🚨 إعلان هام جداً بشأن إغلاق موقع كورد أونلاين

بعد سنوات طويلة من النشر والتوثيق المستمر لأجل القضية الكردية، نعلن لكم بأسف شديد عن قرارنا بـ إغلاق موقع "كورد أونلاين" نهائياً لأسباب قاهرة. لقد قدمنا آلاف المقالات والآراء وبذلنا جهداً كبيراً طوعياً ودون مقابل لتوثيق الانتهاكات ونشر الثقافة الكردية في الفضاء الرقمي.

📌 تنبيه هام للتواصل: يرجى الاعتماد حصرياً على البريد التالي للتواصل معنا (سواء قبل أو بعد الإغلاق): web.kurdonline@gmail.com
مع ضرورة عدم استخدام البريد القديم (editor@kurdonline.info) لأنه لن يعود قيد الاستخدام نهائياً.

🔄 بخصوص الأرشيف والروابط: سنحاول نقل جزء من هذا الأرشيف للمدونات المجانية (رغم فقدانها لقيمتها في محركات البحث وافتقارها للمواد المرئية)، كما ننوه أن نطاق وموقع وروابط الموقع قد تُحال إلى مشترٍ جديد، ولسنا مسؤولين عن أي استخدام لاحق.

شكراً لكل قارئ رافقنا في هذه المسيرة.. نأسف لكم ونتمنى أن نكون قد تركنا أثراً طيباً.

في نقد حزب العمال الكردستاني

في نقد حزب العمال الكردستاني

في نقد حزب العمال الكردستاني

 

هوشنك أوسي

 

إنّ أكثر التيارات السياسيّة الكرديّة، والشرق أوسطيّة، التي تزاول بنشاط، النقد الذاتي، هو حزب العمال الكردستاني. وأكثر من يحضّ على نقد الذات، في مسعى تجاوزها، هو عبدالله أوجالان. وفي نقد حزب العمال الكردستاني، خصص أوجالان الفصل السابع من كتابه "من دولة الكهنة السومريّة نحو الحضارة الديمقراطيَّة"، وعنون هذا الفصل بـ"أن تكون محارب الحرية لأجل الشعب في طوق المؤامرة". وأخذ من الصفحة 437 الى 477، من أصل 569، هي عدد صفحات الكتاب السالف الذكر. ناهيكم عن أن الكتاب، إجمالاً، هو مراجعة نقديَّة شاملة. فحول علاقة حزبه بالنقد الذاتي وضرورة ذلك، يقول أوجالان: "إن حزب العمال الكردستاني الذي أظهر موقفه المؤمن بالاشتراكيّة العلميّة تجاه الظاهرة والمشكلة الكرديّة، يواجه ضرورة ممارسة النقد الذاتي في الواقع التطبيقي له، بعيداً عن الوصول إلى الحل رغم تحقيقه تطورات هامّة. حيث يجب أن نفهم جيداً أن الإيمان بنزاهة الاشتراكيّة العلميّة والالتزام بها بشكل قريب من النمط الدوغمائي لا يكفي لوحده، حيث لم يستطع الحزب أن يكون علميَّاً بما فيه الكفاية". ويضيف: "يظهر وضع أشبه بخداع النفس، عندما تتوحّد المغالطة بالمعرفة، وعدم الكفاءة العلميّة مع هذه الأرضيّة. ومهما كانت التضحيات والشجاعة كبيرة، يتمّ استغلال النتيجة، بأسوأ الأشكال، من لدن الآخرين. وتصل إلى وضع التحوّل إلى أداة بيدهم. وهذا ما ظهر في واقع حزب العمال الكردستاني بكثافة. وهذا الوضع يتطلب إعادة النظر في كل المواقف والمناهج الإيديولوجيّة والسياسة والتنظيميّة والممارسة، والأساليب بشكل شامل، ليتمّ تجاوز السلبيّات عن طريق النقد الذاتي. وتصبح الإيجابيات مهيمنة".

ورغم أننا أشرنا إلى رؤية أوجالان المستجدّة لمفهوم المواطنة والدولة والوطنيَّة، وانتقاده للدولة _ الأمَّة، في الفصل السابق، إلاّ أنّه، وفي الفصل الذي خصصه، لنقد حزب العمال من كتاب "من دولة الكهنة السومريّة…" الذي أشرنا له، ينتقد نفسه وأفكاره وطروحاته السابقة، كمنظِّر إيديولوجي للحزب، إذ نراه يؤكِّد على "فقدان القوميَّة، والدولة القوميَّة أهميتها كخيار حديث ووحيد، وبروز الديمقراطيَّة، كنمط للسياسة والدولة والمجتمع". ويشير إلى أن طريق الحل الديمقراطي، "سيكون مجدياً أكثر من غيره، ويكون العيش كمجموعة قوميَّة حرَّة، في إطار الدولة الديمقراطيَّة، دون التحوّل إلى دولة قوميَّة، حلاً مناسباً، وأكثر غنى". ويرى أن كثيراً من الدول القوميَّة، تتجه نحو "اتحادات فيدراليَّة. كما تبرز الصفة الفيدراليَّة للولايات المتحدة الأمريكيَّة كأقوى دولة في العالم، وتوجّه أوروبا نحو فيدراليَّة، على شكل الاتحاد الأوروبي، يظهر مدى أهميّة هذا الخيار". ويضيف: "إن هذا الوضع العالمي يتيح إمكانية طرق الحل للقضيّة الكرديّة استناداً إلى الوحدة الديمقراطيّة مع الدول التي يقطنها الكرد. ويمكن لوسائل السياسة الديمقراطيَّة أن تشكلّ مشروعاً مجتمعيّاً مدنيّاً واسعاً يستهدف الوصول إلى الحلّ بالسبل السلميّة، دون إعطاء الفرصة للحكم المسبق للقوميّة، أو اللجوء إلى أساليب العنف. إن هذه الطريقة التي تتطور بعيداً عن العنف القومي والانفصال، تعطي جميع المجموعات الأثنية فرصة الحفاظ على كياناتهم الثقافيّة وحياتهم الحرّة. وهذا هو الحل الذي سيتخذه العالم أساساً له مع مرور الزمن".

ومع اشتداد عضد العمال الكردستاني عسكريَّاً وجماهيريّاً، في نهاية الثمانينات وحتّى منتصف التسعينات، وتفاقم النزوع القومي واليساري لديه، أفسح ذلك المجال لبروز اتجاهات وميول، سمَّاها أوجالان، بالنزعات العصاباتيَّة في حزبه، وانتقدها بشدّة، إذ يقول: "إن حزب العمال الكردستانيPKK، فقد جوهره وشكله بنسبة كبيرة بين أعوام 1987 ـ 1997 على الرغم من كل الإجراءات التي تم اتخاذها".

أمَّا في كتاب "دفاعاً عن شعب"، فقد خصص الفصل الخامس للنقد الذاتي، تحت عنوان: "حركة PKK، النقد والنقد الذاتي وإعادة البناء". وكمثال عن النزعة العصاباتيَّة المشبوهة، والانزلاقات الخطيرة في تجربته، والتي ظهر بعض خيوطها فيما بعد، بأنّ الدولة التركيّة، كانت قد دسَّتهم، أو جنَّدتهم، ضمن حزب العمال، كمثال على ذلك، يذكر أوجالان اسم هوكر (Hogir) أحد القيادات الميدانيّة في حزبه، وأفعاله الإجراميَّة، فيقول أوجالان عنها، بأنّها: "ابتدأت رسمياً بمجزرة الكوادر. إذ لا يزال مجهولاً حتى الآن عدد خيرة الكوادر المقتولة على أيديهم، بحجة "قُتِلوا في الاشتباكات". وما برح سر الموت "المظلم" للعديد من رفاقنا الأعزاء غامضاً إلى الآن. هذا إلى جانب أعداد جليلة من النساء والأطفال والناس العاديين، الذين لا يمكن استهدافهم في الحرب؛ قُتِلوا دون انقطاع أو توقف". ويضيف: "وغابت المبادرة المركزية في الوسط. لا تزال مسألة مدى صحة إعلامي وإخطاري بالأمور – وأنا على بُعد كل هذه المسافة – أمراً ضبابياً يكتنفه الغموض". وينتقد نفسه بخصوص هذه الجرائم، بقوله: "لم أتيقظ لهذه المسائل، إلا بعد السفالة الشنيعة المرعبة، التي حصلت في 25 كانون الثاني عام 1990، باغتيال رفيق طفولتي "حسن بيندال" أمام ناظري بحجة أنه "قُتِل خطأ في التدريبات العسكريَّة".

وحول عرقلة النزعة العصاباتيَّة في العمال الكردستاني، والحؤول دونها، يشير أوجالان إلى أن الكونفرانسات العديدة، ولا مؤتمر عام 1990، "لم تجدِ نفعاً. بل بقيت نقاشاتها كالكلمات العائمة على سطح الماء". ويضيف، في انتقاده لحزبه قائلاً: "في أعوام 94 – 95 – 96 – 97 – 1998، أدى العناد في التكرار إلى استنزاف طاقات الطرفين كثيراً. ولكون يوم 28 شباط عبَّر عن صوت مختلف متميز، بادرتُ بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في 1998، وأنا على قناعة بأن الدولة لن تنظر إليه بعين الإهمال. إلا إن خروجي الاضطراري من سوريا، نتيجة الضغوطات المفروضة عليها، أثر سلباً على أن تسفر خطوتي تلك عن النتائج المرجوة في الحل. ذلك أن الدولة لم تتراجع قيد شعرة عن هجماتها المكثفة علينا، لقناعة منها بأن فرصتها السانحة قد حانت، لتنهي المسألة بالسبل العسكرية بكل عناد". ويختصر أوجالان نقده حول هذه المرحلة بالقول: "لم يكن النصر من نصيب القيادة في حزب العمال، ولا الدولة، بل كان للعصاباتية في الطرفين". ويعطف على ذلك ذاكراً: "لم تلعب المؤسسة القياديّة (في حزبه) دورها المطلوب من حيث المحتوى، سواء على صعيد المشاكل المتعلقة بالنهج الأيديولوجي والسياسي والعسكري، أو من ناحية تدريب الكوادر وتعبئتهم، والعلاقات مع الجماهير، والمشاكل اللوجستيَّة الأساسيَّة. قد يوجَّه الانتقاد بسبب تغيير مواقع التمركز، إلا أن ذلك يفقد فحواه إذا ما قورن بإمكانيات التحرك ضمن شروط آمنة وسليمة على المدى الطويل. ما ينبغي التركيز عليه بالأكثر، هو عجز قيادة النهج التكتيكي عن لعب دورها المطلوب على الصعيدين السياسي والعسكري، رغم كل الإمكانات المتوفرة. إذ أنها كانت تمتلك كل ما يحقق لها النجاح والنصر؛ بدءاً من السلاح حتى المال، ومن مراكز التموقع إلى الاستخبارات الخارجيَّة، ومن العلاقات مع الجماهير إلى العلاقات مع الدول، ومن مرشحي الكوادر والمقاتلين إلى الكوادر العديدة المدرّبة سياسيَّاً وعسكريَّاً. كان بإمكان كل هذه الإمكانيات المتواجدة، أن تسفر عن تطورات ذات سياق مختلف تماماً، لو أنها اكتملت بوجود إدارة سياسيَّة وعسكريَّة وتنظيميَّة صادقة وأمينة، تقوم بتشكيلها والإفادة منها. قد لا نصل بذلك إلى نيل سلطة الدولة، وهذا لم يكن ضمن أهدافنا المخطط لها أصلاً. لكن، كان بالمقدور الوصول بذلك – وبكل سهولة – إلى حل ديمقراطي، رغم كل شيء، ودون تكبد كل هذه الخسائر أو معاناة كل هذه الآلام للأطراف المعنية على حد سواء. إلا أن العامل الأولي المؤثر في عدم الحظي بنتيجة كهذه، يكمن في العصاباتية المتفشية في صفوف PKK داخلياً، وفي هيكلية الدولة خارجياً؛ والتي ترجع مسؤوليتها أساساً إلى قصور مركز PKK وعجزه عن لعب دوره المنوط به".

ويرى أوجالان أن حزبه والدولة التركيَّة، سيَّان في الفشل، "بل تكبَّدا خسائر فادحة". ويعزو أوجالان هذا الفشل إلى أن "عدم القدرة على تحقيق التغيير النظري البراديغمائي في وقته المناسب، ما أسفر بشكل بالغ في السقوط ضمن حالة الانسداد القائمة. إذ لم نستطع تحليل وضع اليسار، واقتفاء أثر الحركات الثقافيَّة والانفتاحات الأيكولوجيَّة والفامينيَّة الحاصلة في الربع الأخير من القرن العشرين. كما لم نستوعب أهميَّة النشاطات المتعلقة بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان بالعمق اللازم. ينبع ذلك من التأثيرات البليغة، التي تركتها الاشتراكيَّة المشيَّدة والنزعة التحرريَّة الوطنيَّة فيPKK، ببرنامجه وشكل تنظيمه واستراتيجيته وتكتيكاته. لذا لم تتعدَّ التغييرات المجراة في المؤتمرات المنعقدة المستوى التكتيكي فحسب. ولم تكن البراديغمائيات العالميَّة الأساسيَّة قد تغيّرت بعد. ورغم غوصنا في أعماق التحليلات، إلا أن افتقارها للبراديغما الحديثة لم يساعد على القيام بالتغيير الجذري. فسادت المواقف الشمائية تجاه المتغيرات الاجتماعيَّة الجارية، وغلبت العقليَّة الدوغمائيَّة على النظرة إلى الطبيعة والمجتمع (…)  الأهم من كل ذلك، أن التعمق المفرط في السياسة والعسكريَّة كان يحصر الشخصيَّة في نطاق واحد فقط، ويفرض الأبعاد الهرميَّة على العلاقات. أمّا مرض حبّ السلطة والتسلّط، فكان يتغلغل بسرعة في أحشائنا كالوباء. وأضحى التفكير في كون الثورة تهدف إلى حريّة الشعوب ومساواتها، وكون الدمقرطة محطّة حتميّة في هذه المسيرة؛ في الدرجة الثانية من الأولويات. في حين انفرد الموقف السياسي والعسكري، بخاصّيته في تحديد ماهية كل العلاقات. هذا السلوك الذي قد يكون ذا معنى في الأوساط العسكريّة، تم عكسه على الشعب برمته. وهذا هو بالذات مرض الاشتراكيّة المشيّدة الأساسي".

ويشير أوجالان إلى تراجع أداء ومستوى حزبه، منتقداً إيّاه بالقول: "واصل PKK مسيرته حتى الألفية الثالثة ببراديغمائيته التي تبناها في السبعينات. لذا، وإن لم يصب بالتشتت والتفكك الكليين، إلاّ أنه فَقَدَ فاعليته بنسبة لا يستهان بها". ثم يضيف: "لا يمكن النظر إلى كل شيء بعين سلبية في أي تطور ظاهراتي كان. فتاريخ PKK في الوقت ذاته هو تاريخ التغييرات والتحولات العظمى في تاريخ الكرد وكردستان، وفي بنيتهم الاجتماعيَّة. بالإمكان القول: إنPKK ترك بصماته على الربع الأخير من القرن العشرين في كردستان. وجعل التحوّل الذهني الذي أجراه، والاهتزازات السياسيَّة والاجتماعيَّة التي أحدثها، مُلكاً للتاريخ".

 

 

ضدَّ العنف

 

في بدايته، دأب أوجالان على أن يفلسف العنف، ويشرعن ممارسته لتحقيق غايات ثوريّة نبيلة، منها تحرير الوطن والمجتمع. لقد عاصر أوجالان مرحلة العنف الثوري التي كانت تمارسه الحركات اليساريّة، والعنف المضاد للدولة، وكان شاهداً على انقلاب 1960 وانقلاب 1971 العسكريين، وتنبَّأ بانقلاب 12 أيلول سنة 1980 في تركيا. ناهيكم عن الموروث العنفي في وعيه، والمكتسب من العائلة والمجتمع والدين والدولة…الخ، وكيف كان يجمع أصدقاءه الأطفال، ويوزّع عليهم المناصب، ويسمِّي نفسه جنرالاً وقائداً للقوّات البريّة، ونيّته في القيام بانقلاب عسكري. وذكر هذه الحادثة في أماكن عديدة من كتبه. كلّ ذاك، غذَّى فيه نزعة التحدِّي، والإصرار على بلوغ الأهداف، عن طريق العنف. ويرتكز في شرعنته لذلك، على واقع الشعب الكردي، وأن كردستان مستعمرة، ويلزمهما التحرّر القومي، من ثمّ التحرّر الطبقي.

فحتّى قبل إعلانه للحزب، شكلّ أوجالان ميليشيا شبه منظّمة، وحاول اقتلاع الأشواك المتمثّلة بالرجعيّة والقبليّة الكرديّة، المتواطئة والمتعاملة مع الدولة في منطقتي حلوان وسيوريك، في محافظة أورفا، كما أسلفنا. ومنذ تلك الفترة، وحتّى إعلان الكفاح المسلّح، في 15/8/1984، كان أوجالان يحاول أدلجة العنف. وفي هذا السياق، ألَّف كتاباً هامّاً في مطلع الثمانيات، تحت عنوان "دور العنف في كردستان". واستمرّ الأمر هكذا، وحقق حزب العمال قفزات نوعيّة على الصعيد الجماهيري والعسكري، دون مساعدة الاتحاد السوفياتي السابق. وحتّى بعد انهيار الأخير، كان أوجالان، ميَّالاً إلى أن بالعنف والكفاح المسلّح، يمكنه انتزاع الحقوق الكرديّة.

وفي خريف 1992، وحين غزى الجيش التركي كردستان العراق، وصار مقاتلي حزب العمال بين فكّي كمَّاشة، الأتراك من جانب، وقوّات الاتحاد الوطني، بقيادة جلال طالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة مسعود بارزاني، من الجانب الآخر، أيقن أوجالان أنَّ القوى الدوليّة، لن تسمح له بالمزيد من التمدد بين الأكراد في تركيا وسورية وإيران والعراق على وجه الخصوص. بخاصّة، أنَّ تلك الحرب، أتت مباشرة، بعد إغلاق معسكرات حزب العمال الكردستاني في سهل البقاع اللبناني بضغط تركي _ أمريكي _ أوروبي. وكأنَّ منح منطقة الملاذ الآمن لأكراد العراق، كان ثمنه التخندق إلى جانب الأتراك في حربهم ضدّ حزب العمال!. إذ أنَّ أوّل قرار أصدره برلمان إقليم كردستان العراق آنئذ، هو استدعاء الجيش التركي، لمطاردة قوّات حزب العمال الكردستاني. حينئذ، ظنَّ الأتراك، ومن عوانهم من أكراد العراق الذين لم يستطيعوا أن يرفضوا طلب أمريكا وتركيا، اللتين أمَّنت لهم منطقة الملاذ الآمن شمال خطّ العرض 36، شمال العراق، حينئذ، ظنَّ أولئك بأنّ حزب العمال يعاني من ازمة خانقة، بعد إغلاق معسكراته في لبنان. فشنَّوا تلك الحرب الشرسة على معاقله على الحدود العراقيّة _ التركيّة. وزاد عدد الجنود الاتراك وقتئذ عن 100 ألف جندي، مدعومين بالطائرات والحوّامات، فضلاً عن قوّات طالباني وبارزاني. وصار حزب العمال في مواجهة حرب حقيقيّة واسعة النطاق، لم يعتد عليها. وخرج حزب العمال من تلك الحرب، ولم يخرج من كردستان العراق. وانتصر هو، وانسحب الجيش التركي. وحينها، فطن أوجالان، الى أنَّ العنف قد استكمل دروته الاستراتيجيّة في عمليَّة النهوض القومي والتجييش بين الشعب الكردي، وآن الوقت لترجيح الخيار السياسي، دون إهمال السلاح كقوّة ضاغطة، لتحسين شروط التفاض، إذا حدث شيء من هذا القبيل. فكان إعلان وقف لإطلاق النار من جانب واحد في آذار 1993، نقلة نوعيّة، على صعيد تراجع الخيار العنفي لديه، بعد أن طالب الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال من زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، جلال طالباني، التوسّط بينه وبين أوجالان. فقبل الأخير. وهكذا دواليك، استمرّ أوجالان في عمليّة التخفيف من الجرعة العنفيّة لدى حزب العمال على صعيد الفكر والممارسة، دون التضحيّة المجّانيّة بالسلاح، بلا ضمانات جديّة لحلّ القضيّة الكرديّة.

وعليه، رؤية أوجالان للعنف، والعنف الثوري على وجه التحديد، ليست كما كانت سابقاً، كأداة استراتيجيّة، في مطلع ومنتصف الثمانينات، ولا حتّى منتصف التسعينات. حيث يقول أوجالان في كتابه "من دولة الكهنة السومريّة…" حول العنف: "لا يمكن إزالة أو تحويل الطبقات وكافة الظواهر الاجتماعيَّة المختلفة الأخرى باستخدام العنف والإرغام، إنما يمكن ذلك عن طريق تغيير المستوى العلمي والتقني. فكما لا يمكن خلق ظاهرة اجتماعيَّة عنوة، كذلك لا يمكن إزالتها. فالعامل المصيري في التبدّل والتحوّل ليس العنف والإرغام، بل الأساس العلمي التقني. وربما يمكن إزالة أو تأسيس بعض الظواهر أو الطبقات الاجتماعيَّة  فيزيائياً. لكن في هذه الحالة، لا يمكن حمايتها من الزوال، عندما يتم استخدام أعمال عنف أخرى ضدّها، لأنهم اعتمدوا على عنصر الإرغام. ويلعب الجهل دوراً أساسيّاً في ممارسة العنف. وكلما تم تجاوز الجهل في العلم والممارسة، تبيّن عدم جدوى ممارسة الإرغام".

وبخصوص النظريّات الداعمة للعنف، يقول أوجالان: "إن نظريّات التحوّل والتغيير المعتمدة على العنف الثوري وعنف التعصّب الرجعي، والثوري المضادّ، كلها عبارة عن مصطلحات فقدت معناها. ويتخذ المجتمع الديمقراطي المعاصر من التحوّل الملائم للتطوّر الطبيعي أساساً له. ويستند على الوعي، بوجود أسسه العلميّة والتقنيّة المتينة. ولا يمكن أن نستنتج من كل هذا، أن الديمقراطيّة هي وفاق بين عنف الثورة والثورة المضادة. فلا شك أن هذه المواقف خاطئة. إذ لا يوجد هناك أي وفاق قسري في جوهر الديمقراطيّة. بل على العكس، إن الديمقراطيّة تعتمد على نبذ ممارسة العنف، وإخراجه من جدول الأعمال الاجتماعيّة. لا علاقة للديمقراطيَّة بالرضوخ، بل تؤمن باستحالة التطوّر من دون الحريّات التي يجب أن تسود كافة الأوساط التي لا مكان للعنف فيها. كذلك تستوجب الديمقراطية المعاصرة توجيه النقد الذاتي لكافة الكيانات الحضاريّة التي تعتمد على العنف. إذ أن الديمقراطيّة المعاصرة، هي نظام أساسه النقد الذاتي. وإن موقفها نحو العنف، ليس تكتيكيّاً، ولا حتّى استراتيجياً. بل هو موقف مبدئي. إن المبدأ الأساسي للديمقراطية هو الإيمان بوجود مرحلة تاريخيّة تنبذ العنف من ذاتها. وتصل إلى تحقيق ذلك بالقدرات العلميّة والتقنيّة. ويعبّر هذا المبدأ عن أساس فلسفي لا يعتمد على سياسة التكتيكات والاستراتيجيات. إن هذا الموقف نحو العنف يظهر الطابع السلمي للديمقراطيّة المعاصرة، ويدرك السلام الاجتماعي على أنه شكل من أشكال تطور الطبيعة. كما يجب ألا نفهم بأن السلام لا يعني الرضوخ للعنف. على العكس منه، فالسلام يعني القضاء على العنف، إنه يؤمن بمجتمع خال من الحروب، وبعالم حضاري يتخذ من هذا الإيمان أساساً له".

والحال هذه، ومع مناهضة أوجالان للعنف، إلاّ أنّه يبرره من جهة أخرى، في إطار الدفاع المشروع عن النفس، بقوله: "في المجتمعات التي تفتقر إلى العلاقات الديمقراطيَّة المعاصرة، أو عندما تتعرّض الديمقراطيَّة لاعتداء، عندها، يكون الدفاع المشروع عن الذات، هو أحد حقوقها الأساسيَّة. بل هو حقّ دستوري أساسي. حيث أن الرضوخ للأنظمة والقوانين غير الديمقراطيَّة، ليس موقفاً ديمقراطيّاً. وهذا الموقف إفناء القوى غير الديمقراطيَّة باعتداء مضاد. بل يقترح تجاوز الظلم بتطوير الوعي العام للمجتمع والتنظيم، وحقّ التظاهر، وتدخّل المقاومة العمليّة ضمن حقوق الدفاع المقدّس، المشكّل جوهر الحقوق. ويأخذ الدفاع المشروع عن الذات، بما في ذلك، المسلح منه، أساسه من المبادئ الديمقراطيّة المعاصرة. وما يتجاوز هذا المبدأ من العمليات، لا يدخل في أطر الدفاع المشروع".

وينتقد أوجالان النظام الاشتراكي، فيما يتعلّق بالعنف، قائلاً: "إن الاشتراكيّة تعاني من قصور حادّ في مواقفها نحو العنف، بشكل عام، ونحو العنف الثوري، بشكل خاص. ومن المعلوم أن المبالغة في دور العنف ينبع من وجهة النظر القائلة بأنه؛ يلعب دور القابلة في ولادة المجتمع الجديد. والعنف الذي استخدمته الثورات الاشتراكيّة، والاشتراكيَّة المشيّدة، كان بعيداً عن دور القابلة التي تقدم المساعدة أثناء الولادة. بل أكثر من ذلك، أن العنف المذكور، لم يكن سوى استمرار لنهج سارغون وحمورابي والاسكندر وقيصر ونابليون. وخاصة أنها بنت الجدران ومدت الأسلاك الشائكة لحماية النظام. ودعت للعيش ضمن غلاف من العنف، من الرأس إلى أخمص القدمين. وضمن هذه الشروط، ناهيك عن مساعدة الأم على إنجاب وليدها، فإن ما قدمته هو موت الأم، جراء الصعوبات والأخطار والاختناقات الإضافية التي قدمتها. لقد جرى هذا الوضع، بل وأكثر منه، أثناء تطبيقات الاشتراكيَّة المشيّدة. فالنظام الذي يؤمن بمصالح وخير الإنسانيَّة إلى هذه الدرجة، لا يبني حوله كل هذه الجدران. ولا يمد كل هذه الأسلاك الشائكة. ولا يتخذ هذه التدابير إلا الأنظمة التي لا تثق بنفسها، التي تحتوي على كل أنواع العنف. فلو كانت واثقة من هويتها الإيديولوجيَّة، لأظهرت تسهيلات كثيرة، لجذب كل العالم إلى داخلها من جهة، ونشر إنسانيّتها الذاتيّة إلى كافة أنحاء العالم من جهة أخرى. ناهيك عن أن سائر الأعمال التي نفّذت، انصبّت في بوتقة عدم جعل النظام يتخلّف عن سباق التسلّح. والتي لم تلعب أي دور، سوى التحضير لانهيار النظام. أيّ أن تقييم الممارسة العنيفة والتطبيقات المعتمدة عليها، برهنت عبر حلّ النظام، على أنها شكلّت الأخطاء الأساسيّة للنظام. ويتفق الجميع على أن سياسات سباق التسلّح قد لعبت دوراً أساسيّاً في انهيار الاشتراكيّة المشيّدة".

ويرى أوجالان أن ممارسة العنف المتطرّف عموماً، هي من سمات الطبقات المهيمِنة والمستغِلة. نتيجة "شعورها بالخوف واللصوصيَّة التي تمارسها. ولتتخلص من ذلك الخوف تقوم بالحصول على الأسلحة الجديدة باستمرار. وتكثّف من أعمال القتل والجرائم وترتكب المجازر. إنها تشعر بالحاجة إلى تمجيد العنف، بخلق ذرائع كثيرة، مثل ممارسة العنف تحت اسم "الله"، و"لأجل سلامة واستقرار المجتمع"، لإخفاء الطابع الحقيقي للحروب، التي تعتبر كل واحدة بمفردها، مجزرة رهيبة". في حين يشير أوجالان إلى أن العنف الذي يمكن الدفاع عنه، والذي يمارس لأجل التحوّل والسلامة الاجتماعيّة، هو "العنف المستخدم في الدفاع المشروع عن النفس، الذي يشرعنه القانون الدولي. والمقصود هنا هو العنف الذي يتم اللجوء إليه للحماية والدفاع عن النفس ضد الاعتداءات الداخلية أو الخارجية التي تسعى إلى التدمير أو الدمج أو إجراء تحولات بالقوة. أمَّا أنواع العنف الأخرى التي تتجاوز هذا الهدف مثل العنف المستخدم في احتلال الكيانات الاجتماعية الأخرى، أو الاستيلاء على القيم الماديّة والمعنويّة، أو في إجراء التحوّلات القسريّة، عن طريق عمليّات الدمج، فإنها تحمل صفة رجعيّة، يجب التخلّي عنها.ولا يمكن لعمليّات الإرغام والإكراه، أن تحمل صفة القابلة، سواء تمت ممارستها باسم الله أو الوطن أو تحرير الأمّة،ولا تحمل أية صفة أكثر من كونها عمليات قتل ونهب واستبداد".

وعليه، بات مزاولة العنف، وفق المواقف الجديدة لأوجالان، مقننةً، ومحكومةً باشتراطات وضوابط، وضمن ظروف ومناخات محددة. ولم يعد التحرر والثوريّة، والخلاص، وتحقيق القيم النبيلة، مقترناً بالعنف، وفق المنهج اليساري التقليدي السابق، الذي كان يعتمده سابقاً. ولعلّ إعلان أوجالان لوقف إطلاق النار من جانب واحد، سنة 1993 و1997 و1998، قبل أسره، لهو دليل على رفضه للعنف وجنوحه للسلام، وحصره للعنف في إطار الدفاع المشروع عن النفس، كقوّة ضاغطة موازيّة للمساعي السلميّة لحلّ القضيّة الكرديّة في تركيا. وبالتالي، مواقفه وطروحاته ونداءاته السلميّة لم تكن وليدة مرحلة الأسر والسجن، وناجمة عن خوف من الاعدام، كما حلى للبعض تفسيرها وتأوليها. بل كانت مكمّلة ومتممة لها. لذا، فهو مقتنع بحتميّة السلام، إذ يقول: "إن لكل حرب سلامها. الجهود لأجل السلام مهمّة وضروريّة لتحقيق ما يتناسب مع مصالح الشعوب. والذين لا تسفر حروبهم عن السلام لا يستطيعون إنقاذ أنفسهم من الاستخدام من لدن القوى الأخرى ضد مصالحهم". ويرى أيضاً أنّه "لا يمكن أن يأخذ الدفاع المشروع شكل العنف المسلّح، فيما إذا كانت الدولة القائمة دولة حقوق، وتعتمد على المعايير الأساسيّة لحقوق الإنسان، والسياسة الديمقراطيَّة".

ويلخّص أوجالان موقفه من العنف والسعي السلمي بقوله: "إن البحث عن السلام أو إحداثه، ولو بشكل محدود، لا يعني خسارة، أو إضاعة الوقت في أمور تافهة على الإطلاق، والذين لا يستطيعون إيجاد سبل السلام الواقعيّة لحروبهم، لا يستطيعون إنقاذ أنفسهم من الفشل في النهاية، حتّى ولو انتصروا عسكريّاً. وأي خطأ في الحساب، على موضوع السلام، يجعل أهمّ الانتصارات العسكريّة جوفاء، لا معنى لها. القادة الذين يشعرون بالمسؤوليَّة نحو شعبهم وجنودهم، هم الشخصيّات التي تستهدف إيجاد الحلول الواقعيّة، وتقوم بالبحث والتدقيق في قضايا السلام، أقلّه، مثل القضايا العسكريّة".

وبالتالي، يعتبر أوجالان، العنف الكردي، فعل منعكس للعنف الذي تمارسه الانظمة التي تضطهد الاكراد. فبزوال الأسباب، تزول النتائج. وعليه، هذه التحليلات والمراجعات النقديّة، في الفكر والمنهج والممارسة، التي طوى أوجالان كتبه عليها،تشير وكأنّها بمثابة تقارير سياسيّة، مقدّمة لمؤتمرات الحزب، وليست مرافعات دفاع، مقدّمة إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ملاحظة: هاتان الفقرتان: "في نقد حزب العمال الكردستاني" و"ضد العنف"، هما جزءان من الفصل الرابع ("أوجالان والمراجعات النقديّة")، من كتاب "خلوة زعيم ومحنته: أضواء على تجربة عبدالله أوجالان ومراجعاته النقديّة". الكتاب، قمت بإعداده، أثناء تواجدي في اسطنبول، وانتهيت منه في 8/7/2010، وهو غير منشور حتّى الآن، ويبحث عن ناشر.

ارتأيت انه من الأهميّة بمكان، نشر اجزاء منه، ردّاً على حملات العنف والتخوين والتسويف والتشويه الرعناء التي يمارسها من يسمّون أنفسهم "حَمَلَة وحماة الفكر الأوجالاني" في غربي كردستان، بحقّ حركة التحرر الوطني الكردستاني، عموماً، وبحقّ المختلفين معهم، وبخاصّة المثقفين، خصوصاً. وقد أنشر أجزاء أخرى من الكتاب، لاحقاً.

كتاب "خلوة زعيم ومحنته" مهدى إلى ذكرى نصير وظهير الشعب الكردي.. المفكّر العراقي العربي الراحل هادي العلوي. وإلى دماء شهداء قلعة شقيف عرباً وكرداً. وإلى شهداء ومناضلي الحريّة في كل مكان.

هوشنك أوسي

18/1/2012

 

Shengo76@hotmail.com

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top