ما هي حقيقة ثورة 14 تموز وهل يقف التأريخ اليوم ليمجد عبدالكريم قاسم أو يجرمه؟
عبدالغني علي يحيى
تحت العنوان اعلاه استطلعت صحيفة (إنسانيون) الالكترونية الغراء في (10) اسئلة أراء بعض من كتاب المقالات السياسية، من بينهم كاتب هذا المقال حول إنقلاب 14 تموز عام 1958 وشخص قائده المرحوم عبدالكريم قاسم. وبالنظر لأهمية الموضوع الذي طرحته، فلقد ارتأيت الاجابة علي اسئلتها بشئ من التفصيل وكالاتي:
س1: هل اخطأ عبدالكريم قاسم يوم قرر الثورة على الدولة الملكية؟.
ج1: قبل سنوات من الان وعلى اثرالتراجع التدريجي للانقلابات العسكرية في دول العالم الثالث تحديداً، توصل علم السياسة الى تخطئة الانقلابات العسكرية و ذلك بعد استخلاصه لنتائجها وتداعياتها، ليس هذا فحسب بل ان نظريات ذهبت الى حد تخطئة الثورات الشعبية كالثورتين الشهيرتين الفرنسية والروسية وغيرهما من الثورات الشعبية كذلك، ومما لاريب فيه ان تخطئة الانقلابات العسكرية تنسحب على الانقلاب العسكري الذي قاده الزعيم عبدالكريم قاسم على الملكية، كونه انتزع السلطة بالقوة الغاشمة، وفي غفله من الشعب، وليس عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع، وأزيد القاريء علماً، ان كاتباً كبيراً كالدكتور رشيد الخيون الذي قلما تفوتني كتاباته، شبه الانقلابات العسكرية في العراق بالغزوات الداخلية التي تساوت في رأيه وهو محق مع الغزوات والاحتلالات الاجنبية للعراق وبخصوص ما اقدم عليه قاسم،فأن من الاصح ادراج مانفذه في خانة الانقلابات لا الثورة الشعبية، فكما افاق العراقيون في 8 شباط 1963 و17 -7-1968 وبينهما انقلاب المرحوم عبدالسلام عارف على البعثيين خريف عام 1963 على سماع البيان ألاول للانقلابيين، كذلك افاقوا قبل ذلك على البيان الاول لانقلابيي14 تموز 1958 وكما يقال فان العبرة بالنتيجة، ولنقف الان على نتائج وتداعيات انقلاب قاسم.
في الدقائق الأولى للأنقلاب، حصلت ابادة جماعية لأفراد العائلة المالكة، بشكل لم يسلم منه حتى الطباخون والخدم، وبحسب مصادر موثوقة ان قاسم بارك عملية الابادة، فيما توعد الرجل الثاني في الانقلاب عبدالسلام عارف وفي تلك الدقائق ايضاً، الكرد والشيعة والاشوريين بمحوهم في المستقبل، اما البقية ممن سموهم بالضباط الاحرار من الملتفين حول الانقلابيين المذكورين، فلم يكونوا اشخاصاً متنورين، ولقد تحولوا فيما بعد الى محرك لدكتاتورية قاسم العسكرية والدكتاتوريات العسكرية التي تلتها، ولا أغالي اذا قلت، انه بابادة العائلة المالكية فان انقلاب 14 تموز 1958 وضع حجرالاساس أو اللبنات الاولى ان جاز التشبيه لثقافة اوعمليات الأبادة الجماعية التي طالت مكونات اجتماعية عراقية سيما في العهدا البعثي وبعد الاسابيع الأولى للأنقلاب وفي ظله إشتدت الخصومة بين الحزب الشيوعي العراقي الذي كان من اضخم الاحزاب العراقية واقواها يومذاك وبين الاحزاب القومية من بعثية وناصرية وبلغت تلك الخصومة مرتبة الاحتكام الى العنف والسلاح وارتكبت مجازربشيعة فلأول مرة في تأريخ العراق، ان لم اقل العالم، جرى سحل بشر في الشوارع والتمثيل بجثثهم وسط فوضى عارمة وذلك في الموصل اذار1959 وكركوك تموز العام نفسه.
وبعد مرور شهور على عمليات السحل، وفي مطلع عام 1960 جرت في الموصل حملة اغتيالات واسعة امتدت اعواماً قتل خلالها العشرات والمئات من الشيوعيين و المستقلين وذلك امام بصر وسمع سلطات قاسم، ولم تقتصر الاغتيالات على النشطاء الشيوعيين في الموصل، انما بلغت مدناً اخرى ولكن بشكل ضيق، علماً ان الذين اعدمهم النظام الملكي من الشيوعيين لم يتجاوز عددهم اصابع اليدين. وهنالك أدلة لاتحصى على ان شخص الزعيم عبدالكريم قاسم كان وراء مخطط ضرب البعثيين بالشيوعيين وبالعكس.
اما التطلع أو النزوع الى افتعال الحروب الداخلية و الخارجية واحتلال اوطان الغير، فلقد وضع انقلاب14 تموز حجر اساسه، ومن الادلة على ذلك اعتزام قاسم احتلال الكويت عام 1961 وعد الاخيرة قضاءاً عراقياً، ولو كان النجاح يحالفه في احتلال الكويت لكانت المنطقة برمتها تدخل في ازمة رهيبة وحرب طاحنة كالتي نجمت عن احتلال صدام للكويت، وحين اخفق في احتلاله للكويت، عاد ليهاجم كردستان في11-9-1961 فكانت الثورة الكردية وحرب ضروس دامت سنوات، نعم لقد اعلنت الحرب على الكرد على يد قاسم، وبلغ به التعنت، انه رفض كل اشكال التفاوض مع قيادة الثورة الكردية وذلك على النقيض من القادة العراقيين الذين خلفوه في حكم العراق اذا تفاوضوا جميعهم مع الكرد بل ان بعضهم منح حقوق قومية واسعة للكرد، ما يعني ان جميع القادة العراقيين الدكتاتوريين تقدموا على عبدالكريم قاسم في التعاطي مع الشأن الكردي. مرة واحدة وفي منطقة سرسنك بشمال الموصل كلف قاسم امر موقع الموصل المرحوم العقيد حسن عبود بالتفاوض مع قائد الثورة الكردية المرحوم مصطفى البارزاني، فما هي الا دقائق واذا بالسلاح الجوي لقاسم يشن غارة على المكان الذي حدد للأجتماع اول الامر، لقتل الاثنين معاً البارزاني وحسن عبود!! الا ان البارزاني كان اذكا منه عندما غيرمكان الاجتماع وككل الحكام الدكتاتوريين، فلقد انقلب قاسم على جميع الاحزاب الوطنية التي قارعت النظام الملكي والاحتلال البريطاني غير المباشر للعراق، ففي البدء طارد البعثيين والناصريين، ثم ضايق الحزب الوطني الديمقراطي، وزج بالاف الشيوعيين في السجون، دع جانباً اغتيال وقتل مئات الشيوعيين في ظل نظامه، ولم يكتفي قاسم بحجب الاجازة عن الحزب الشيوعي العراقي، إنما اسس تنظيماً كارتونيا (حزب داود الصائع) ليكون بديلاً عن الحزب الشيوعي واجاز له اصدار صحيفة باسم (المبدأ) وقام بغلق صحيفة (اتحاد الشعب) الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي. واخيراً اغلق مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني وسجن الالاف من أعضائه ثم شن الحرب عليه وعلى الشعب الكردي.
ومن تداعيات انقلاب 14 تموز 1958 ونتائجه أنه أدار ظهره للتكنولوجيا الغربية وتطلع الى الصداقة السوفيتية والدول التي كانت تسمى بالمنظومة الاشتراكية تلك الدول التي نفذ التأريخ حكمه باسقاطها لاسباب لاتحصى، ومن اخطاء الانقلاب ايضاً الانسحاب من كتلة الاسترليني وفي رأي خبراء المال والاقتصاد ان العراق اخطأ في الانسحاب منها، لأنه قاد الى الحاق الضعف بالنقد العراقي، حتى خروجه من حلف بغداد كان خطأً وجسد مطلباً اسرائيليا قبل كل شيء، فاسرائيل لم تكن مرتاحة من عضوية العراق في الحلف ذاك، وعبر كل من بن كوريون وكولدا مائيرفي حينه عن عدم الارتياح ذاك. لقد انسحب العراق من الحلف، ولكن فيما بعد انتزع حزب البعث مرتين السلطة مرة بواسطة قطار امريكي واخر بواسطة قطار انكليزي، واليوم نجد حكومة المالكي ترتبط باتفاقية ستراتيجية مع الحكومة الامريكية، فما الفرق بين حلف بغداد والتطورات التي تلته؟. هذا في وقت هبت الماسي على العراق بعد خروجه من ذلك الحلف، بالمقابل ازدهرت تركيا ببقائها في ذلك الحلف وفيما بعد ومايزال بقاءها بحلف الاطلسي.
بعد أن كانت الاحزاب السياسية العراقية في العهد الملكي متعاونة ومنسجمة فيما بينها تخوض التظاهرات مشتركة وارتقى انسجامها الى مستوى تأسيس جبهة عريضة فيما بينها (جبهة الاتحاد الوطني) التي ضمت الاحزاب: الشيوعي والبعث والاستقلال والوطني الديمقراطي، وانضم الديمقراطي الكردستاني بشكل غير مباشر اليها من خلال اتفاقه مع الحزب الشيوعي.
ومن أخطاء ذلك الانقلاب على صعيد الداخل تشريعه لقانون الاصلاح الزراعي الذي شق المجتمع الريفي واحل الخلاف بين طبقتيه الرئيسيتين: الفلاحون والملاكون، مع العلم ان القانون ذاك حرم نصف الفلاحين في العراق من تملك الاراضي اضف الى ذلك، ان هذه الخطوة بدل ان تؤدي الى التقدم بالزراعة، فانه جعل العراق يضطر الى استيراد الحبوب بعد ان كان يصدرها في العهد الملكي،بعد ذلك وبالتدريج، فانه صار مستورداً لمعظم المنتوجات الزراعية وما يزال، جدير ذكره وعلى قدر علمي ان اوسع هجرة للفلاحين من الريف الى المدينة بدات في عهد قاسم، فعلى اثر صدورذلك القانون، فان السلطات في الارياف كانت تلزم جانب الاقطاعيين ضد الفلاحين، واذكر اقطاعيين امتنع عن ذكر اسمائهم واسماء قراهم قاموا بطرد فلاحي قراهم كافة للحيلولة دون امتلاكهم للأرض، ثم باي وجه حق تنتزع الاراضي من مالكيها وتوزع على الفلاحين وشكل الملكية كما يقال عرضة للتغيير كل مئة عام، وماذا يقول انصار الاصلاح الزراعي القدامى، وهم يرون الارض وقد تحولت الى مزارع غير انتاجية لكباربل ولصغارالمسؤولين ايضا، هل فعل اقطاعيو الماضي ما يفعله كبار المسؤولين الان الجواب كلا والف كلا ؟ استدرك انا مع حقوق الفلاحين وضمان حياة كريمة لهم ولكن ليس بالاسلوب الذي انتهجه انقلاب تموز لاصلاح حالهم.
ومن نتائج انقلاب تموز، الضعف الذي لحق بحكم القانون الذي كان سارياً وبقوة في العهد الملكي، فبعد اسابيع من نجاح الانقلاب اعتبر عام الانقلاب سنة عدم رسوب للطلبة، ووجهوا بذلك طعنة نجلاء الى العملية التربوية، وجاء الانقلاب ليقطع على المجتمع العراقي الطريق نحو بناء عراق عقلاني سليم بعيدا عن الاصطرابات والرجات، اذ وقع بعد أن كادت مشاريع الاعماران تضع العراق على طريق البناء والتقدم واللحاق بركب الامم المتمدنة، وبعد السحل والاغتيالات وملاحقة القوى الوطنية والحرب على الشعب الكردي فان الناس الواعين راحوا يترحمون على الملكية، ومن نتائج الانقلاب احلاله البغضاء والعداء بين الفلاحين و والاقطاعيين في الارياف وبين العمال واصحاب العمل في المدن، وبين العرب والكرد والمسلمين والمسيحيين، وقبل نحو3 اعوام لام القيادي الكردي السابق (على السنجاري) الحفاوة التي استقبل بها بعضهم ذكرى انقلاب 14 تموز وتمجيد قاسم، وطالب ذلك القيادي بمراعاة مشاعر الشعب الكردي الذي عانى الويلات من دكتاتورية قاسم.
لم يكن المرحوم عبدالكريم قاسم حكيماً وعقلانباً ابداً. فهو اضافة الى تفرده بالسلطة ساوى بين اصدقائه واعدائه، بل ان قسوته بحق اصدقائه ومناصريه فاقت قسوته بحق اصدقائه، اذكر لكم حادثة جرت لي مع نظامه في صيف عام 1960 عندما توسعت دائره الاغتيالات بالموصل تم توجيه النصح الى قاسم من جانب الشيوعيين والكرد وعناصر ديمقراطية ومستقلة بان يتخذ جانب الحذر والحيطة من القوى القومية البعثية والناصرية، واذكر كيف ان 5000 توقيع جمعت في الموصل لتقدم على شكل مذكره الى قاسم لكي يوقف الاغتيالات في المدينة وكلفني الحزب الشيوعي بان اتقدم بالمذكره باسمي انا الى قاسم ولم يكن سني يتجاوز عامذاك ال 17 سنة، واخذت المذكرة وذهبت الى دائرة البريد في حي النبي شيت، وبعد يومين نشرت المذكرة باسمي وبايجازشديد في صحيفة اتحاد الشعب بعد ان حذف صفرين منها عن طريق الخطأ اثناء الطبع. وماهي الا ايام واذا بزملائي من الطلبة القوميين والبعثيين يعتدون علي داخل متوسطة الكفاح وذلك بسبب المذكرة، والانكى من ذلك ان الشرطة القاسمية اعتقلتني مباشرة وبعد ضرب واعتداء واهانة اوقفت ليلة واحدة واطلق سراحي لصغرسني، واذكر كيف ان مأمور مركز شرطة الذي اوقفني وكان يعرفني قال: ان السبب في اعتقالك تلك المذكرة التي وجهتها الى الزعيم!!!
س2: هل كانت الثورة انعكاسا لحالة الهزيمة النفسية التي عاشتها الجيوش العربية في نضالها العربي؟.
ج2: انقلاب 14 تموز 1958لم يكن سوى حلقة في سلسلة من الانقلابات وقعت في بلدان من قارات اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية سيما تلك التي عرفت شعوبها بالجهل والتخلف، اذ لم يشهد العالم الاوروربي والامريكي الشمالي المتمدن انقلابات عسكرية، ولاننسى ان بعضاً من الانقلابات في العالم العربي وقعت قبل قيام اسرائيل مثل انقلاب المرحوم بكر صدقي. لقد كان ذلك العصر عصر الانقلابات في البلدان المتخلفة التي ليست لها اية علاقة بالنكسة التي المت بالفلسطينيين والعرب جراء قيام اسرائيل ولقد كانت للناصرية وقبلها وبعدها الشيوعية دور في اثارة الشارع العربي يومذاك، وخيل للناس انه بازالة النظم الملكية والنظم الجمهورية التي لم تكن على وفاق مع الناصرية، فان الوحدة العربية ستتحقق وستكون هنالك دولة واحدة من المحيط الى الخليج، لقد تحمس الشباب العراقي والعربي في تلك الفترة لعبداناصر و دعواته الوحدوية وللوحودة التي قامت بين مصر وسوريا الا ان ايا من الحكومات العربية الانقلابية لم تتحد مع عبدالناصر، بل ان انقلابيي العراق تحولوا الى اعداء الداء لعبدالناصر، علاوة على هذا، فان عبدالناصر نفسه صار موضع شجب وتذمر الجماهير العربية وفي عصره والانقلابات العربية، توالت النكسات على العرب امام اسرائيل. وبهذا الشكل احبطت الانقلابات امال العرب والديمقراطيين وعلى راسها انقلابا تموز في مصر والعراق. قبل ظاهرة الانقلابات، ادت الصحف والمجلات والافلام السينمائية المصرية دوراً في تقريب المستويات الثقافية العربية وكانت المجلات المصرية تصل الى الاقطارالعربية كافة وكذلك افلامها ولكن بعد توجيه الثقافة خدمة لعبدالناصر وعلى الضد من الحكومات العربية، فقد منعت الدوريات المصرية وانقطع التواصل بين العرب بالتدريج الى ان حل اليوم الذي تم نبذ الوحدة العربية فيه. كل هذا بسبب تلك الانقلابات التي اضرت بالشعوب العربية. وشعوب اخرى تشارك العرب اوطانهم.
س3: هل كان العهد الملكي سيئاً الى حد أن يقتل اغلب افراد العائلة المالكة بالطريقة الدموية التي يرويها التأريخ؟
ج3: أبداً لم يكن العهد الملكي سيئاً مقارنة بالنظم الدكتاتورية العسكرية شبه الفاشية التي حكمت العراق من بعد الملكية بل ان الملكية كانت افضل من جميع النظم الجمهورية العراقية ولا وجه للمقارنة بين الملكية وتلك النظم، لقد كانت الملكية نظاماً مستقراً يسودها حكم القانون والعدالة الاجتماعية وكانت تخطو خطوات وبشكل تدريجي نحو التمدن والرقي، لقد الحق ظلم شنيع بالعائلة المالكة، لن ينساه التأريخ والضمير الحي.
س4: ماهي حقيقة الزهد والتواضع الذي كانت تحويه نفسية الزعيم، هل كان صوفياً في لباس عسكري؟.
ج4: لم يكن الزعيم عبدالكريم قاسم وحده من بين زعماء العالم الثالث يتفرد بالزهد والتواضع وصفات حميدة اخرى، بل ان معظم زعماء العالم الثالث كانوا يشاركونه تلك الصفات حتى المرحومان: عبدالسلام وشقيقه عبدالرحمن عارف ومن بعدهما المرحوم احمد حسن البكر وقبلهما المرحوم نوري السعيد وافراد العائلة المالكة، متواضعين ونزيهين جداً، عاشوا فقراء وماتوا فقراء، هذه كانت طبيعة الحياة في ذلك الزمان، وذهب بعضهم حد اطلاق مصطلح (الزمن الجميل) على الماضي السابق على الانقلابات. ولكن علينا ان لاننسى ان الزهد والتواضع يجب ان لايغطي على سلوك الحكام الدكتاتوريين.
فمحمود أحمدي نجاد مثلاً، يضرب به المثل في الزهد والتواضع والقناعة فهو يعيش في بيت قديم آيل على السقوط ورثه عن والده، ومع ذلك فأنه دكتاتور، اما عبدالناصر فأنه بعد موته لم يخلف لأسرته سوى راتبه التقاعدي، وقبل هؤلاء لم نسمع، عن دكتاتوريين مثل هتلر وستالين وفرانكو وموسوليني، انهم خلفوا ثروة وراءهم.
س5: كيف فرض عبدالكريم حبه في نفوس الجميع بما فيهم صدام حسين شخصياً حينما اعترف في قاعة المحكمة انه ضربه ولم يكن يبغضه، وترحم عليه في قاعة المحكمة؟
ج5: لما كان العراق يتكون من مكونات إجتماعية متباينة في القومية والدين والمذهب، فلا تتصور بروز قائد يحظى بحب الجميع، بل ان لكل قائد مكانته لدى القومية أو الدين أو المذهب، التي ينتسب اليها، وبالنسبة لعبدالكريم قاسم فلقد كان محبوباً لدى القسم الاكبر من الشعوب العراقية، اثناء الايام والاسابيع الاولى للأنقلاب، بعد ذلك راحت علاقته تتدهور مع المكونات العراقية، في البدء أصطدم مع البعثيين والقوميين الذين لقبوه بالأرعن وقاسم العراق والمجنون..الخ وحذا المكون العربي السني حذو مكوناته السياسية في الموقف من قاسم، ولما شن قاسم الحرب على الكرد فأن الكرد بدورهم اطلقوا بعضاً من تلك النعوت عليه وثار الشعب الكردي عليه في ثورة أمتدت من زاخو الى خانقين، ولم يكن المكون الشيعي متضامناً معه قط لكنه لم يعرف بحراك ضده، حتى الحزب الشيوعي لم يعد معظم اعضائه متحمسون له يومذاك. وكان ينتقد في بياناته حكومة قاسم ويصفها بالدكتاتورية، واذكر نشرة للحزب الشيوعي من عدة صفحات كانت تحت عنوان (اوقفوا هذا الارهاب) وذلك في عام 1961، اوردت عشرات الامثلة على قمع نظام قاسم للشيوعيين والديمقراطيين، ومن فقراتها اذكر، كيف ان الخسة بلغت بالاجهزة الأمنية عامذاك، فراحت ندق الاوتاد في مخارج المعتقلين، واذكر أيضاً اسم شخص كان يدعى (جوهر) مورست العملية ضده في النشرة.
وعن الاحترام الزائف لصدام حسين له، يكفي القول انه قاد عملية أغتيال عبدالكريم قاسم الفاشلة في رأس القرية ببغداد عام 1960، وان البعثيين قتلوه في 8 شباط ولم يراعوا جوانب تميزت بالرأفه أزاءهم في سياسة قاسم التي أشتهرت بـ(عفى الله عما سلف)!.
ان سؤالكم هذا مستوحاة بلا شك من الحماس المنقطع النظير الذي اظهره الحزب الشيوعي العراقي في ذكرى الاحتفال بانقلاب 14 تموز هذا العام ازاء الانقلاب وقاسم معاً، فدفع بكم الاعتقاد الى فرضه، قاسم، حبه على الشعب، مع احترامي الشديد للحزب الشيوعي العراقي الذي قدم خدمات جليلة وما يزال الى الحركة الوطنية العراقية.
س6: لماذا سادت الطبقة الشعبية مشاعر متناقضة ابان عبدالكريم قاسم حيث اتجهت الطائفة السنية للشعور القومي بينما اتجهت المناطق الشيعية نحو الشيوعية، هل ان النظام الاقطاعي السائد في الجنوب غيره في المناطق الغربية؟.
ج6: ما زال الطابع القومي العربي غالباً على العرب السنة، فيما يغلب الطابع القومي الكردي على الكرد، أما توجه أهل الجنوب الشيعي الى الشيوعية في فترة ضيقة طبعاً، فله عدة اسباب، منها عدم تبلور الاسلام السياسي المذهبي لديهم، ثم ان الصراع المذهبي آنذاك لم يكن بالحدة التي نشهدها اليوم، وليس الشيعة وحدهم تآخروا في تأسيس طلائع مذهبية خاصة بهم، انما الاشوريون والتركمان كذلك الذين أسسوا احزابهم في وقت متأخر ايضاً مقارنة بالكرد والعرب السنة، ومن الاسباب ايضاً ان (الاقطاع في الجنوب غيره في المناطق الغربية) واضيف وحتى في كردستان، فالأراضي السهلية في الجنوب وسهولة استغلالها كانت السبب في قيام اقطاعيات واسعة، وفي كتابه القيم (مسائل في الاصلاح الزراعي) أورد المرحوم زكي خيري معلومات وامثلة ثمينة، منها ان ملكية بعض ملاكي الجنوب كانت بقدر مساحة لبنان أو ربع مساحة هولندا، وحسب خيري انه كان في العراق 7732 إقطاعياً في العهد الملكي، وبعد دخول المكننة في الزراعة (التركتورات والدراسات) فان احوال الفلاحين ساءت كثيراً في الجنوب، اما في كردستان فان الظلم الطبقي كان دون الظلم الطبقي في الجنوب، وذلك بسبب صعوبة استغلال الأرض لذا فان الملكيات الصغيرة انتشرت، في حين لم يكن احوال الفلاحين في الاراضي المنبسطة في المناطق السهلية من كردستان بافضل من احوال فلاحي الجنوب، فكانت انتفاضة فلاحين سهل اربيل عام 1953.
للأسباب اعلاه مال فلاحو الجنوب الى الشيوعية.
س7: ما هو حقيقة موقف علماء الدين ومراجع التقليد من ثورة 14 تموز؟ ألم تحضر المرجعية العائلة المالكة للعراق، لماذا باركت الثورة؟
ج7: كمعظم شرائح وفئات المجتمع العراقي، فان موقف رجال الدين لم يختلف في شيء عن مواقف احزاب مكوناتهم، ففي بغداد والجنوب كانت مواقف العديد من رجال الدين محل رضى الحزب الشيوعي، اذكر منهم المرحوم العلامة الشيخ عبدالكريم الماشطة، في حين اختلفت مواقف المرحومين: محمد مهدي الخالصي ومحسن الحكيم عن موقفه، وفي الموصل قتل رجل الدين العربي السني هاشم عبدالسلام لأنضمامه الى المحاولة الانقلابية الفاشلة للمرحوم عبدالوهاب الشواف ضد حكومة قاسم، اما في كردستان فان رجال الدين في معظمهم انضموا الى الثورة الكردية وكان لهم دورايجابي مؤثر فيها، ولا اخفى عنكم ان رجال الدين الكرد كانوا قادة لمعظم الثورات الكردية. وفي العهد البعثي، فان القتل طال العديد من رجال الدين اذكر منهم الأئمة والخطباء: عبدالعزيز البدري السامرائي الذي اعدم في الأمن العامة ومحمود حسن عكلة إمام وخطيب جامع الصدريين في مدينة الصدر (الثورة سابقاً) وفي دهوك غيب عن الانظار رجل الدين الملا أمين والى يومنا هذا لأنه انتقد نظام صدام وفي الموصل قتل من رجال الدين الامام صالح الحاج احمد المتيوتي وعبدالمجيد ثابت.. والقائمة تطول، وفي العهد الأرهابي الذي بدأ منذ عام 2003 فان العشرات من رجال الدين من سنة وشيعة ومسيحيين قتلوا.
س8: افتى السيد محسن الحكيم بكفر الشيوعية، فهل كان موقفه صحيحاً.؟
ج8: ليس الحكبم وحده من بين رجال الدين العراقيين كفر بالشيوعية، بل أن معظم رجال الدين وفي الأديان كافة تصدوا للشيوعية، وما اقدم عليه الحكيم يدرج في حرية الفكر والعقيدة، وحتى في الشيوعية، فان العديد من الشيوعيين قاموا بتخطئة بعضهم بعضاً، ولجؤا الى السلاح ضد بعضهم بعضاً احيانا كما حصل في اليمن. ويبقى السيد محسن الحكيم رجلاً عظيماً وشجاعاً قلما يجود التأريخ بامثاله، فلقد انتقد الشيوعية في أوج قوتها، ثم أنتقد الدكتاتورية العسكرية في اوج قوتها ايضا عندما افتى بتحريم مقاتلة الثورة الكردية، ومع الفارق بين الشيوعية العراقية المناضلة وبين الدكتاتورية العسكرية.
س9: ألم يكن الدين الذي يمسح على رؤوس الاقطاعيين ويبارك لهم ظلم الفقراء، كان أفيوناً حقيقياً للشعوب؟
ج9: لم يمسح الدين على رؤوس الاقطاعيين ولم يبارك لهم ظلم الفقراء، ولا يسعنى ازاء هذا السؤال إلا القول: أنه يشبه رمي حصوة في الظلام، وليس أمامي من بد الا احالتك الى الجواب رقم (7). وان اعمام قول ماركس (الدين أفيون الشعوب) تمت تخطئته في الأعوام الأخيرة، حين كشف ان تعامل بعض المغرضين مع قوله كان كتعامل مغرضين مع الآية الكريمة (لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى) حين أكتفوا بلا تقربوا.. واهملوا ما بعده، لقد أحترم ماركس التراث الفكري للأنسانية جمعاء ولم يكن العالم مخطئاً لما انتخبه رجلاً للألفية الثانية. لقد أنصف الدين الفقراء، مثلما انصفتهم الماركسية فيما بعد، وثم نقاط مشتركة لا تحصى تجمع بينهما.. ان العقائد الدينية والدنياوية انتصرت للفقراء دوما.
س10: ما هي حقيقة الموقف المرتبك للحوزة العملية في النجف الاشرف تجاه العائلة المالكة واتجاه ثورة عبدالكريم قاسم، هل كرر نفس الغدر الذي حصل للحسين بن علي(ع) مع العائلة المالكة، وبالتالي تنطبق على العراقيين المقولة الشهيرة انهم لا امان لهم؟.
ج10: ان المتغييرات في المشهد السياسي ترغم الاحزاب والمؤسسات والشخصيات، ان تغير من مواقفها تبعاً لذلك، وغالبا مانقف على موقفين متناقضين للقوى السياسية من حكومة او حزب ما، التأييد لها في البدء ثم التراجع عن التأييد فيما بعد. عليه والحالة هذه ليس من الصحيح سحب الارتباك على الحوزة العملية.
Al_botani2008@yahoo.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






