وداعاً أيها المشعل
لعل من سماك مشعلاً تنبأ بأنك ستشعل بمقتلك
قلوب الملايينن من أبناء الكرد حزناً وغماً على فراقك المباغت وغيابك الخاطف في
وضح النهار , وستؤجج أتون الثورة في أصقاع البلد المثقل جسده بجراح الغدر والمشبع
ترابه بدماء الغيارى والملوث هواؤه برائحة البارود الكريهة .
" المستقبل لنا " قلتها مرفوع
الرأس من صميم قلبك وأنت تعتلي منصة الأبطال وسط السكارى بنشوة الحرية والكرامة تبشرهم
بالسقوط القريب للطاغية , تنتصف شباباً مثقلاً بالأحلام طامحاً إلى المجد والعيش
الكريم , وكان لك المستقبل أن جعلوك اليوم وساماً على صدر كل باحث عن الحياة بعزة
وشرف , وأضحيت رمزاً للإباء وإيقونة للكفاح ضد طواغيت الظلم والتجبر .
قالوها , أن مشعلاً بظهوره الملفت ومقارعته
الشجاعة لقلاع الاستبداد إنما يروم شهرة ومزايدة على الآخرين أو يبتغي منصباً بعد
زوال الطاغية . قالوها , حين تعرضت لمحاولة الاغتيال قبل أيام , على أنها ادعاء أو
تمثيل لغاية في نفسك .
قالوها الأمس , عندما كنت تتهيأ لمشروعك
الاستشهادي النبيل دفاعاً عن كرامتنا , نحن أيتام هذا البلد منذ أمد . وها أنت
تثبت لهم أن الغاية ما كانت شهرة زائفة , ولا وجاهة زائلة , ولا منصباً , وإنما
كانت كرامة لذيذة تريدها لأمتك , ودفعتَ الروح مهراً لها .
لم تقتلك الرصاصة , يا مشعل , بل قتلتَها
وقتلتَ من أطلقها , فمثلك سيبقى من نعيمه الخالد شوكة في حلق سدنة الظلم وحراس
البغي والطغيان إلى ما شاء الله . ومثلك خطر على الطغاة وهو في آخرته أكثر مما هو
في دنياه .
قتلت الرصاصة إذ أثبتَتْ عدم جدواها في صد
الجماهير عندما تطالب بكرامتها , بل هي تؤجج نار الحماس في صدور الأحرار وتلهب
نفوسهم الطامحة إلى العلياء .
وقتلت مطلِقها إذ سقط هو أخلاقياً في الدرك
الأسفل من القيم الإنسانية , ووقع في مستنقع الانحطاط والرذالة .
من أعزي فيك يا مشعل ؟
أبنَك ؟
وأنت الآن أقرب مني إليه .
أمَك ؟
وأنا أرى الدموع في عيني أمي لوعة عليك ؟
أم أخوتك ؟
وهم الآن ملايين , فمن أعزي منهم ؟
أعزي الكردَ ؟
وقد امتلأت صفحات العرب من أبناء الوطن على
الشبكة العنكبوتية بتعابير الحزن والأسى على رحيلك .
دفعنا وسندفع , الدماء والأرواح رخيصة في
سبيل حقوقنا وشرفنا وكرامتنا . بالأمس كان الشيخ سعيد والقاضي محمد والسيد رضا
يتدلون من أعواد المشانق التي نصبها لهم الطغاة , وبالأمس أخترقت رصاصة الغدر قلب قاسملو , واليوم
وعلى دربهم المشعل الوهاج مشعل ترديه رصاصة دنيئة في ميادين الأبطال .
طوبى للكرد وهؤلاء شهداؤهم .
وطوبى لسوريا أن ينضم المشعل إلى قوافل
شهدائها الأبرار .
وعزاؤنا أن الأمة التي أنجبت مشعلاً تستطيع
إنجاب مشاعل . . .
اليوم خريفٌ , وقت زراعة القمح .
مئة ألف مشعلاً
زرعوا المشعل في أرض الأبطال ورووه بالدمع
والدم
ليزهرَ المشعلُ
ويشعَ نوراً وضياءً
في عالم الظلام والانحطاط , عالم السفالة .
عالم البعث .
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






