هوشنك أوسي
كتب أحد الأصدقاء الاعزّاء، والذي كان ولا زال وسيبقى صديقاً لي، في صفحته
على الفيس بوك ما يلي: (أعتقد ان البعض من أصدقاء الامس يتصورون
انهم كلما ازدادوا هجوما علينا كلما زادت حظوتهم لدى البعض، ولهذا يحاولون بقدرما
يستطيعون، وبكل قوتهم وحيلهم، ان يطلقوا شتى الاتهامات وبشكل متتالي وفي كل
مناسبة. اؤلئك تشعر انهم يكادوا ان يتخلون عن انتمائهم القومي لهشاشة بناهم
النفسية: فأحدهم يضع صورة لشخص من حمص، وكأن كردستان خلت من الابطال، او ان سوريا
ليس فيها سوا ذلك الشخص.
أقول
لهؤلاء ان هذه المزايدات لن تجدي نفعا في اي صعيد، وهناك حسابات لاتنفع معها
المزايدات وبيع الوطنيات اصلا. كان يمكنكم ان تربحوا شيئا ولكنكم ستخسرون كل شي.
هؤلاء
الذين يريدون اعطائنا دروسا في فهم وشرح آليات العمل الثوري، هذه الفئة المزايدة
هي التي تسببت في نكبة "بابا عمرو" واتاحت للنظام المجرم المضي في قتله
وتدميره. هؤلاء ومن لف لفهم من المراهقين وصبيان الفيسبوك ورطوا الناس هناك. من
سمى نفسه شخ الحقوقيين قال قبل اشهر: ان ايام النظام باتت معدودة، وقبل ايام وبعد
مرور اشهر، عاد وكرر ان ايام النظام باتت معدودة. وفي كل مرة يدفع الناس ارواحهم
وارواح اطفالهم.).
هذا الصديق العزيز، والقيادي والمسؤول الاعلامي البارز في حزب الاتحاد
الديمقراطي، وفي تعليقه المذكور أعلاه، خانته اللغة، والفكرة والذاكرة أيضاً. ذلك
أن ردّ الاتهام بالاتهام، تأكيد للاتهام المنسوب الى المتهم. فالتهمة، لا تبطلها
التهمة، بل تعززها أكثر!. وحين ينزلق صديقي الى التشكيك في الانتماء القومي
والوطني، لمن ينتقد حزبه، فقد سبقه الى ذلك، رئيسا حزبه، السابق والحالي، في اطلاق
الاتهام والطعن على عواهنه، دونما تمييز او تركيز، فيما يشبه ردّ الريّح بالغبار.
وحين قرأت التعليق، تأسّفت، وقلت: يا ليته ما كتب، وما استفزّ عقول البشر!. ما
دفعني لكتابة هذه الاسطر، تعبيراً عن قلقي وحزني على هذا المآل المتدهور، المذعور
من النقد!. وسأبدأ من حيث انتهى صاحبي وصديقي العزيز.
صحيح ان هيثم المالح، يجب توجيه الانتقادات له دوماً، وانا عرفته والتقيت
به شخصياً، وأجريت معه حواراً لصالح مجلّة سورغل، سنة 2003، وما نشرته، لما
استشفّيت من قومويّة وطائفيّة باذخة، لم يحدّثني أحد عنها، بل لمستها منه بشكل
مباشر وعلني، وجهاً لوجه، اثناء لقائي به في فيللاته الكائنة الديماس، بريف دمشق
وقتئذ. ولكن، يريد صديقي أن يبيّن مدى صحّة تصريحات المالح من عدمها، مشككاً فيه،
بطريقة ترتدّ على المشكك نفسه، إذ يقول، نقلاً عن المالح انه قال مراراً: "ان
ايام النظام باتت معدودة، وقبل ايام وبعد مرور اشهر، عاد وكرر ان ايام النظام باتت
معدودة. وفي كل مرة يدفع الناس ارواحهم وارواح اطفالهم.". وقياساً على هذه الحجّة الجد ركيكة، (والتي لا يصحّ ان يطرحها شخص
سياسي ومسؤول إعلامي بارز، في حزب بارز)، يجب ان يجري صديقنا، جردة حساب لحزب العمال
الكردستاني، والذي كان يقول لنا: سنة 1992، سنطيح بالحدود، ونعلن حكومة الحرب في
بوطان وبهدينان!. وثم قال: هذه السنة هي سنة الحسم (فينال)، وكررها مراراً، وطيلة
عقدين!. والحرب تزيداد والناس يقتلون ويهجّرون. وعليه، الكردستاني كرر التصريحات _
الوعود، طيلة عقدين بالتمام والكمال (1992 _ 2012)، ولم نجد شيئا، يوازي تلك
الوعود!؟. وهذا لا يعني ان الثورة الكردستانيّة لم تحقق انجازات كبيرة وعميقة
وهامّة واستراتيجيّة، سيقف عندها التاريخ. لكنها، لم ترقَ، لا لحجم التضحيات، ولا
لحجم وغزارة الوعود!؟. ثم أن من يتباكى على نكبة بابا عمر، ويحاول إحالة لذلك
لوعود المالح وامثاله، و(لعصاليك وصيبان الفيس بوك!) فلينظر الى كردستان، ويضع
بابا عمر في كفة، و4500 قرية محروقة في كفّة؟. ثم يقيس ضريبة سنة من عمر الثورة
السوريّة، بضريبة 30 سنة من عمر الثورة الكردستانيّة!؟. لمن سترجح كفّة الخسائر؟!.
فالسياسي البارع، شأنكم، يا عزيزي، لا يسقط نفسه في مغالطات، تفوق مغالطات هيثم
المالح، وتتجاوزها بسنوات ضوئيّة!.
وسأعود الآن، لمستهلّ تعليق صديقي العزيز، الـ"بيادوي (من ب ي
د)"، إذ يقول: "أعتقد ان البعض من أصدقاء الامس يتصورون
انهم كلما ازدادوا هجوما علينا كلما زادت حظوتهم لدى البعض، ولهذا يحاولون بقدرما
يستطيعون، وبكل قوتهم وحيلهم، ان يطلقوا شتى الاتهامات وبشكل متتالي وفي كل
مناسبة. اؤلئك تشعر انهم يكادوا ان يتخلون عن انتمائهم القومي لهشاشة بناهم
النفسية".
وأحسبني من ضمن من يوجّه صديقي كلامه اليهم. هذا إن لم أكن المعني المباشر
والوحيد!. الحقّ أنه اعجبتي في اطلاقه هذه العبارة الدمثة (وبكل
قوتهم وحيلهم). ذلك ان الحديث عن
النقد بهذه الطريقة التخوينيّة، وأنها تتأتّى من السعي للحصول على الحظوة، كلامٌ
سبق وأن أتاني من قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، في ردّها على رسالة بينيّة،
نقديّة حادّة ولاذعة، وجهتها لهم، (وربما انشره لاحقاً)، مطوياً على شيء يشبه هذه
العبارات التي اطلقها صاحبي. وهي كالتالي، وفق رسالة قيادة ب ي د: "رسالتك النارية هذه والتي تفيد باتخاذك لقرار
دعم الأطراف الأخرى التي تسعى للنيل مننا ومن قضيتنا، ما نخشاه أن تكون قد قررت
ذلك وتكون قد أعلنت عما كنت تحتفظ به كل هذه السنين من دون أن تفصح عنه بكل هذه
الصراحة، ومع كل ذلك فان ذلك نعتبره موقفك الخاص بك ولا نجد ضرورة لطلب شيء آخر
منك سوى أن تكون حذراً في تعاملك مع أؤلئك الذين سيستفيدون من هذه الآراء التي
ذكرتها في رسالتك والتي قد تتسبب في أن ترفع من شأنك عندهم في هذه المرحلة لغاية
أن تصل سفينتهم لبر الأمان ( هذا إن وصلت)"!. انتهى
المقتبس.
وبالتالي، لا غرابة في كلام صديقي، إذ سبقه اليه قيادة حزبه، بأشهر خلت.
ومن المقتبس، يتضح انهم دوماً ينظرون للاطراف الاخرى، على انهم يريدون النيل منهم
ومن قضيتهم!. هذه الفوبيا، لا اعرف كيف ومتى سيتخلّصون منها!؟..
أن يتحدّث شخص يزعم الضلوع والخضرمة والباع الطويل والمديد والخبرة الوازنة
في السياسة والتحليل السياسي / الاستراتيجي، قائلاً: "كان
يمكنكم ان تربحوا شيئا ولكنكم ستخسرون كل شي". لكأنّه،
مثل هيثم المالح تماماً، يضرب في المندل، ومكشوف عنه الحجاب، ويدرك الغيب، ومنجّم،
وفلتة من فلتات الوعي اللوغاريتمي العميق والعريق في فن السياسة، إذ يؤكد أن الآخرون،
الذي يوجّه إليهم كلامه، على انهم سيخسرون كل شيء!. وهو، وحزبه العتيد، هم
الرابحون، لا زيد أو عمرو؟!. هكذا كلام، لا يثير الأسف، إذ لا آصرة تربطه بالسياسة
مطلقاً، بل يثير الشفقة أكثر وأكثر. فحين يسعى المرء للاختباء وراء أصبعه،
متوّهماً الجميعَ خاسراً، وهو الرابح الوحيد، ما عساك تقول له، أقل مما قيل آنفاً؟!.
وحين يقول صاحبي: "وهناك حسابات لاتنفع معها
المزايدات وبيع الوطنيات اصلا."، أحسبني أمام
كيسينجر أو بريجينسكي الكرد السوريين، دونما أن أدري!؟!. إذ نحن لا ندرك مدى بؤس
وضحالة وعينا، إلاّ حين نصادف هذه الدرر السياسيّة النفسيّة التي يتحفنا بها
صديقنا العزيز. فهل من مزيد؟!. فالشعب يريد المزيد، من حصيلة وحصاد هذه الحسابات
الفائقة الدقّة والجودة، التي تصدر ممن يرى ألف سنة من المستقبل، ويشقّ الغيبَ
بتحليله الاستراتيجي شقّاً، كقائدِ اسطولٍ جرّارٍ من السفن.
ما أشبه هذا الكلام، بما يصدره المشعوذ من غمغمة وهمهمة، وهوبرات، وأبخرة
ودخان، كي يبثّ في قلب ووعي الزبون، القناعة بأنه، يتحاور الآن والجنّ، وأن
الأخيرين جنودٌ مجنّدين تحت إمرته. يأمرهم، فتخرّ له جبابرةُ الجنّ والعفاريت،
ساجدين!.
يسهب صديقي في حديثه عن المزايدين،
وبائعي الوطنيات، والذين لا يدركون الحسابات الفلكيّة والكونيّة، والفوق عقليّة،
التي يجريها هو حزبه، عبر جيش من المستشارين وعباقرة الفكر وعتاة التحليل السياسي
/ المابعد استراتيجي، إذ يقول: "هؤلاء ومن لفّ
لفهم من المراهقين وصبيان الفيسبوك ورطوا الناس هناك".
وأمّا عن صبيان الفيس بوك، فكان جمال مبارك يسخر ويستهزئ منهم!. وكذا نظام
البعث السوري. وحين يصدر هكذا كلام من صديقي، لكأنّي به قد فتح الفيس بوك فتحاً
"ب ي د_ويّاً" مبيناً، لا ولم ولن يرقى اليه كل جهود صيبان الفيس بوك!.
حقّاً، كلام مثير للشفقة، قبل إثارته للاسف!.
8/3/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






