هوشنك أوسي
كان الجوّ قارصاً، شديد البرودة، حين كنّا في استقباله امام سجن عدرا المركزي. كنت بصحبة صديقي المحامي الاستاذ خالد ابراهيم والأخ الاستاذ والصديق العزيز علي يحيى "أبو دلو" (أب لشهيدين)، واعتقد انه كان معنا الأخ الاستاذ خلف، وجمهرة من الوطنيين نساءاً ورجالاً. بقينا في انتظار الإفراج عنه ما يزيد لخمس ساعات. منذ المساء وحتّى وقت متأخّر من الليل. لم يتمّ الافراج عنه وعن الأخ الاستاذ عيسى حسو، إلاّ في ساعات الصباح، حسبما اذكر، بعد جولة بين الافرع الأمنيّة. كان ذلك في شتاء 2008. إنه المناضل والانسان الوطني، والأب لأحد عشر ولد وبنت، والجد لأربعة عشر حفيد، والناشط السياسي المعارض؛ جميل عمر (أبو عادل).
لم التقِ به إلاّ حين خروجه من السجن، وقتئذ. وجرت بيننا فيما بعد بعض الاتصالات الهاتفيّة. كنت أعرفه موالياً للعمال الكردستاني ولحزب الاتحاد الديمقراطي. وفيما بعد، عرفت انه اختطّ لنفسه طريقاً سياسيّاً آخر، وصار منخرطاً في الحراك الثوري المناهض للنظام السوري، بشكل حيوي. والآن، لا زلنا ننتظر عودته بلوعة وحسرة وخوف وقلق على حياته. أكثر من لوعة انتظارنا له، شتاء 2008، امام سجن عدرا المركزي. ذلك أننا كنّا واثقين من خروجه إلينا حيّاً من سجن عدرا بابتسامه العريضة وملامحه الحنونة. لكننا، الآن، قلقون على مصيره، وهل سيعود لنا سالماً، حيّاً، أم شهيداً!؟.
من هو أبو عادل؟
ولد سنة 1953 في قرية تل طير، ودرس في قريتي "ابو راسين" و"كرباوي"، ويحمل الشهادة الاعداديّة. تزوّج مرّتين، وله خمسة أولاد وست بنات، واربعة عشر حفيداً. وكان يعمل في المقاولات. بحسب الكثيرين الذين يعرفونه، أنه كان منخرطاً في الحراك الوطني الكردستاني وموالياً لحزب العمال الكردستاني، ورديفه السوري، حزب الاتحاد الديمقراطي. وفيما بعد، وتحديداً بعد اندلاع الثورة السوريّة، اتخذ ابو عادل لنفسه خياراً سياسيّاً آخر، يختلف عمّا كان عليه سابقاً. وتمّ اعتقاله وسجنه ثلاث مرّات:
الأولى: سنة 1995، وبقي معتقلاُ لثلاثة أشهر، بتهمة بثّ قناة "ميد تيفي" الكرديّة على أبناء الحي الذي يسكنه بقامشلو، وتعرّض للتعذيب لخمسة أيّام متواصلة في فرع الامن العسكري بديرالزور.
الثانية: تم اعتقاله على خلفيّة مظاهرة شهدتها مدينة قامشلو، تنديداً بالتهديدات التركيّة بغزو كردستان الجنوبيّة. وتعرّض للتعذيب لـ27 يوم، بشكل متواصل، ما أدّى الى كسر ساقه، وفتق في عاموده الفقري. وبقي في السجن لمدة سنة وشهر. وكانت التهم الموجّهة له:
المس بيهبة الدولة. تقسيم سورية وضمها لدولة اجنبيّة. اثارة الشغب بين الشعب. اثارة النعرات الطائفيّة بين الطوائف السورية.
أمّا المرّة الثالثة التي اعتقل فيها، فكانت أثناء تواجد أحد من عناصر الكردستاني في سيارته، بعد وشاية من احد الخونة العملاء، بحسب أفراد اسرته. وبقي سبعة أيّام في فرع أمن الدولة، وتعرّض للتعذيب وقلع الاظافر.
في الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة 13/07/2012، كانت هنالك مجموعة مسلّحة، قد نصبت كميناً لجميل أبو عادل، وانقضت على سيارته، وسط اطلاق نار كيثف، ووضعت في رأسه كيساً واقتادته لجهة مجهولة. ولا زال مصيره غامضاً.
هذه الجريمة البشعة والحقيرة والقذرة بكل المقاييس، اكيد انها تصبّ في خدمة النظام السوري. ولكن، إذا لم يكن النظام يخجل من تصفية مشعل التمو ونصرالدين برهك وجوان قطنة، (جهاراً نهاراً وعلى عينك يا تاجر) فلماذا لم يقم بتصفية جميل أبو عادل في حينه، أو الافراج عن جثمانه؟!. ولماذا تمّ اختطاف جميل أبو عادل بالذّات؟!. ما هو مفروغ منه، انه من المستبعد ان تكون المخابرات التركيّة او الايرانيّة او الروسيّة او الصينيّة او السنيغاليّة أو البيروفيّة…، هي المسؤولة عن جريمة اختطاف جميل أبو عادل. وبالتأكيد، ان ابو عادل لو كان حيّاً، لتمّ الكشف عن مصيره. وبالتأكيد ان خاطفيه، لن يفرجوا عنه، لأنهم سيكشفون عن هويّتهم الحقيقيّة. ولو كان الاختطاف بداعي الابتزاز وطلب الفدية الماليّة، لكنّا عرفنا ذلك!. والسؤال: لماذا لم تفعل لجان الحماية الشعبيّة والقوى السياسيّة الكرديّة (المجلس الوطني الكردي في سورية + مجلس غربي كردستان + اتحاد القوى الديمقراطيّة) أيّ شيء، ولم تجرِ التحقيقات الشفافة واللازمة لمعرفة مصير هذا القيادي الكردي والناشط السياسي والانسان الوطني؟!. ولماذا لم تسعَ اسرته وأقرباءه واصدقائه لتفعيل قضيّة اختطاف واختفاء جميل ابو عادل في المنظمات الحقوقيّة الدوليّة؟!.
في مطلع التسعينات، كانت عصابات الدولة الخفيّة والجريمة المنظّمة؛ (جيتم + ارغاناكون + حزب الله التركي) يختطفون الوطنيين المعارضين للنظام التركي والداعمين لثورة التحرر الوطني الكردستاني. وراح ضحيّة هذه الجرائم نحو 17 ألف مفقود، من خيرة أبناء شعبنا الكردي في كردستان الشماليّة!. والآن، مع شديد الأسف، تسرّب اسلوب وتقنيّة هذه الجرائم الشنيعة الى المدن الكرديّة، لتطال نشطاء وقادة سياسيين، داعمين للثورة على نظام الاسد. هذه الجرائم، كما اميط اللثام عنها في تركيا، واعترف مرتكبوها بأفعالهم الوحشيّة والبربريّة، سيأتي اليوم الذي سيماط اللثام عن جريمة اغتيال التمو وبرهك وقطنة…، وجريمة اختطاف جميل ابو عادل…، وسيعترف مرتكبوا هذه الجرائم بما اقترفت ايديهم بحقّ الكرد الوطنيين من ساسة ومثقّفين. هؤلاء، كائن من كانوا، حين يقفون أمام محاكم التاريخ، وحتماً سيقفون، سيطال العار أحفاد أحفادهم، ولن يقتصر الجرم عليهم وحسب.
عيون أولاد وأحفاد وأصدقاء ورفاق أبو عادل، لا زالت ترنو وتتأمّل عودته ليقضي العيد معهم. وعيون الخاطفين الاوغاد، تتربّص بفريسةٍ أخرى، لتضيف الى سلجّها الدموي رقماً آخر.
04/08/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






