطع لوالدي بعدم التطرق الى كثير من ذكرياته ـ من لحظة انتسابه الى الحزب واعتقاله .. وذكريات السجن وبالتالي مخاضات الخلاف ..وحقيقة الأمر حول الذي جرى أو كان يجري بين الراحلين د . نورالدين ظاظا .. والراحل عثمان صبري .. وبالتالي إنعكاس ذاك الأمر على مجمل وضع ومواقف المعتقلين ..وبالتالي المحاكمات .. ومواقف المحامين .. ومن ثم ما جرى بعد ذلك ..وحول الخلاف والذي أطاح بوحدة الحزب ومن ثم الإنشقاق الأول يمينا ويسارا .. أقول سأبر بوعدي له أطال الله في عمره وإن أجاز لي كتابتها بعد حين .. فقط واستميحه عذرا وسرد هذه اللمحات ..موقف القائدين ..نعم موقف كل من الراحل الدكتور نورالدين ظاظا والراحل عثمان صبري لا بل وحالة التوتر والهيجان اللذين كانا يصابان بها عندما يبدأ الجلادون حفلة تعذيبهم الهمجي للرفاق … خاصة الشباب منهم او المرضى وكبار السن ..لحظة كانا يتناسيان فيها كل شيء ..فقط الهمهمة والدمدمة وشعور من التمني لا يخفي أبدا تمنيهما لو أنهما المجلدون لا هذا أو ذاك الرفيق ..ومن ثم السعي بعد انتهاء الجلد الى القادم زحفا من وجبة الإحتقار البشري وتقديم ما يمكن لتخفيف بعض من الآلام ..هكذا كانت الروح ومع الأسف كم غيبت الأمور الجادة والنبيلة من سير أولئكم الأبطال القدوة ..وبتنا نسعى ـ جميعا ـ فقط للتركيز على التنافر وحالة الخصام فقط ـ و هناك أمر آخر لا أرى تعارضها ورغبته ـ الوالد ـ .. مثلا ..لم يعد خافيا حجم المساعدات أو المراسلات أو المعبر التي كانت تشكلها ـ ديركا حمكو ـ واهميتها في تنفيذ أو تحقيق تلك الغايات ـ ولعل الكاتب الأمريكي دانا آدمز شميدت كان صريحا حول هذه النقطة في كتابه رحلة الى رجال شجعان في كردستان ـ .. ولكنني هنا سأسوق مثالا بسيطا : .. في الستينات ..كانت ديركا حمكو بلدة صغيرة ..تسكن فيها عائلات محددة ومعروفة لبعضها البعض … وبحكم أن والدي كان له ـ محل بيع أقمشة ـ والبضائع كانت تأتي إليه من حلب ـ يتسوق منها ـ وكان هناك أكثر من موزع لشاحنات البضائع الواردة ..أهمهم ـ أولاد حاجي أوصماني كولكي ..ومحمدي ملا إبراهيم أخو الراحل أحمدي ملا إبراهيم … وكالعادة كانت هناك شحنات من البضائع ـ أهمها الخاكي والذي كان يستخدم لخياطة زي البيشمركة .. تلك البالات الثقيلة وزنا .. وأنا هنا أسرد هذه الحالة وسأركز عليها وبشخوصها لأسباب ستتوضح لاحقا … كانت هذه البالات ترد عن طريق المركزين وبالتالي يجلبان الى المحل .. ونظرا لثقل البالات كانت تحمّل على عربات يجرها العتال وبالتالي ترمى أمام المحل .. وفي آخر النهار كان السيد يوسفي عمر وعتال آخر ـ من الموثوقين بهم ـ يجلبانها الى الدار وبطريقة لا تلفت الإنتباه ..هكذا كان التصور .. وكم هي من المرات التي كنا نسمع فيها تلميحات واضحة من الحمالين وهم يقولون .. ـ قادي ..ما نوع هذه البضاعة .. كم هي ثقيلة .. فيرد عليه صاحبه : … بلا طول لسان … / خودي خيرا ته زي بنفيسي قادي .. / .. ـ هذا من جانب ومن جانب آخر فلم تكن كشوفات الشحن كما هي اليوم بذاك التفصيل الممل وكثيرة هي الحالات التي كانت مفرزة الجمارك أو الشعبة السياسية تطلب كشوفاتا بالبضائع الواردة ..فمثلا إن كانت هناك ثمانية بالات ..كان المرحوم ـ أحمدي ملا إبراهيم يوزعها إثنتان له واثنتان لعبد القادر كري واثنتان لعبدالله عزير ..ومحمد رمو … عمري عزير .. وهكذا … أما الحالة غير الطبيعية ..لا بل تلك الصورة والتي اختزنتها الذاكرة لأكثر من أربعين سنة والتي لا تزال تطن في أذني وكأنها حدثت بالأمس … أجل .. أميني حاجي أوصماني كولكي … كان هناك شحن هم ـ إخوته ـ وكلاؤها .. وترد عن طريقهم أيضا بعض من البالات … ومما كان يقال في ديريك عن أصل ـ حاجي أوصمان ـ أنه ينحدر من أصول عربية وكان للون بشرته وطريقة تكلمه بالكردية دور في تزكية هذا الأمر ـ إضافة الى آخرين أوعزوا أصله الى جيايي سيليفا ـ وطبيعي أن لا تكون هناك مكاشفة أو مصارحة لهم حول خصوصية هذه البضاعة … أو هكذا كنا نتصور نحن الصغار … والبضاعة كانت ترد برتابة ودون أية منغصات .. وكنا نحن الصغار نسرّ لقدوم تلك البالات لسبب أساسي .. الربطة كانت تشدّ في حلب بنوع من ـ التيل السميك ـ وكان هذا ـ التيل .. السلك ـ يضاهي في متانته وغلظه وبالتالي نوعيته تلك المقتطعة من الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط ب ـ القشلة / الثكنة ـ وكذلك عذاباتها ..بالرغم من قساوة سلك البالات وصعوبة صناعة أو تحويلها الى أشباه عربات نقل أو قاطرات ومقطورات ..تلك العربات اللعب التي كانت تخاض بها مبارزات ـ إذا صح التعبير ـ فيتم صدم إثنتين منهما مجابهة ..لتبيان متانة الفائزة .. وطبيعي أن يكون ذاك السلك الحلبي بعرباته الفائزة دوما .. و .. مقولة أمينو التي ما تزال تطن … / مانه أو تيلي بيشمركانه يا بو !! … / .. نعم فالتصور السائد هو أن البيشمركة لا يقهر .. وأكدته ـ هذه المقولة في ذهنيتنا ـ التقهقر المخزي لفرقة فهد الشاعر العسكرية وبالتالي انسحابها أمام مجموعات البيشمركة وآلاف القصص والروايات التي أخذت تنتشر عن البطولات الخارقة ـ هذه الجملة التي أرعبتني بداهة .. وظللت لأكثر من يوم مترددا أأخبر والدي أم لا ؟ .. وأخيرا أخبرته ..وكأي حدث طفولي خمنت أن الأمر إنتهى .. ولعله بعد أكثر من يومين .. وأتذكر حينها أن المرحوم ـ أحمدي سيد حمو والسيد منيري حاجي رشيد ـ كانا قد تشاركا في محل عطارة .. وأنا أمرّ من أمام محلهما والإثنان ووالدي ثالثهما ناداني والدي ..فذهبت إليهم .. واستفسر مني وبطريقة لا تجلب أية ريبة عندي .. ـ هكذا تصوّر !! ـ في لعبتكم وامينو أية عربة ربحت ؟ .. قلت عربتي .. لماذا ؟ .. أجبته ببساطة : لأنها أقوى ..وسلكها غليظ ومتين .. ووالدي لم يكن يبحث عن الأسباب بقدر محاولته أن ينتزع مني مقولة أمينو .. فبادرني منيري حاجي رشيد وماذا كان رد فعل أمينو .. ماذا قال ؟ .. فرددت عليهم قوله .. وأحمدي سيد حمو يهزّ برأسه … وبحدسي الطفولي وبسرعة لا متناهية ربطت علاقة القرابة بينهم ـ أحمدي سيد حموـ من جهة والجيرة ..الخ .. ولم يخب ظني .. فبعد أقل من ساعة كان الأخ الأكبر لأمينو ـ محمدي حاجي أوصمان ـ بمعيتهم يشربون الشاي في مقهى ـ محمد سليمي نافي ـ .. وفي الليل .. علمت بأنهم تكلموا مع محمدي حاجي أوصمان .. الذي أخبرهم بدوره أنهم يعلمون كل شيء .. وعيب أن يظنوا ـ مجرد الظن ـ بأنهم لربما يسيؤوا إلى أي واحد ؟ .. أي واحد في هذه البلدة الوادعة ـ خصوصا قادي كري ـ لأننا جميعا نعلم لمن تذهب هذه البضائع … ـ ولطالما هي سيرة وانفتحت ـ فيجب ألا ننسى أو أقله نستذكر أدوار بعض من المتوفين ـ رحمهم الله ـ أو بعض الأحياء منهم أيضا .. نعم يوسفي عمري عربانجي ..وثلاثة أو أربعة من الحمالين .. وكذلك ـ علو ـ من قرية حاجي هارونا … وكذلك ما كان يلعبه من دور .. علي بكجي ..وخليلي برفي ـ ييه بكجي ـ ..وكذلك بعض من المعلومات التي كان يقدمها ـ عفدو يي آذني كمركي ـ … هكذا كانت الأمور في ديركا حمكو … صندوق مغلق بقسوة لا متناهية يصعب عليك فتحها أو العبث بمحتوياتها .. روابط أفرزتها ـ حينها ـ تلك الشبكة الرائعة من العلاقات الإنسانية النبيلة …والتي أسست ولبرهة زمنية ليست بقصيرة مودة تصل الى درجة اللحمة والتعاضد بكل مقاييسها .. وعود على بدء ـ وهذه البلدة الرائعة ديركا حمكو ـ فيستحيل أن تكون منها ولا تتلمس يوميات النضال الوطني الكردي ـ إن داخليا ـ أو كردستانيا .. وسأركز بإخنصار على أمر محدد : ….. في أوائل الستينات كانت البلدة تنوء تحت الظلام شأنها شأن أية قرية نائية .. فقط بيوتات محددة كانت تنعم بالكهرباء الذي كان يوفره محطة ـ سه قه تين ـ إضافة الى كبار المسؤولين الحكوميين والدوائر الحكومية وكذلك شارع أو شارعين منها .. والبقية .. لمبة كاز ـ نمرتان أو ثلاثة ولربما أربعة ـ ,و اما الفوانيس او ـ لوكس ـ فقد تلت بعدها بفترة .. ولم يعدم بعضهم ـ وذلك الحين ـ شعلة ـ جرا ـ التي كانت تضيء كالشمعة .. وطبعا لم تكن هناك من الأمور المسلية كالتلفزيون هذه الأيام أو حتى المسجلات أو سواءا ـ الشريط منه او الممغنط ـ .. السهرات كلها تدور من حول الراديو الذي كان قد بدأ يغزو ..وبالتالي الحكايا ..والأخبار الشفهية التي لربما قد وفد بها زائر ما … وكما أسلفت أن تكون في محيط يتعاطى والشأن الوطني فمعناه الزوار كما الأحاديث هي نمطية وخاصة والوالد لم يكن قد مضى على تجربة اعتقاله الكثير ..ومماحكات السجن وذكرياتها وبالتالي المواقف والمتناقضات وبالتالي ما يسرّ منها وما يحزن .. التحقيقات .. جولات التعذيب .. يوميات كانت تسرد للضيوف ونحن جالسون نستمع والذاكرة تحشو ما تحشو فبات لديك كم هائل من المواضيع حول د . نورالدين ظاظا مثلا أو رشيد حمو ..أو نواف نايف باشا . أو أوصمان صبري .. وهكذا .. والحكايا إن خفتت بمغادرة الضيوف وانت شبه نائم ويجرجرونك الى فراشك وما أن تفتح عينيك صباحا فأول ما يتلقفه ناظريك كانت تلك الصور المعلقة ـ أبيضا وأسود ـ وهي تشي لا بل تؤرخ لتلك المرحلة من حياة والدك .. فتبدو نابغة بسجن المزة .. وتفرّق بين الأقلية والأكثرية وبحق ترى نفسك تتكلم مقلدا الكبار وشعار توحيد وتحرير كردستان .. والمحاكم السياسية والمحامون .. .. الخ .. تتأمل الصورة الأولى وملامح والدك وأحمدي ملا إبراهيم ولعلها المرة الألف ووالدك يجاوب أحدهم مثلا عن سؤاله ومكان وتاريخ الصورة ..أنها في الشام عندما ذهبنا الى جلسة المحاكمة .. وهكذا الصورة الثانية والمعاطف الطويلة لوجوه حفظتهم غيبا .. عمري شمس الدين وهو يضم يديه على بعضهما والشرح يوضح لك أنه يعصر الثلج ليجعلها كرة قاسية .. إذن أنه الشتاء وجلسات المحكمة لم تنتهي بعد .. وهكذا دواليك … وتتداخل الأحاديث والمواضيع وبالتالي خارطة التوزع البشري والولاءات وبعبارة أدق الإنتماءات وشيئا فشيئا ينحدر البارتي الى هوة الإنشقاق .. أقول : أن تكون طفلا وتعيش هكذا أمور .. فمن المحتم أن تكون أمر الإعتقال وأجواء السجون عادية عندك .. لا بل تحسّ بأنك ذي طاقة مختزنة .. ولديك ما تستند عليه بالصمود .. وهذا ما أظن أن جلّ رفاقي قد لامسوه مني وخصوصا فترة الإعتقال الأولى عند الأمن العسكري ورفقة صديقين عزيزين / إ . م . ع والصديق م . خ / والأول كان قد خرج لتوه من مشكلة إجتماعية ـ طلاق من زواج لم يكن قد دام لشهر أو نيف ..والآخر استشهاد أخيه وولعه الشديد بإبنته ـ وفقه الله ..
وللحديث بقية
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






