قضيت طفولتي
وقسماً من فترة شبابي في قرية تربسبي"قبور البيض" التابعة لمنطقة
القامشلي وحاليا تسمى القحطانية وذلك بعد "تحريرها من الاحتلال
الاسرائيلي"على يد البعثيين.
الذاكرة تعود بي الى بدايات الستينات.حينها كنت في
الثانية عشرة من عمري.في البلدة كان يوجد قصاب من حلب أصبح مقيماً هناك لعقود
واسمه"ابو مجبل".مدير محطة القطار كان يعرف بـ"ابو ربيع"وعدد
من افراد الشرطة والكمارك معظمهم كان يحمل اسم"ابو رياض"بالاضافة الى
طبيب الصحة الدمشقي"ابو كيناز".جميع هؤلاء كانوا من عرب الداخل,أي دمشق وحلب
وحمص…..الخ,عدا هؤلاء لم يكن هناك شخص واحد يُعرف بـ"أبو"اللهم ابو
البزر وابو البطيخ وابو التشكيلة,اي المواد التي كانوا يبيعونها.
قبل كل شيء لن
اسمح لنفسي التطاول على اعراف وعادات اي شعب وبشكل خاص الشعب العربي الجار واني
احترم عادة بلاد الشام في تقاليده في استعمل لقب الـ"ابو" كل الاحترام
ولكن هذا لا يمنعني في ابداء رأي في دخول هذه العادة الى المجتمع الكردي لأسباب
سآتي على ذكرها.
بالمقابل لم
يكن احد من الكرد او عرب عشائر المنطقة يُنادى عليه بـ "بافي"(يعني أبو
باللغة الكردية)او"ابو"فلان.الكل كان يحمل اسمه واسم والده مثل ابراهيم
عزم او كشى مراد(اي القس مراد) او موساي آلتي او موسى جدو وهكذا.بل كان هناك من
يُكنى باسم المنطقة التي جاء منها مثل اوصمان كفرزي وحسو بهلفي او يعرف باسم
الوالدة مثل حمو فاطمي.هكذا كان الامر مع أبناء العشائرمن عرب المنطقة أيضاً.
الاستثناء
الوحيد في استعمال"ابو" عند الكرد كان لدى النسوة فقط.النساء كانت تنادي
الرجال الاقربين في العائلة او وجهاء المجتمع بـ"بافي" فلان وذلك حياءً
أو احتراماً.
آفة
ال"ابو" هذه غزت سكان منطقة الجزيرة بكردها وعربها وبشكل خاص عندما
استشرت تيمناً بـ"ابوات"حزب البعث والمنظمات الفلسطينية وصارت أعداد ابو
نضال وابو ثائر وابو خبات(تعني نضال بالكردي) وابو غيفارا وابو هفال(الرفيق
بالكردية) تتجاوز ابو محمد وأبو احمد
بكثير.
هذه
الكلمة أي الـ"ابو" كانت عادة غريبة عن مجتمعنا وقد دخلت علينا
كتقليد اعمى.ما أن يولد الطفل الذكرفي الاسرة حتى نجد ان اسم الاب قد غاب والى
الابد وكأن اسم الوالد قد استؤجر مؤقتاً
حتى ولادة الابن,إذ منذ تلك اللحظة سيكون اسم الشخص هو"ابو+اسم
الطفل"حتى اللحد.العبرة هنا هو في هذا السؤال: هل هناك من يمنكه التكهن بمستقبل هذا الطفل في المستقبل حتي
يُكنى به الآباء؟؟؟.
قد يصبح الطفل
مستقبلاً شاعراً أو زعيماً أو موظفاً لا يرتشي أو عامل زبالة عزيز النفس اواستاذاً
لا فرق في ذلك.وقد يصبح سكيرأ أو جاسوساً أو"بعثياً"أو لصاُ أو ضابطاً
بطلاً في الهروب أوعضواً"للتصفيق"في مجلس الشعب السوري أو عضواً نشيطاً
في الجبهة الوطنية التقدمية…. من يدري؟
يبدو ان اصول
هذه العادة منبتها بلاد الشام وبشكل خاص بين ساكني المدن.هنا لا بد ان نستغرب كيف
ان الحزب القومي السوري لم يفرض على اعضائه هذه الـ"ابو" إنطلاقاُ من
انها اوصلت حدود"سوريا القومية"الى الجزيرة موضوع الحديث او الى العراق.هل
يمكن ان ينسى المرء المثال العراقي الذائع الصيت"ابو البوز" الرفيق عزت
الدوري,على الرغم من ان اللقب المناسب له هو"ابو كويت".
المرء يحتار
أيضاً في أن احداً لم يتجرأ بالتكني بـ"ابو هزيم" بعد"انتصارات
خمسة
حزيران"
البعثية على الاقل شماتةً في العدو الذي اوصمنا بالهزيمة ظلماً وبهتاناً.
الجنود الذين
كانوا في الخدمة في معارك حزيران وبعدها في معارك"تحريرالقنيطرة"ومن ثم
بناء دارمحافظتها في وسط مدينة دمشق يروون
بعض مآثر تلك الايام العصيبة,لا سيما مع الضباط اصحاب الرتب العالية سواءً في مقر
العمليات أو في الجبهة.هؤلاء يتذكرون الروائح التي كانت تنطلق من هنا وهناك ولذلك
اطلقوا على العديد من الضباط لقب"ابو ريحة".
في الواقع ان
كل الإبوات يجب ان يطلق عليهم لقب"ابو خريون"وترجمتها الكردية
هي"بافي كو" وذلك منذ لحظة ولادة الطفل وحتى يبلغ من العمرستة سنوات,أي
تاريخ انتهاء الروائح من الحفاضات.
عند الكرد
هناك لقب يطلق على جماعة الحمقى والسفهاء الذين يفهمون كل
شيء"بالمقلوب"وهو"بافي كري" أي"ابو الجحش" او
باللغة الرسمية"ابو الحمار".زمرة"بافي كريّ" تشمل كل الذين
يعتقدون ان لقب"ابو ــ بافي"تسبغ عليهم الوجاهة في المجتمع!!
اذا وقف احدنا
على مدخل احدى الحارات وسأل عن دارابو نضال أو "بافي خبات" سوف يجد ان
هناك العشرات منهم يحمل نفس اللقب وكأن المرء يقف على احدى جبهات القتال وبين
المتاريس وليس امام مقهى "ابو عفاف".من الصعب ايجاد سبب منطقي لهذه
الـ"ابو" إذ ان هناك آلاف مؤلفة يحملون لقب ابو احمد….ولكن عند ذكر
الاسم واسم الاب واحياناً الجد فمن النادران نقع في ذلك الالتباس.ثم ان الاسماء هي
لمعرفة الناس وليس شعاراً بعثياً يحرر الجولان وغيرها بتصفيق اعضاء مجلس الشعب او
بيان الجبهة الوطنية التقدمية او اصدارات وزارة الثقافة…..
بإعتبار"الدكتور"فيصل
القاسم(لا اعلم ماهو اختصاصه) ينتمي الى بلاد الشام فمن الانسب ان يستعمل
لقب"ابو"مع ضيوفه في برنامجه الاتجاه"المُملْ"عوضاً عن
لقب"دكتور"وذلك بعد أن وصل سعر شهادة"الدكتوراة"الى
مئة"اوقية موريتانية"(اوقية هي عملة موريتانيا).
كيف يمكننا
التخلص من هذه العاهة الدخيلة على مجتمعنا الكردي؟
يتم ذلك من
خلال رفض قبول استعمال هذا الـ"ابو" او "بافي" في كل اجهزة
الاعلام لاسيما في الفضائيات الكردية وعلى رأسها قناة روناهي المختصة بشؤون غرب
كردستان.هذه العاهة بدأت بغزو اقليم كردستان ايضا وهم يتحملون نفس المسؤلية للتخلص
منها قبل ان تستشري كما هو الحال عند كرد سوريا.
المدونات
الكردية ودور النشر يمكنها ان تلعب الدور الاكبروذلك برفض نشراي اسم لاي كاتب يبدأ
بـ بافي أو ابو على الاطلاق.
الاهم من كل
هذا هو ان تكون المبادرات طوعية وبارادة اصحابها وذلك بالاقلاع عن هذه العادة
العجيبة التي تعني في الواقع ان يأخد الاطفال مكان الآباء في الاسماء والكنيات.
1 آذار 2012
بنكي حاجو
طبيب كردي
سوري
bengi.hajo48@gmail.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






