🚨 إعلان هام جداً بشأن إغلاق موقع كورد أونلاين

بعد سنوات طويلة من النشر والتوثيق المستمر لأجل القضية الكردية، نعلن لكم بأسف شديد عن قرارنا بـ إغلاق موقع "كورد أونلاين" نهائياً لأسباب قاهرة. لقد قدمنا آلاف المقالات والآراء وبذلنا جهداً كبيراً طوعياً ودون مقابل لتوثيق الانتهاكات ونشر الثقافة الكردية في الفضاء الرقمي.

📌 تنبيه هام للتواصل: يرجى الاعتماد حصرياً على البريد التالي للتواصل معنا (سواء قبل أو بعد الإغلاق): web.kurdonline@gmail.com
مع ضرورة عدم استخدام البريد القديم (editor@kurdonline.info) لأنه لن يعود قيد الاستخدام نهائياً.

🔄 بخصوص الأرشيف والروابط: سنحاول نقل جزء من هذا الأرشيف للمدونات المجانية (رغم فقدانها لقيمتها في محركات البحث وافتقارها للمواد المرئية)، كما ننوه أن نطاق وموقع وروابط الموقع قد تُحال إلى مشترٍ جديد، ولسنا مسؤولين عن أي استخدام لاحق.

شكراً لكل قارئ رافقنا في هذه المسيرة.. نأسف لكم ونتمنى أن نكون قد تركنا أثراً طيباً.

في التيه …. ومأساة ـ قمو ـ ديني 5

في التيه …. ومأساة ـ قمو ـ ديني 5

    في التيه …. ومأساة ـ قمو ـ ديني 

                                            القسم الخامس 

                                          وليد حاج عبدالقادر 

ألقت ـ قمو ـ بنفسها وبكل ثقلها وتعبها على فراشها الممدود وسط ال ـ تخت ـ ، وذاك القماش الأبيض يحيط بها من الجهات الأربع .. التفتت صوب فراش أخيها ، وكانت تظنّه نائما ، فإذا به غير موجود … يبدو أنّ ـ ترحو ـ قد استمهله ، أو أعاد في طلبه لأمر بخصوص الضيوف .. التعب يكاد أن يفتك بها ، تقلّبت في فراشها يمينا وشمالا ، واستقرّت على ظهرها الموجوع أزلا ، وتأمّلت السماء بعلوّها الشاهق وذاك العدد الهائل والمتشابك من الأضواء المتلألئة ، إن لكواكب سيّارة ، أو نجوم تخالها جدّ بعيدة ، أو هكذا يتصوّرها المرء فتبدو له السماء بتكوّرها كرأس تلك المرأة وشعرها الناعم الأسود وقد نثر فوقها حبيبات ذهبية ناعمة تلمع فيتداخل السواد بالذهبي اللامع ، يضوي حينا ، ويذوي حينا آخر .. هذه هي النجوم ، وتلك هي الكواكب ، ولكنّها قدرة الله سبحانه وتعالى .. وعلى الرغم من التعب الشديد ، إلاّ أنّ ـ قمو ـ وكمن شيئ ما ن أو ألهتها ن سواء من تعبها و.. مدى حاجتها للنوم ، ولما لا ؟ فدارهم ما دخلها زائر ضيفا منذ أن توفي والداهما ، أمّا الآن فلديهما ضيوف ، وأيّة ضيوف !! فلو دخلن ـ هؤلاء الضيفات ـ على أيّ بيت جزيري ، لكان الحدث أشبه ما يكون بعيد كبير .. شردت ـ قمو ـ وأطلقت لمخيلتها العنان وهي تفكّر بالنسوة الأربعة ، وعلى الرغم من التوتر الكبير وكذلك الظلمة ، والوقت الضيّق الذي قضته معهنّ الآن ، إلاّ أن الكبيرة بينهنّ بدت هي الآمرة كما الواثقة أكثر بنفسها من جهة وإطاعة الأخريات لها من جهة أخرى ، وقد سبقتها ملامح ذكاءها حتّى قبل نطقها .. ومع هذا فجعبتها مازالت ملأى بالقصص والأحاديث التي رواها والديها ، أو ما يثيرها الجزيريون فيما بينهم عن مآثر الأسرة الأميرية … إزداد توترها ومعها تعبها وحاجتها وحاجتها الى الماسّة الى النوم ، ومن ثمّ ـ مجيدو ـ وسبب تأخّره الى هذا الوقت على غير العادة ، ولربما غالبتها سلطان النوم وقد فرض سطوته ، فتداخلت المشاعر والأحاسيس ، كما وضغط الأعصاب ، فغطّت في نوم عميق ومتوتر تشوبه أحداث وأحداث .. أخذت تتمتم أحيانا وأخرى تتقلّب وتاهت في غفوتها العميقة وبدت كالطائرة الى مرابع حلم …وهي تتمنّى في قرارة نفسها ، لابل تبتهل الى الله ، لو أنّ القدر يتأنّى ويمنن عليها بدقائق واقعيّة ، وفي الواقع من جديد كما وسيمياء الحلم الرائع ، فقد اقتادها والدها .. نعم نعم فهي تتذكّر .. نعم تتذكّر وهي الطفلة كانت .. لا لآ .. ولم يكن أخوها ـ مجيدو ـ قد ولد بعد .. تطلّعت في والدها وهي تسأل .. بابا .. أولم نذهب أنا وأنت سويّة وفي نفس هذا الطريق ؟ أومأ الأب برأسه .. سارا في الشارع الطويل الممتد هذا .. تجاوزا ـ دري يي رومي ـ في اتجاه الشط ووصلا الى ناصية الشارع ومنها هبطا الدرج المؤدي الى ضفّة دجلة وأسفل جدار القلعو حيث مربط ـ كلك ـ أيامها ، كما و ـ برجا بلك ـ ، وبدت ـ مدرسا أميري ـ على اليسار ، وكانت الجندرمة قد استولت عليها وصادرتها ، ومن ثمّ اتخذتها مقرّا لقيادة ـ آل بايي ـ الجندرمة .. مشت الهوينا بجانب ابيها على أطارف الشطّ وهما يتامّلان البسطات والمقاهي المنتشرة بجدرانها وأسقفها القصبية المتراصّة على امتداد الشطّ وجميعها مغلقة لسبب لا تفهمها .. صوت ضجّة من وراءها .. مواء قطط كثيرة ومتداخلة .. وقفا .. تلفّتت وراءها .. دقّقت في الأمر .. لالا أخذت تحملق !! .. تسمّرت في مكانها .. أجل أجل ، أنّها تلك القطة المسكينة التي تجوب أزقّة حارتها وقد وقفت كالنمر في الوسط تحيط بها في شبه حلقة قطط سمان تبدو عليها كلّ مظاهر البط .. يبدو أنّهنّ لا ترغبن بوجود هذه القطة المسكينة في منطقتها ، لابل وحتّى تشرّدها على ضفاف الشاطئ .. تطلّعت في أبيها ورجته المساعدة .. جرّها أباها من يدها لتصعد معه جدار القلعة من جديد ، ولكن من زاوية أخرى صوب ـ برجابلك ـ  وما درت بعدد الدرجات التي قطعاها حتّى وصلا الى مايمكن تسميتها بالطاقة ، او الطابق الأوّل من البرج ومنها تأمّلا الغرب .. نعم الغرب حيث ـ قصرا أميري ـ أو ما اعتاد البوطيون على تسميته ب ـ دبستانا أميري ـ وأخذ أبوها يدندن ويدندن .. نعم يدندن بأغنيته المفضّلة تلك .. هي هي عينها ـ سريليا ـ مي ري من ـ وعلى الرغم من عشقها المميت لهذا النوع ومعرفتها غالبية كلمات أغانيها ، ولكنها ـ الآن ـ لا تستطيع أن تميّز في الدندنات بأية كلمة واضحة سواها .. نعم فقط .. فقط .. / ميرو .. ميرو .. ميري من .. / ربّاه !! … ـ هري ميري من .. ـ والأب يغني ويغني وهو يمطّ في صوته حينا ويقتصر حينا ، ويتنهد تنهيدات طويلة وبحسرة .. وهي تتعذّب وتتعذّب وتصرخ مناجية وهي تتمنى لو تفهم أو تتذكّر كلمات الأغنية وترجو والدها وهي تهزّه بعنف وبشقاوة وتصرخ .. يا الله !! .. أبي !! أرجوك وضّح لي كلمات الأغنية ، وكأسطوانة فارغة يتردد الصوت ومن جديد هو عينه ـ مي رو .. مي رو ـ و .. توقف الأب عن الغناء .. وتنهّد بعمق شديد ومن ثمّ أخذ يؤشّر بيده صوب القصر يشرح مفرداتها ل ـ قمو ـ .. انظري .. انظري الى تلك الإيوانات .. الردهات كما البيوتات والغرف المتناثرة حينا والمتداخلة حينا آخر داخل أسوار ذلك القصر المنيف والمترامي الأطراف ، وأخذ يدندن من جديد وهذه المرّة استطاعت ـ قمو ـ أن تميّز لازمة ـ تويني ـ لابل رددت من كلّ جوارحها مع ابيها ـ هي دنيايي .. لي كدي دنياي .. ـ وبدأ الصوت الشجي يعلو ويعلو .. الله !! .. أبي .. نعم نعم نعم .. أبي مازال ـ جاركس ـ الحكيم يذكّر العالم برخامة صوتك وأداءك الرائع لمثل هكذا أغاني !! .. ربّاه أبي !! ولكنهم يقولون بأنّك ميت .. نعم نعم أبي !! .. فأنا أزور قبرك دائما أيضا .. هو هو .. أبي نعم إنّه أنت وبصوتك الشجي .. وتابعت الإصغاء والأب لا يزال يترنّم ، ومن جديد هزّته من يده وقالت .. أبي على الرغم من أنّك ميّت منذ أمد ، إلا أنه صوتك .. نعم صوتك كما صورتك هيهي عينها كما عرفتها .. قاطعها الأبّ وكمن لم يسمع كلماتها وقال .. أنظري .. انظري !! ومن جديد وبلا مبالاة تابع .. انظري انت الى هناك ؟ .. ألا تلاحظين الأنجاس الجندرمة ؟! .. هؤلاء القذرون ما أن وطأوا بأقدامهم الوسخة جنبات هذا القصر المنيف حتّى بدأوا في نهب محتوياته التي استطاعوا سرقتها وتحطيم مالم يستطيعوا حمله .. وقد منعوا أيّ ـ بوطي ـ حتى مجرد الدخول الى حرم القصر ، ويقال فيما يقال يا بنيتي بأنّ الملاعين قد جمعوا مالم يستطيعوا تحطيمه من تحفه وآثاره ، ورموها في ردهة ذاك اليوان ـ مؤشرا بيده ـ وقد شمّعوها بالأحمر وركّبوا عليها قفل كبير ومفتاحها مودع بأمرة كبيرهم ال ـ آل باي ـ نفسه … أما ذلك القبو .. ومؤشرا الى ما يشبه حوض أو صحن في الوسط من منطقة شبه معزولة في اطارف القصر من الجهة الغربية والقريبة من الشط ـ وتابع .. آه بنيتي .. آه .. نعم !! .. هي تلك الحفرة الزنزانة الرمز .. نعم الرمز يا بنيتي .. فهي اختزلت أروع تجربة حبّ وأنقاها .. هي الحفرة عينها مرتع ـ ممو ـ وخزانة آهاته ، لابل وآثار أنفاسهالأخيرة .. تنهيداته ولوعاته مازالت أضداءها تتردّد في جوانبها .. نسمات زفيره كما وشهيقه تتماوج في حركة دائرية مستمرّة ومتدفّقة .. برك دموعه التي لمّا تجفّ ، وعظيم أشواقه ونجواه لمحبوبته ـ زيني ـ .. لابل وصرختها ـ زيني ـ وهي تصول وتجول وتدور فترتد لتعيد صياغة صداها ومن جديد كما كلّ جديد وعلى مرّ الدهور والعصور .. الله بنيتي !! .. يقال فيما يقال .. بأنّ الأنجاس قد ردّموها وهم يظنّون بأنّهم إنّما يردمون بذلك هذا الأثر بملحمته الخالدة ، لابل ويعتقدون بأنّهم إنّما يعيدون صياغة ذاكرة مكركبة بلهاء للبوطيّين ..ولكنها هي هي .. صدّقيني بنيتي ..هي جزيرة ـ بوطان ـ .. نعم هي ـ بازاري بوطان ـ .. ـ بازاري أفيني او يي دلدارا ـ و .. كمن باغته امر مزعج .. تلفّت الى ابنته وقال فيما يشبه الصراخ .. انظري ؟ .. انظري ظ .. وتطلّعت ـ قمو ـ الى حيث يشير .. أشباح .. مجرد أشباح بلباس ظنتها ـ قمو ـ لربما هي جلود حيوانات مبرقعة ، ولا تدري لماذا تخاطر الى ذاكرتها المشحونة أصلا ـ سريليا سيدكي من ـ البائس بؤس كلّ مآسي ـ بوطان ـ .. اجساد مبرقعة مموّهة .. وجوه شبه مقنّعة .. اجسام بدت وفي المختصر محنّطة وبالكاد استطاعت ان تميّز استقامة أجسادهم ، لابل وحتّى أياديهم بدت وبالرغم من بعد المسافة اشبه ب ـ ملهيب ـ بأصابعها كما ومخالبها الطويلة المقوّسة ، أما رؤوسهم !! .. ويحي ما هذا الكابوس ؟ ..أبي !! .. ومن أين جيء لهم بهذه الرؤوس المختلفة ؟ .. فيها الدائري والمربّع فالمفلطح .. فهل هم ياربّي من قوم ـ ياجوج وماجوج ـ ؟ .. ام لعلّهم ـ زه قومي عوجي نه ت ؟ .. ربي !! .. يا الله ؟ ! .. أبي ما هذا ؟ .. من هم .. ؟ .. لاتخافي ؟ .. لاتخافي يا بنيتي .. هم فقط هكذا يريدون أن يوحوا او يتظاهروا بها للغرباء من بعيد !! .. ولكنهم كالجرذان بنيّتي .. لا لا كالنمل هم .. بنفخة هواء مركّز ن وبزعيق واحد ترينهم يفرّون في كلّ الإتجاهات .. فقط حظّهم وسلاحهم الأوحد والناجح هو الفتنة كما الشرخ .. آخ .. آخ .. الله .. هيهات .. هيهات !! .. ـ مي ري من .. بكي من .. هري مي ري من ـ وتتالت الكلمات وبالترافق مع الآهات و ـ قمو ـ فقط ترتّب وترتّب المقامات كما الكلمات وفق متتالية الصدى والصوت يأتلف بسريالية مفرطة مع الصورة فتعلو حينا وتكبر حينا آخرا ، وتبدو كالأشباح حينا أو كماعز بريّ لابل ـ بظ كيفي ت وأحيانا أخرى مثل ذلك الخنزير البري الذي اصطاده الآزخيون في ربى ـ جمي جهيا ـ ولحظات تلت ب ـ قمو ـ حيث تاهت منها الصور كما الأصوات قد ضاعت ، وأخذت تبكي .. وتأنّ .. تأنّ وتبكي بنحيب متقطّع ، لابل يتحشرج في رئتيها النحيب ويكاد حتّى الأنين ان يتقطّع وتعود بحسرة طاغية وألم .. لالا وجع .. حرام عليكم … إنّه الوجد المرافق لألم فرقة وقد طغى ن لابل تحجّرت بفعل شدّتها وعظمتها حتّى الدموع .. تعود الى ابيها ويدها ما تزال ممسّكة بيده .. وأين أمّي ابتي ؟ .. اين أمّي ؟ .. أين هي الآن ؟ .. أبي ؟ .. جاوبني أرجوك ؟ .. أعلم بأنّها قد ماتت بعدك !! .. أرجوك !! .. والدمع لا يزال يتدفّق .. ارجوك !! .. أرجوك أبي !! .. أنت أيتها الملعونة ـ قمري خان ـ قبل أن تسأليني أنت ؟ اين هو أخوك .. ؟ أين هو ـ مجيدو ـ ؟ .. اخوك ؟ .. وحيدي .. حبيبي أين تاه منك وسط هذا الزحام ؟ .. زحامك وما يحيط بك !! .. جاوبيني .. أنت قبل أن تسأليني ؟ .. وتمّلكتها نوبة بكاء شديد والأنين أخذ يعلو بنشيجه الحادّ .. إنّه هنا .. هنا .. وكمن استفاقت ، أو هي بين النوم والإستفاقة ولكنّها تلمّست مكانها ، أو أقلّه درت به وتابعت .. إنّه هنا .. هنا في فراشه ، وكمن عاد بأدراجه الى موقعه الأوّل ، أردفت تتمتم .. إنّه هناك .. لا ليس هناك .. هنا !! .. ليس هنا .. وبأنين حادّ رافقه قسم شديد .. و .. قمو !! .. قمو !! .. أختي ؟؟ .. ماذا بك ؟ .. فتحت عينيها .. الله !! .. ربي !! .. يا أرحم الراحمين !! .. وبيديها الإثنتين أخذت وجنتي أخيها ـ مجيدو ـ وبحلقت في عينيه وهي تسأل والدموع مازالت تملئ عينيها .. قل لي ؟ .. أين كنت ؟ .. وما الذي أخّرك الى هذا الوقت ؟ .. لالا .. أجاب ـ مجيدو ـ وتابع .. لقد عدتّ منذ زمن ونمت طويلا ، وما أفاقني سوى صوت المؤذن لصلاة الصبح ، وبعدها أنينك ونشيجك وهذا الحلم / الكابوس الذي كنت فيه ؟ .. نهضت ـ قمو ـ من فراشها ، وطلبت من ـ مجيدو ـ أن يعود الى نومه .. ولكنه خرج ف ـ ترحو ـ بانتظاره .. استعدّت هي أيضا للخروج الى عملها ، فهذا هو المطلوب منها أيضا !! .. لكنّها تريّثت للحظة وهي تفكّر .. من أين سيأكل الضيوف ؟ .. وما كانت قد انتهت من شرودها حينما دخلت الجارة وهي تحمل ـ سينيا قه سلي ـ مغطّاة بالكامل .. وأحسّت ـ قمو ـ ولتوّها ـ لابل تذكّرت ـ رائحة دخان ـ تفك ـ و ـ ناني شكفا ـ الذي كان يفوح من بيت الجيران منذ استيقاظها .. كشفت ـ قمو ـ عن غطاء السفرة .. السفرة مزيّنة بخبز حار مرفق ـ بجند بجلكي كزو كري ـ وصحن ممتلئ بقطع من ـ سيركا زوزانا ـ و ـ توكا ماصت ـ وكم اشتهت ـ قمو ـ والمشاركة في ذلك الفطور ، إلاّ أنّها أسرعت ووضعتها في الردهة ، ولتعود الجارة من جديد وبيدها إناءين واحد فيه حليب مغلي والآخر لبن تخاله قطعة من الجبن المتماسك ككتلة واحدة ، وضعتها ـ قمو ـ بجانب الصينية وغطتهما ب ـ ملكب ـ ومن ثمّ استعدّت للخروج الى عملها .. عادت اليها الجارّة بصينيّة أصغر تحتوي على جميع الأصناف السابقة تكفيها هي و ـ مجيدو ـ .. تناولت ـ قمو ـ فطورها وانطلقت ، وإن كان عقلها كما مشاعرها مازالت تحت تأثير حلم الليلة الفائتة وما خلّفتها وراءها أيضا في الدار .. ومن دون وعي أو انتباه ووسط شرودها أخذتها أقدامها على غير هدي وللحق أضحت لا تعرف الى أين هي ذاهبة ظ أو في أية اتجاه !! ..ولم تنتبه قطّ حتى الى الدرج المؤدي الى الشطّ و ـ مدرسا أميري ـ على يسارها وهاهي أمام الباب المؤدي الى الشطّ وتأمّلت كما في الحلم !! .. ذينك الأسدين المتقابلين والشمس ككرة وسطهما توزّع سهام شعاعها ، وتلكما القبضتين اللتين غاصتا بفعل قوّة اليدين الى داخل أتون الصخرتين القاسيتين .. وها قدمها اليمنى وقد خطّت أولى درجات الهبوط ومدّت بقدمها اليسار صوب الدرجة الثانية ، ومجموعة من الجندرمة في تدريب عسكري ، وزعيق بلغة لا تفهمها هي .. وهم يسيرون يمينا حينا ، ويسارا حينا آخرا ، ويتدرّجون وراءا بحركة واحدة .. نزلت من الدرج ووطأت بقدمها الرمل وحملقت في ـ برجابلك ـ .. الله !! أبي !! .. نعم .. هناك كنّا أنا وأنت .. على تلك الطاقة ربما منذ سنين طويلة ، لابل لعلّه بالأمس وذلك الحلم الشجي .. لابل الرائع .. أبي !! .. يا الله !! .. كم أنا مشتاق لكما أمي وأبي ؟ .. انحرفت يمينا وتاهت في محيط ـ تاخا كلهيا ـ وسارت في مساواة الشط مترافقة بمنعرجاته ايضا ، وهي تصيغ السمع برهبة الى تماوج وحركة مياهه .. آخ !! .. هري / .. شطيانو .. تو قرشكو قواري جزيرا بوتا لكل خوه تيني .. / .. انحرفت ـ قمو ـ بعد قليل الى حيث ـ قسر دلا ـ ومحيط قرية ـ محمودية ـ في الطرف المقابل ، فإلى ـ ثقلانا ـ من جديد و ـ كاراني جيلكا ـ ولكنها في الحقيقة ، لاتحدوها أيّة رغبة في العمل ، وخاصّة في قطع الجلّة ، فحرام .. نعم حرام أن تزعج الأميرات برائحة الروث النتنة الذي ينبعث من ثيابها .. إذن !! .. سأجمع الروث فقط .. وبعدها سأغسل يديّ جيدا .. أوف !! .. اللعنة !! .. لماذا لم آتي معي بقطعة من الصابون !! .. وصمّمت أن تترك ـ تنكا ريخي ـ أيضا هناك .. ولم تعرف ـ قمو ـ كيف ومتى ستنهي نهارها ؟ .. لابل كانت الفوضى وتشتت الذهن هما المسيطران عليها في هذا الصباح المشحون والمليء ، إن بأسرارها كما ومفاجآتها ، لذا فقد آثرت العودة الى البيت ، بعد أن جمعت ومن ثمّ حملت ـ بشتيك قرشك ـ الى أحد بيوتات المدينة ومن ثمّ عادت الى البيت .. و .. كانت أولى خطواتها حيث توجّهت من جديد الى البئر وغسلت وجهها كما وقدميها بالصابون .. وغلى الحمام حيث استبدلت ثوب عملها ، واستدارت لتدخل على الأميرات في الغرفة .. تفاجأت بوجود ـ سيتلك أبراخ ودورمه ـ .. توجّهت الى الأميرات اللاتي كان بعضهن جالسات والأخريات ممدّدات على فرشهنّ تتسامرن ، ولأوّل مرّة انتبهت اليهن كما انتبهن اليها .. وبعد السلام .. سألهنّ عن الغذاء .. أجبن بأنّهنّ تغذين ، فأشارت الى ـ سيتلا أبراخا ـ … ردّت عليها الأميرة الكبيرة بينهنّ .. إنّه غذاءك وأخيك ـ مجيدو ـ ، واعذرينا لأننا في الحقيقة لا نعلم موعد قدومك ، لذا فقد تناولنا الطعام قبلك .. معاذ الله أميرتي !! .. صحّة وعافية .. وأنا المتأسّفة لآنني لم أكن موجودة في خدمتكنّ .. وبدأت رحلة الإستكشاف والتأمّل المتبادل وكلّ يحاول سبر أغوار الأخرى .. ـ قمو ـ التي لاتزال تحت سطوة الرهبة والخجل ، ومع هذا فهي العاشقة ، لابل المجنونة لولوج عالم الأميرات ومافيها من غنج ودلال وأبّهة .. وهنّ .. بوطان مرتع الأجداد ، ومصدر الكبرياء وذلك أو تلك البيوتات والآثار كما البقايا من روائع الأجداد .. كلّها حروف لكلمات ، وكلمات لنقوش في عبارات وجمل لابدّ أن تصاغ الى أو أن يعاد صياغتها فتحمل في طيّاتها تسلسلا لكلّ السير والحوادث كما المصائر التي تحاول قوّة كانت فيما مضى من أعتى القوّات ، وأن تضرب حولها ما تضرب ، لترميها في مجاهل النسيان كما وذلك السؤال البديهي الذي يطرح نفسه في ذهن الأميرة الصغيرة .. ترى هل يستحقّ أو استحقّ هذا الشعب أن يضحّي في سبيلهم جدّنا ؟ !! .. لابل أجدادنا وكلّ هذه التضحيات ؟ .. فنصبح نحن عليّة القوم وسادتها نتخفّى وفي عقر امارتنا لابل وأشبه بالسجينات ؟ !!! .
                                               ***********************************************************
                    يتبع 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top