فخاخ أمريكا تنتقل إلى سوريا
ما يلفت النظر في الساحة السورية منذ بضعة أشهر هو تنامي دور الجماعات الأصولية المتطرفة وتلاشي دور الجيش الحر يوماً بعد آخر، وليس هذا فحسب، ففي الطرف الآخر أيضاً يتصاعد دور الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران وحزب الله والتي تعمل بشكل مستتر تحت عباءة النظام. وهكذا صرنا نسمع هذه الأيام عن جبهة النصرة وغرباء الشام في الإعلام أكثر من سماعنا عن الجيش الحر وكتائبه وقادته، وبتنا أيضاً نسمع عن لواء أبي الفضل العباس الذي يستميت دفاعاً عن النظام في دمشق وضواحيها والذي يتشكل من متطرفين شيعة يخوضون حرباً مقدسة ضد أندادهم التاريخيين من أهل السنة. ومهما أنكر قادة المعارضة السورية فإن من يقاتل النظام الآن بشراسة وتفان هو الجماعات السلفية المتطرفة، لا الجيش الحر، الذي تحول دوره إلى دور هامشي لا قيمة له، الأمر الذي ينبئ بمدى تحول اتجاه الثورة في سوريا، من ثورة وطنية تسعى إلى الإطاحة بنظام الحكم وإقامة بديل ديمقراطي عادل إلى فوضى أبطالها جماعات دينية سلفية لا تدري لماذا تقاتل وفي سبيل ماذا تقتل.
يجري هذا وسط صمت دولي يوحي بالرضا عما يحدث. فالغرب لم يُمَكِّن المعارضة من دحر النظام لإقامة بديل عنه يتولى زمام الأمور ويتكفل بالتعامل مع الجماعات السلفية، وهو من جهة أخرى لم يدعم النظام القائم لينهي المعارضة ويقضي على الجماعات السلفية، الأمر الذي يجعل المرء يرتاب في أمر الغرب هذا، فيما إذا كان يرمي إلى ديمومة الصراع في سورية أم وضع حد له!
لا غرابة في ذلك، فالمستنقعات التي تجذب القاعدة والجماعات المرتبطة بها عقائدياً هي محميات أمريكية لا يجوز إزالتها أو إنهاءها مادامت هذه الجماعات تنتحر فيها وتكفي أمريكا شرها، وهكذا كانت أفغانستان هي المستنقع، وقد قتل فيها من القاعدة من قتل ، أما من هرب منهم فبنت لهم أمريكا فخاخاً في العراق، وهناك قتلتهم وشردتهم، ومن نجا منهم ستواجههم في مستنقعات أخرى، والآن باتت سوريا هي المستنقع الذي يستدرج القاعدة في عملية فناء ذاتي من قبلها وهو ما تحبذه أمريكا. وأمريكا هذه لها عداوتان في المنطقة، إحداهما مؤكدة وتتمثل في الجماعات السلفية المتطرفة والمرتبطة بالقاعدة والتي تسعى إلى إلحاق أكبر ضرر بأمريكا وبأي وسيلة كانت، والثانية ينظر إليها بعين الشك وتتمثل بإيران وما يدور في فلكها، ومهما يكن من غموض يلف العداوة بين أمريكا وإيران فإن جواً من عدم الثقة يسود بين الطرفين. والآن يتقاتل هذان العدوان في الساحة السورية، فلماذا ستلجأ أمريكا إلى إيقاف هذه الحرب؟
ما أريد قوله هنا أن كل ما يجري في سوريا من مآس وكوارث هو أمر يروق لأمريكا وحلفائها بما أنه يخلصها من عوامل تشكل مصدر قلق لها، وما جعجعتها الخافتة المدافعة عن الشعب السوري والتي عودتنا عليها منذ بداية الأحداث في سورية إلا لذرِّ الرماد في العيون.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






