سوريا .. بين إصرار
الثورة وصمّت العالم.
باتت الحالة
السورية أمام أبواب مرصودة. تأخذ بنا نحو فرضيات عديدة. على عكس كل التوقعات
السابقة حتى من أكثر المتفائلين والمتشائمين شدّةً الذين خابت ظنونهم حتى أصبحت
سورية اليوم أمام عقدٍ مفصلي ما أنفك لأحد أن يبرهن ويبلور اتجاهاته الحقيقية. حيث
تعددت التصريحات والآراء منذ بداية الثورة نحو أفاق متفرقة غير متوازية الفكر تضع فرضياتها
من وجهات نظر متعددة ليست أقلها ذات استراتيجيات فكرية. وليس أبعدها ذات مصالح سياسية.
أخذين بعين الاعتبار ومنطلقين من الدور الجيوسياسي المستثنى لسوريا في خارطة الشرق
الأوسط.
رغم تشتت الرؤى
والتطلعات والانقسام المجتمعي السوري نحو الوضع الراهن كلٌّ مقتنع باتجاهاته المتماشية
مع واقع لا يمكن وصفه إلا "بالأليم" بيد أنها في النهاية تصبّ ضمن النظرة
الكلية لسوريا. منهم من رأى الظلم أمامه وصمّت مدافعاً عن النظام. وطرف آخر يضحى
بكل ما لديه في سبيل نيل الحرية. لينقسم بذلك المجتمع إلى موالين و معارضين يضاف لهم طرف
ثالث أخذ منحى الصمت الكلّي. الموالين أو المستفيدين منهم آمنوا منذ اللحظة الأولى بأنهم أتباع النظام الذي
سيصمد أمام تلك الهجمة الإعلامية والمؤامرة الكونية!! وأن نظامهم سيخرج منها
منتصراً على عكس باقي الانتفاضات التي شهدتها البلدان العربية الأخرى تحت ذريعة
وحجج شعارهم الزائف المتمثل بالمقاومة والممانعة!!. بالمقابل لم يتراجع المعارضين
لهذا النظام عن أفكارهم وقناعاتهم ومبادئهم التي خرجوا من أجلها لإسقاط النظام بكافة رموزه رغم بعض التباين في
حل المسألة السورية من وجهة نظرهم – دونما التنازل عن هدفهم المشترك بإنهاء حكم البعث-.
طرف يرى الحل الأمثل هو التدخل الخارجي وأخر يرى أن الحل لا بد أن يكون داخلياً
دونما تدخل يوصل البلاد لمرحلة حرب لا يعرف عقباها. أما الطرف الثالث الصامت فكانت
نظرته دوماً إما العودة للحالة السابقة خوفاً من بطش النظام الزائد. أو الوصول لحل
سلمي دونما إراقة أكثر للدماء ولا يهمها من سيحكم على قدر قناعتها بأن سوريا ما
بعد اليوم ستكون ديمقراطية حتماً. مع اقتراب العام الأول للثورة نستطيع القول أن
كافة النظريات والتحليلات التي طرحت عبر الشهور الماضية كانت -صائبة وخائبة- بالتوازي
في الوقت نفسه. إلا أن الواقع الحالي خيب كل تلك توقعات أصحابها نحو مجهول لا أحد
يعلم نتائجه. ولكن على الأقل وحدها نظرية أن سوريا ستلعب دوراً كبيراً في تغير
السياسة العالمية وجغرافية المنطقة استطاعت الصمود حتى الأن .
إن إصرار النظام في
المعالجة الأمنية منذ اليوم الأول فشل للوصول لحل مجدّي بل زاد من حقد الشعب الذي آمن
بانتهاء عصر الديكتاتوريات والحكم والحزب الأوحد وهو يزيد من رقعة احتجاجاته يوماً بعد يوم. إن زيادة حالة الألم
والظلم ضد الشعب السوري الأعزل واستجدائه وإغاثته استطاعت بعض الشيء أن توجع
الضمير العربي والعالمي والإقليمي الذي غض بصره عن جرائم النظام طيلة الشهور
السابقة. بدأت ببعض المبادرات الخجولة في من قبل بعض الدول المجاورة مثل تركيا التي
نصحت الأسد عدة مرات باللجوء لحل سلمي ينهي الأزمة. إلا أنه الأسد ما برح ونظامه أن
يسمع ويتقبل أي صوت مقابل أصوات دباباته وآلة قتله ودوامة عنفه.
المبادرة العربية
التي استيقظت "بعد خراب البصرة" لم تصل لنتيجة إيجابية بل أدت لزيادة
حالة العنف وإطالة عمر النظام من خلال المهل التي منحتها الجامعة العربية للأسد كما
لم تكن إلا بوابة حماية له. ليحلم الأسد ويظّن أنه سينهي حالة الحراك الثوري عندما
رفع أبواقه شعار (خلصت)!!. إن المهل
العربية ومبادرتها لم تستطع أن تخمد الإيمان الثوري في قلوب الشباب السوري الثائر
والنابع من إيمان تام بأن الموت و الحياة وعدم العودة للإذلال بات شعاراً موحد
بالنسبة لهم. إن عناد النظام السوري بالمماطلة وعدم الاهتمام لنصائح الجامعة
العربية بوقف القتل وعدم الوفاء لمشروع البروتوكول الموقّع بينهم. وبعد أن أنهت
الجامعة كل أوراق النجاة للنظام السوري وفشلت أجبرت للتوجه نحو مجلس الأمن حاملة
مشروعها العربي ليطالبوا دعماً أممي وتكون هذه المبادرة العربية سلاح قوي بيد دول الغرب
تستطيع خلالها الضغط على النظام. خاصةً بعد أن فشل مجلس الأمن في جلسته السابقة
قبل شهور بتمرير قرار كان الحائط الروسي – الصيني قد واجهه بحق النقض الفيتو.
إن المتابع لجلسة
مجلس الأمن الأخيرة بتاريخ 422012 وعدم وصول العالم لإجماع في الشأن السوري من
خلال مشروع عربي-غربي استضدم مرة أخرى بفيتو الدب الروسي والتنين الصيني. يدرك أن
العالم كله بات مبني على المصالح السياسية والاقتصادية وأن الضمير العالمي والإنساني أنعدم مع رخص الدم البشري. لتستباح حياة
الشعوب تحت سياط جلاديها التي بات لزاماً عليهم قبل التفكر للقيام بثورة أن يقدروا
حجم خسائرهم و تضحياتهم والفواتير التي سيدفعونها في كواليس البورصة العالمية ثمناً
لدمائهم ونيل حريتهم. إنقسام مجلس الأمن أعاد بنا لمنطق سنوات "الحرب
الباردة" حيث ذات الدول ونفس الصراع. وكأننا في ساحة مقامرين الخاسر الأكبر
فيها هو الشعب السوري الميّتم عن وطنه بعد أن باعه العالم ونظامه بأبخس الأسعار.
هذا النزاع الأممي كان بين قطبين أحدهم من دعاة الديمقراطية متمثل بأمريكا ودول أوربا
العظمى مقابل قطب شمولي "شيوعي" متمثل بروسيا والصين. كل تلك الأقطاب ظلت
صامتة طوال الأشهر السابقة وهي تبحث عن مصالحها الأساسية وصفقاتها لعلها تصل
لمبتغاها لتفكر أن تقف لصف الشعب السوري. إلا أن تلك المجابهة لم تكن سوى مناطحة
بين دولة تملك القوة العظمى في العالم وهي الولايات المتحدة وأخرى روسيا الطامحة
لعودة مجدها الذي انتهى بعد انهيار اتحادها السوفيتي.
مرةً أخرى فشل
العالم أجمع في الوصول لحل يثلج صدور الشعب السوري الأعزل ويخرجهم من الظلمات إلى
النور. وينهي معها حقبة مريرة من الظلم لم يكن سبعة ألاف شهيد كافٍ لأنهائها حتى
الأن. في حين أن الانقسام العالمي زاد من عنف النظام. وزاد من ديمومة قتله
لمواطنيه هذا ما كان واضحاً بينما كانت روسيا والصين تستخدمان حق النقض ضد مشروع قرار
يجرّم النظام السوري. كانت الأخبار تتوارد عن مجزرة جديدة في مدينة حمص. وذلك في تصعيد غير مسبوق استغل النظام السوري فيه التردد
الدولي لحسم حملته العنيفة ضد شعبه من
خلال قصفه لعاصمة الثورة السورية التي أصبحت من المدن الشبه منكوبة حسب المصطلح
الإنساني العالمي. من هنا نستطيع القول أن العالم بشكل تام أنقسم -بعد الفيتو
الأخير- بين مؤيد لمطالب الشعب والعمل على الإطاحة بالنظام. مقابل مؤيد له تمثل
بالموقف الروسي- الصيني الغير مبرر له. خاصةً بعد كشف القناع والزيف عن تمسك الكرملّين
بنظام الأسد وليس كما يدّعي أنه يريد مصلحة الشعب السوري.
في ظل هذا التعتيم
وعدم الاستطاعة والتكهن بما ستؤول إليه الحالة السورية في الأيام القادمة بعد خلط
كافة الأوراق. نستطيع القول أن كل النظريات التي قيلت في الشأن السوري دون النظر
إلى قائلها موال كان أم معارض أو مستقل لم تصل حتى الأن على الأقل لحقيقة واقعية. فالنظام
لم يرحّل بعد؟ و ليس من دليل ملموس على بقاءه؟ وأيضاً لم يعد من المستبعد أن يكون
هناك انتقال ديمقراطي للسلطة أو حوار وطني؟ كما لم تعد الحرب الأهلية مستبعدة بعد
عسكرة الثورة ورفع بعض الجهات شعار إعلان الجهاد. من هنا بات لزاماً على كل الأطراف
السورية والمحللين والسياسيين أن يعيدوا النظر في تحليلاتهم السابقة ويضعوا عنوان
وأفكار جديدة للمرحلة القادمة. وأن يضعوا كل الاحتمالات في الحسبان من بقاء النظام
أو سقوطه بل وربما حرب أهلية قادمة غير محمودة عقباها.
هيفيدار – صحفي
كردي سوري
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






