هوشنك
اوسي
في
حضور العواطف، يتنحّى العقل جانباً. وفي غياب العقل، يستحيل حضور المنطق. كلام
العواطف، عسيرٌ على العقل. وكلام العقل، قاسٍ وعسيرٌ على العواطف. العقل مُخاطبه
العقل، والعواطف، مُخاطبها العواطف. يمكن للعقل، أن يجيّر العواطف، ولا يمكن
للعواطف ان تجيّر العقل. لذا، العقل بوصلة السياسة، والعواطف حطبها والأجيج.
التحليل السياسي، يستوجب العقل لا العواطف، لئلا تكون المقدّمات في واد، والنتائج
في وادٍ آخر. وينسحب الامر على الفعل السياسي أيضاً. ذلك ان من اتبع هواه في
السياسة، أضاع نفسه وعقله ومن معه، وبات التخبّطُ لسانَ حاله، والشططُ سيّدَ قراره،
والعبثُ حصيلة مراسه، والضررُ والخسران، مآل فعله. العقل، يردّ الافعال الى
مفاعليها وجذورها وموجباتها تحليلاً، والعواطف تشتغل على ردود الأفعال.
كثيرون
من كردنا السوريين، بخاصّة منهم المأدلجون الغلاة، يزعمون العقل والتعقّل
والعقلانيّة، ويسرفون في الحديث عنها، وأنهم سدنة البناء، لا الهدّ، وأعداء اللامعقول.
وربما بجهلون ان "آفة العقل، الهوى"، وان الأيديولوجيا، لجم للعقل
وتقويض له، وسلب للإرادة. ذلك أن المتأدلجين، لا يتقبّلون كلاماً يناقض كلامهم، ولا
رأياً يكون خلاف رأيهم، لذا، تراهم قساة على أنفسهم، قبل القسوة على غيرهم ممن
يختلفون معهم. ويتهجّمون على من كانوا يكيلون له المدائح، لمجرّد انه نأى بنفسه عن
المضي في سياقاتهم المضللة، والتورّط في إذكاء نيران التضليل ودخانه ورماده.
هكذا،
يسيء المأدلجون لأنفسهم والقضيّة، ظنّاً منهم أنهم يدافعون عن أنفسهم والقضيّة!.
الأيديولوجيا،
تربّي الناس على النظر للعالم والتاريخ والحياة والسياسة من زوايا حادّة. تربّيهم
على القسوةِ على انفسهم والآخرين، على أنه جهاد ضد النفس الأمّارة بالسوء، في
الايديولوجيا الدينيّة، ومقاومة النفس الملوّثّة بأمراض وآفارت فائض القيمة،
ومفرزاتها البرجوازيّة والرأسماليّة والامبرياليّة، والحداثة الرأسماليّة، وما قبلها،
وما بعدها، عند الأيديولوجيّات اليساريّة. وكثيراً ما تسمم الأيديولوجيا، إن شابها
التطرّف والغلوّ، الروح والعقل. وتدفع الأخ لقتل أخيه. ذلك أن الأيديولوجيا،
تتكفّل بشيطنة المختلف، وجعله عدوّاً، لا مناص من اقتلاعه وهرسه وحرقه سياسيّاً
وثقافيّاً وجسديّاً، لأنّ الوطن والقضيّة والشعب، يستوجبون ذلك، وفق خرافات وأوهام
تلك الأيديولوجيا. لذا، الكثير من الثوّار الأيديولوجيين، والآن، حين ينظرون
أيديهم، وبلحظة من الهدوء والتأمّل والتمعّن والانصات الداخلي والتعمّق الروحي، سيجدون
أيديهم ملطّخة بدماء رفاقهم الثوار الذين كانوا يحملون نفس السلاح، ويأكلون من نفس
القصعة، ومن نفس الخبز، ويمشون في نفس الدرب، ويعتنقون نفس العقيدة، ويدافعون عن
نفس القضيّة ونفس الوطن والشعب، وينادون بنفس المبادئ والشعارات!. وفجأة، حوّلت
الأيديولوجيا المشتركة بينهم، أحدهم الى قاتل، والآخر الى قتيل!. حين ينظر هؤلاء
الى أيديهم، سيجدون آثار دماء رفاقهم لا زالت عالقة، وستبقى عالقة، الى أبد
الآبدين. ولن يزيلها زمن ولا تقادم، ولن يغلسها ندم معلن أو خفي، باطني.
الأيديولوجيا،
إن شابها التطرّف والغلوّ، تربّي معتنقيها على الغدر. تقتل الأنسانَ في الإنسان،
تعمي بصيرته وروحه، وتلقّنه دروساً في كيفيّة أن يكون وحشاً في لبوس ملاك.
حين
يتحدّث شخص مؤدلج، اعلمْ ان عواطفه التي تتكلّم، وأن عقله في غيبوبة. بخاصة لو كان
هذا الشخص، إسلاميّاً أو يساريّاً أو قوميّاً. وثق دوماً على انه ينوي لك الخديعة
والمكيدة، ويكمن لك التضليل، في مسعى جرجرتك الى خنادقه وحربه على الآخرين.
إن
تحدّث إليك شخص مؤدلج جاهل، التزم الصمت. وانصت فقط. وحاول التفكير بما هو مناقض لكلامه.
فغالب الظنّ انه الأقرب الى الحقيقة من كلامه المؤدلج. ذلك ان الأخير، هو كثير
الكثير من العواطف، وقليل القليل من العقل. ومساحة المنطق، تكاد تكون فيه معدومة.
وفي انعدام شبه الكامل للمنطق، يستحيل حدوث التفاهم، فضلاً عن استحالة انتعاشه.
إن
تحدّث إليك شخص مؤدلج وعالم ومثقف، أعرف ان ثقافته أحادية، ولا يرى في الآخر، إلاّ
مساوئه. ونطقه بالحق، يُريد به باطلاً. ونطقه بالباطل، يريد به تصفية. ونطقه
بالتصفية، يريد به تحويل البشر الى قتلة ومقتولين. المأدلج المثقف، لا يخلو جرابه من
التبرير للقاتل، والتعاطف مع القتيل، شأنه شأن المتورّط في القتل، والسائر في
جنازة القتيل.
هنالك
من يدخل معترك وحلبة التيّارات الايديولوجيّة، فجأةً، ودون إرادته. وغالباً ما
يكون ذلك، في فترات المراهقة بتأثير سطوة وسلطان العواطف التي زادها الشعارات _
الخيالات، والطموحات اليوتوبيّة. ورويداً، وبالتقادم، تتسرّب الأيديولوجيا الى خلايا
هذا المراهق، وتصبح طبعاً أصيلاً راسخاً وغائرَ العمق في التكوين النفسي والعقلي
لديه.
وهنالك
من يكونون طارئين على التيّارات الأيديولوجيّة، يلوذون اليها في أوقات متأخّرة
جدّاً، وفي فترة الأزمات والمراحل الانتقاليّة التي تحظى فيها هذه التيّارات بقدر
كبير من الانتعاش والحظوة والسلطة والسطوة. هؤلاء، أقلّ ما يقال فيهم بأنهم
انتهازيون ووصوليون، تجّار كلام، يعرضون بضاعتهم _ كلامهم، على هذه التيّارات،
لقاء حظوة أو رتبة أو مقام. هم اخطر على البشر، من المأدجلين الأصلاء أنفسهم. ذلك
انهم يذكبون على المأدلجين الاصلاء، وعلى خصومهم في آن. وينفخون في التضليل أكثر،
ويدفعون المأدلجين باتجاهه، أكثر من المؤدلجين الأصلاء. ولأنهم طارئون، ولأنهم
دخلوا المعترك متأخّرين، فوجودهم طارئ ريثما ينالون ما يسعون اليه. أو يكتشفون انه
من الصعب نيل ما كانوا يصبون اليه. هؤلاء، أصحاب ذوات طحلبيّة. لكونهم لم يخسروا
فلساً ولا لحظة من عمرهم في خدمة هذه التيّارات وثوراتها وحروبها. ويظهرون فجأةً،
للترافع والدفاع عن الاحزاب الايديولوجيّة، وبل الانتماء اليها، في وقت متأخّر جداً
جداً. ليس لأنهم استيقظوا يوماً، واكتشفوا صوابيّة هذه التيارات ونجاعة
أيديولوجيّتها ونهجها، بل لأنهم يعرفون من اين تؤكل الكتف!.
كاتب
كردي سوري
5/2/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






