ماذا تريد تركيا؟
جان كورد ,
17 تشرين الأول، 2011
من أجل فهم صحيح لنوايا وسياسات الحكومة
الأردوغانية، لابد لنا من القاء نظرة واسعة على تركيا…
حكم العثمانيون منذ عام 1299 قروناً عديدة من
الزمن على غالبية المنطقة العربية، باستثناءات في الأطراف، بل وامتد سلطانهم فيما
بعد صوب رومانيا وبلغاريا واليونان وقبرص وكريتا، وأجزاء هامة من المجر وأوكرايينا
وروسيا، وكانت عاصمتهم القسطنطينية، نسبة إلى الامبراطور قسطنطين الأول الذي جعل
المدينة اليونانية العريقة في القدم "بيزانسيون" مركزاً له في عام 324م،
وتحول اسم المدينة رسمياً بعد قيام الجمهورية التركية بسبع سنوات إلى استانبول في
عام 1930م على قبر "الرجل المريض" أي بعد سقوط وانتهاء حكم الدولة
العثمانية واقالة آخر سلاطينها عبد الحميد الثاني.
لعبت ولاتزال تلعب مدينة استانبول، التي
استولى عليها السلطان محمد الثاني (الفاتح) في عام 1253م عنوة، بحكم موقعها
الجيوسياسي بين قارتي آسيا وأوروبا، دوراً هاماً وجاذباً للتجار والصناعيين
والمثقفين والفنانين من شتى أنحاء العالم، وبخاصة من مختلف الأنحاء التركية، كما
أنها نقطة ارتكاز للجواسيس والعصابات السرية والارهابيين أيضاً، وهي المدينة التي
بنى عليها السيد رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان وزميله السيد رئيس الجمهورية
عبد الله غول أحلام حزبهما في الوصول إلى حكم البلاد التي كانت تنوء تحت الديون
المرهقة وتعاني من مشاكل اقتصادية ومالية وفضائح لاتعد ولا تحصى لزعماء الأحزاب
الكلاسيكية، ولاتزال فكرة جعل هذه المدينة عاصمة لدولة إسلامية عالمية تدغدغ أحلام
الاسلاميين والأردوغانيين.
لقد تمكن الأتراك الطورانيون في ظل العباءة
العثمانية من صهر العديد من الأقوام ومنتسبي الأديان الأخرى في بوتقة القومية
التركية والدين الإسلامي على المذهب الحنفي، وبخاصة في غرب البلاد، من يونان
وبلغار وفي الشمال كقوم اللاز، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في ناحية الشرق حيث
الكورد المسلمون والعلويون واليزيديون، والأرمن المسيحيون، على الرغم من سلوكهم
سياسات عنصرية صارمة واقدامهم على ارتكاب مجازر رهيبة في المناطق الشرقية من
البلاد، هذه المجازر التي غيرت مع الأيام كثيراً من البنية الديموغرافية
والاقتصادية، مما نجمت عنها آثار سلبية لا تزال مطبوعة على جبين هذه المناطق، حيث
نلاحظ فارقاً شاسعاً بين حجم وكثافة التصنيع والنسبة العالية لتشغيل الأيدي
العاملة في الولايات الغربية (استانبول، بورصا، ازمير وأنقره) وبين ما في المناطق
الكوردية من فقر وتخلف، حيث يضمحل هذا المستوى الصناعي والتشغيلي في بعض الولايات
مثل (ديرسم، شرناخ وهكاري) إلى أدنى مستوى.
قامت الدولة التركية الحديثة التي أسسها من
يدعى بأبي الأتراك، مصطفى كمال، والمنتشرة على مساحة 814578 كم مربع ويسكنها ما
يقارب ال75 مليون إنسان، على أساس مناهضة الدين الإسلامي والتبعية السياسية
والثقافية والاقتصادية والعسكرية التامة للغرب الأوروبي وللولايات المتحدة
الأمريكية وحلفهما العسكري المشترك (النيتو)، دون قبولها كعضو في الاتحاد الأوروبي
الذي تأسس في عام 1992 على أسس اقتصادية وتعاونية سابقة، ويضم حالياً 27 دولة
أوربية، ويزيد عدد سكانه عن ال500 مليون إنسان، يتكلمون أكثر من 23 لغة. وبدأت
تركيا العلمانية على أساس (وحدة الوطن واللغة)، أي الوطن تركي والشعب تركي، حيث
سيطر فيها العنصريون الطورانيون على مقاليد الحكم، ومن ضمنه الجيش الذي لايزال
وفياً لتعاليم آتاتورك المعادية للإسلام. وظلت الديموقراطية التركية عرضة
لانقلابات عسكرية عديدة وتحت القبضة الفولاذية لما يسمى بمجلس الأمن القومي الذي
كان للجيش فيه الكلمة العليا، طوال الفترة منذ تأسيس الجمهورية في عام 1923م وإلى
ما بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية إلى حكم البلاد قبل سنوات
قلائل، حيث افتضح لشعوب تركيا (من ترك وعرب وكورد ولاز) أمر تنظيم الأرغنكون الذي
كان يمارس سائر الاجراءات القمعية ويرتكب الأعمال الإرهابية ضد المعارضين من
اليساريين والاسلاميين ومنتسبي الحركة القومية الكوردية، ويتهم بها غيره، هذا
التنظيم الذي كان يقوده جنرالات علمانيون في المخابرات والجيش والقوى الأمنية، وكانوا
بمثابة "الدولة السرية" التي تتحكم بمفاصل الاقتصاد والسياسة والاعلام
والمال في تركيا. ومن جملة الأهداف الكبرى لهذه الدولة السرية منع الكورد من تحقيق
أي طموحٍ قومي لهم في تركيا، مما فتح الأبواب على مصراعيها لحربٍ طاحنة على مدى
عقودٍ من الزمن، خسرت فيها تركيا المليارات من الدولارات وتكبد المواطنون الكورد
والترك خسائر عظيمة في الأموال والأرواح البشرية، وتسببت الحرب في احداث هجرة
مليونية من شرق البلاد إلى غربها، صحبتها مشاكل جمة لم تقدر أي حكومة تركية على
حلها حتى الآن.
منذ وصول السيد أردوغان وزميل دربه عبد الله
غول إلى الحكم قبل ثماني سنوات، بدأ الاقتصاد التركي ينتعش، ولذلك لأسباب عدة،
منها:
– انتزاع السلطة من أيادي تلك الأحزاب
الكلاسيكية التي كان هم زعمائها إملاء جيوبهم من المال العام، وتسخير مؤسسات
الدولة المدنية لتقوية نفوذهم الحزبي، وموالاة الجنرالات العسكريين الذين لهم
مصالح شخصية واسعة في استمرار وضع الحرب في كوردستان.
– العلاقات الوشيجة لتركيا مع الغرب الأوروبي
على مدى طويل، إذ أن هذه العلاقات قد أدت مع الزمن إلى ظهور نتائج إيجابية لصالح
الاقتصاد التركي بشكل عام، وبخاصة بعد انهيار المنظومة الشيوعية والانتكاس الكبير
في دولها من النواحي المالية والاقتصادية، وتوغل التجار الأتراك في تلك البلدان
توغلاً سريعاً وقوياً، مقابل قدوم مئات الألوف من تجار تلك الدول وسواحها إلى اسواق
وسواحل تركيا.
– الحيوية السكانية في تركيا، حيث المعدل
الوسطي لعمر المواطن فيها (28.1) مقابل ما يزيد عن 38 عاماً في بعض البلدان
الأوروبية، وفي حين لاتزيد نسبة المسنين في العمر (مافوق ال64) في تركيا عن 7%
فإنها بين (16.8 و 20.7) في العديد من الدول الأوروبية.
– الانفتاح الواسع على العالم العربي، من قبل
حكومة أردوغان، التي تعتمد على شريحة واسعة جداً من أرباب العمل ورجال السوق في
اقامة علاقاتها مع الدول الأخرى، وبخاصة على اقليم جنوب كوردستان (كوردستان
العراق) وسوريا ودول شمال أفريقيا، وكذلك علاقاتها الطيبة لفترة طويلة مع اسرائيل.
– ميزة التعلق الكبير للتاجر التركي، بل
المواطن التركي إجمالاً، ببلاده وصناعاتها ومنتوجاتها، وافتخاره بقدراتها المالية
والعسكرية، تدفع بملايين الأتراك المقيمين منذ سنين طويلة في غرب أوروبا وأمريكا،
إلى استثمار أموالهم في تركيا. بل يكاد الأتراك يشكلون مجتمعات مغلقة في سائر
البلدان التي يعيشون فيها، كما هو الحال في منطقة كرويتسبيرغ في العاصمة الألمانية
برلين، حيث اللغة التركية في هذه المجتمعات المغلقة هي السائدة، والطعام تركي
والبرنامج التلفزيوني للعائلة تركي، بل والمسجد تركي بامتياز…وفي عام 2009 فاق
عدد الأتراك العائدين إلى تركيا نهائياً (40.000) على عدد المهاجرين منها لأول مرة
(30.000)، وهذا هو أحد أسرار النجاح الباهر لحزب العدالة والتنمية، الذي سعى
طويلاً، وهو في المعارضة، من أجل جعل هذه السياسة أحد أركان سياسته لجذب الأموال
التركية وربط المهاجرين الأتراك بوطنهم.
أدت نجاحات الحزب الحاكم إلى خفض جيد للبطالة
في تركيا (10.7) مقابل (20.1) في دولة بحجم تركيا مثل اسبانيا، وذلك بعد سلسلة من
الاصلاحات القانونية المتواضعة، وانقاذ مؤسسات الدولة إلى حدٍ كبير من بين أيادي
الطغمة الفاسدة من الأحزاب اليمينية المتواطئة مع الجنرالات، ووصلت نسبة الانتاج
الوطني إلى (8.9%) في عام 2010 مقابل نسبة ضئيلة للغاية (3.6%) لدولة صناعية
متطورة مثل ألمانيا في نفس العام.
ولكن تركيا التي يعتقد زعماؤها الأردوغانيون
أنها تعيش عصراً ذهبياً، لم تنجح في انهاء مشكلتها السياسية الكبرى، وهي عدم إيجاد
حل ديموقراطي عادل للقضية الكوردية، حيث الكورد يشكلون أحد المكونات الأساسية في
التركيبة الديموغرافية للبلاد، والحكومة تصرف أموالاً طائلة على جيشها في
كوردستان، مما له انعكاس واضح على الاقتصاد الوطني، فلم تتمكن من الحفاظ على هذه
النسبة الجيدة من انتاجها الوطني الذي حققته في العام الماضي، إذ انخفضت النسبة
(8.9%) في هذا العام، ونحن في فصل الخريف، إلى (4.6%)، في حين بقيت النسبة في
ألمانيا ذاتها (3.6%) على الرغم من الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها أوروبا
والولايات المتحدة الأمريكية حالياً، ويتوقع الخبراء أن تنخفض نسبة الانتاج الوطني
التركي إلى ما دون ذلك في العام المقبل، وهذا سيكون له تأثير سلبي كبير على مستقبل
أردوغان السياسي بالتأكيد.
وحيث أن السياسة تتبع الاقتصاد بشكل ظاهر،
فإن مختلف السياسات التركية ترتسم على ضوء المعطيات الاقتصادية، وحيث فشل الزعماء
الأتراك في ضم بلادهم إلى ما سماه الزعيم الإسلامي الشهير نجم الدين أربكان
ب"النادي المسيحي" فإن أنظار تلاميذه الحاكمين حالياً توجهت صوب الشرق
الأوسط، بهدف توسيع "المجال الحيوي الاقتصادي" لتركيا، التي تريد تذكير
الغرب الرافض لعضويتها في اتحاده بأنها قادرة على إنشاء "سوق شرقية"
منافسة لسوق الاتحاد الأوربي، وقد حاول الأتراك ذلك من قبل ولكنهم لم ينجحوا فيه،
عندما أعلن الرئيس الأسبق الراحل تورغوت أوزال (الكوردي) بأن بلاده عازمة على
اقامة سوق واسعة تمتد من مضيق البوسفور إلى جدار الصين لتشمل كل الأقوام ذي الأصول
التركية.
وهذا يقودنا إلى فهم الأسباب الحقيقية وراء
الغزل التركي للعالم العربي، هذا الغزل الذي يحمل سمة "الابتزاز" في
حقيقة الأمر. ونتذكر جيداً كيف أن الحكومة التركية مارست الابتزاز مع حكومة اقليم
جنوب كوردستان "كوردستان العراق!"، بذريعة تواجد قوات لحزب العمال
الكوردستاني في أراضي الاقليم، للتوغل اقتصادياً بحجم مئات الشركات التركية
للاستثمار في مختلف المجالات العمرانية والغذائية والبترولية هناك، على الرغم من
أن تركيا رفضت على الدوام مساعدة العراقيين للتخلص من دكتاتورية صدام حسين
الاجرامية، بحجة أن ذلك سيقود إلى تحرر الكورد، وهذا خط أحمر لكل زعيم تركي…
سياسة الابتزاز هذه تمارس الآن مع سوريا،
فالحكومة التركية التي تستضيف أقطاباً من المعارضة السورية، ومن بينها بعض الأكراد
أيضاً، وتطلق التصريحات المتتالية ضد إرهاب النظام الأسدي على لسان رئيس الحكومة
رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو، تهدف إلى عدة أهداف منها:
-انتزاع الاعتراف ضمناً أو صراحة فيما بعد من
المعارضة السورية بالواقع الذي عليه "لواء الاسكندرون" السليب، وفي حال
إعلان أي فصيل سوري بأن هذا اللواء الخصيب والاستراتيجي جزء محتل أو مغتصب عنوة من
سوريا، فإنه سيعاقب بمنعه من المساهمة في أي مؤتمر للمعارضة السورية في تركيا.
-منع قيام أي تحالف دائم أو وقتي بين النظام
السوري وحزب العمال الكوردستاني أو تابعه حزب الاتحاد الديموقراطي، من خلال انتهاج
سياسة "دع هذا جانباً فأدع هذا جانباً" وفي حال عدم فهم المعارضة
السورية لهذه المعادلة الخطيرة فإنها ستقع في خطأ جسيم، إذ أن النظام قادرعلى
تكرار مهزلة التضحية بالحليف الكوردي غير السوري مرة أخرى، كما فعل الأسد الأب مع
زعيم حزب العمال الكوردستاني من قبل، والارتماء في الحضن التركي بكل بساطة لأنه
نظام بلا قيم.
-الحرص على عدم اسقاط العامل الاقتصادي الذي
هدفه توسيع السوق التركية جنوباً في العمق العربي الذي يبدأ من سوريا، وهنا تظهر أبعاد
الابتزاز بوضوح، فالنظام السوري عندما يجد نفسه في مرحلة الهزيمة المحققة سيلجأ في
نهاية الأمر إلى تقديم عروض اقتصادية سخية، بل إلى استسلام تام للاملاءات التجارية
والتسويقية التركية، على الرغم من سائر الملاحظات والاجراءات التي تمليها ايران
المنافسة لتركيا على دمشق. ومن الطبيعي أن الحكومة التركية تمارس الابتزاز ذاته عن
طريق "إهمال" النداءات الاساسية للمعارضة السورية، حتى أن رئيس جماعة
الإخوان المسلمين السيد رياض الشقفة قد قال مؤخراً بأن "الحكومة التركية تقول
ولاتفعل" أو قال كلاماً من هذا القبيل.
لذا، برأيي على المعارضة السورية، أن
لاتتخلى عن جديتها واستقلاليتها في علاقاتها مع أنقره، لأن إهمال تركيا القوية
عسكرياً واقتصادياً وتناسي ودورها المؤثر في سوريا ضرب من الحماقة، ولكن عليها أن
لاتراهن على الحصان التركي وحده في هذا السباق الدموي الخطير، بل عليها البحث عن
حلفاء وبدائل متعددة، حتى لاتصبح بيدقاً في عملية الابتزاز الكبرى التي تمارسها
الحكومة الاردوغانية في المنطقة برمتها.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






