وهل للشعب السوري خيار
سوى الاستمرار في الثورة
جان كورد، 16 آب، 2011
لم تعد الأمور في سوريا شبيهة بالسفينته التي خرقها صاحبها في موضعٍ أو
موضعين، مما يستدعي الأخذ على يديه لكف الأذى وانقاذ الراكبين من الغرق، بل إن
القائمين على السفينة السورية مستعدون لحرق السفينة بالكامل وقتل جميع ركابها، دون
أن يفكروا جيداً عما ينتظرهم من عقاب بسبب هذا الطيش وهذا الجنون. فسوريا تعاني من
وجود لوثة عقل في رؤوس من في يديه مفاتيح نظامها، وهذا لايدع المجال للتفكير عما
إذا كان "أشبال الأسود" قادرين على التصرف بحكمة بعد كل ما اقترفوه من
جرائم ضد الإنسانية، إذ ليس أمام هذا الشعب البطل خيار سوى الاستمرار في الثورة
على من في يده السلطان في البلاد وقذفهم أحياءً أو مقتولين من سفينتهم لتبتلعهم
الأمواج العاتية والحيتان السابحة في البحر.
لقد تمادى النظام في استخدامه المفرط للقوة، إلى درجة لم يكن يتوقعها حتى أصدقائه،
وبخاصة في المدن الاستراتيجية في مختلف الجهات، فبدأ بالفصل الأول من مجزرته في
درعا التي تقع على محور دمشق – جبهة الجولان، والتي تقع في أهم المناطق العسكرية
للبلاد، وكان لأهلها مساهمات قوية في تركيبة النظام السياسي وفي تركيبة حزب البعث
التابع له، وقام بتنفيذ الفصل الثاني من جرائمه الكبيرة في مدينتي حمص وحماه
اللتين تقعان بين شمال وجنوب البلاد، وفي حال تنامي المعارضة فيهما فقد تتحكم بأهم
شرايين الحياة الاقتصادية السورية، كما أن الأولى قريبة من الشمال اللبناني،
والثانية قريبة من جبال العلويين التي تعتبر الملاذ الأخير للنظام في حال دحره من
المدن، كما تابع فصول جرائمه الوحشية في محافظة ادلب القريبة من الحدود التركية،
وفي محافظة دير الزور الواقعة على الطريق صوب العراق، وكانت آخر الحلقات من مسلسل الرعب هذا في مدينة
اللاذقية التي تشكل أهم المنافذ السورية على البحر، وتأتي عبرها الأسلحة والعتاد
من ايران وكوريا الشمالية وروسيا والصين وفي حال السيطرة عليها من قبل المعارضة فحال
النظام سيكون كحال من شدت على عنقه الحبال. أما إذا استمر الوضع على ما هو عليه
الآن من تقتيل وتشريد وتعذيب وتدمير، فإن من المحتمل أن يستمر سفك دماء الشعب
بفظاعة لاتقل عما سبق في المدينتين الشهيرتين دمشق وحلب، وهما عملياً ما بقي في
أيدي النظام من مخازن القوة المادية والبشرية التي يحرص عليها بشدة ويحاول بشتى
الحيل السياسية وأسليب الخداع الاعلامية، وعن طريق حشد دائم لقواه العسكرية
والأمنية، الحفاظ عليهما قدر المستطاع، وإن بدى التضعضع فيهما أيضاً، وبخاصة في
العاصمة التي أثبت ريفها أهميته واستمراريته في الثورة السورية.
إن بسالة الشباب السوري، وعدم تمكن النظام من ترويعه عن طريق الإرهاب الشامل
والمتعدد الصور والأشكال، قد خلقا توازناً في القوى، رغم حشر القوات المسلحة
السورية في المعركة ضد الشعب، وعظمة قدراتها من حيث التسليح وشراسة قادتها الذين
يتعاملون مع شعبهم وكأنهم في حالة احتلال لبلد آخر، ورغم هذا الكم الكبير من
طوابير الشبيحة وكتائب المرتزقة والعملاء، إضافة إلى العنف الذي تشتهر به الأجهزة
الأمنية السورية. وهذا ما أجبر العالم الخارجي، والدول العربية التي كانت تنظر
للأوضاع وكأنها غير مبالية، على تغيير المواقف والتراجع عن سياسة اللااهتمام بما
يجري في الشارع السوري، حتى أن أصدقاء النظام العريقين شرعوا يطلقون تصريحات
مختلفة عما كانت عليه مواقفهم بعد ارتكاب الفصل الثاني أوالثالث من المجزرة الكبرى
من قبل النظام.
إن بطش النظام وحماقة أهل السياسة الرسمية في سوريا قد تسببا في سد سائر
المسالك أمام الشعب السوري سوى الاستمرار في الثورة، رغم جسامة التضحيات وقلة
الامكانات وصعوبة هذا المسلك من نواحٍ متعددة، وبخاصة فإن النظام لم يفسح للشعب،
لا خلال عهد الأسد الأب ولا في عهد الأسد الابن، أي مجال لتنظيم نفسه على أساس
وجود حكم ومعارضة، أو تداول سلمي للسلطة، وإنما تم إهمال رأيه ومواقفه وطموحاته
ومطالبه وكأن هذا الشعب عبد في دار عائلة الأسد وأقربائه، فتجربة شعبنا في
التظاهرات والاحتجاجات ضئيلة بالنسبة للشعوب المتقدمة على طريق الحضارة السياسية، وحيث
أن النظام غير مستعد وغير قادر على التراجع عن بطشه والخروج من قوقعة حماقته، فإن
الشعب السوري، ومن ضمنه المعارضة السياسية، الديموقراطية والوطنية، لاتملك أداة
أخرى للتغلب على المجرمين سوى أداة الثورة الشعبية، وقد تؤدي هذه التظاهرات
السلمية إلى نشوء ردود أفعال عنيفة لما يقترفه النظام من شرور وآثام، فتتحول
البلاد إلى ساحة حرب شرسة تستغلها قوى خارجية لمآربها وقد تنشأ حرب أهلية، كما حدث
سابقاً في لبنان الذي عانى من الويلات والمصائب، بشرياً واقتصادياً، سنوات طويلة
ومرهقة ومؤذية لكل مكوناته الاجتماعية والدينية. وفي ذلك خراب للبلاد وضربة قاصمة
للوحدة الوطنية وانهيار لجميع البنى الاقتصادية القائمة وخسران لقوى الشعب وطاقاته
التي يحتاج إليها للعمران والازدهار والرفاهية المنشودة.
فما العمل؟
أعتقد أن من الخطأ الفادح للمعارضة التساهل أو التردد في اللجوء إلى
المجتمع الدولي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي، لا لعرض مأساة شعبها
الكبرى عليه فحسب، وانما في السعي للقيام بواجباتها تجاه هذا الجزء السوري من
المجتمع الإنساني وهذا العضو من الأسرة الدولية، فالذين يحاولون باستمرار اعتبار أي
سعي في هذا المجال مخالفاً لعقائدهم السياسية يجب أن لا يقفوا عند حدود المناشدات
وكسب العواطف فقط، ففي الحقيقة هذا النظام مستعد للقضاء على معظم ما نسميه بالشعب
السوري ولايهتم بما يريقه جنوده ومخابراته وشبيحته ومرتزقته من دماء بشرية، حتى إن
قتل الأطفال أمر مبرر لديه، ولن يتنازل للمعارضة وللشعب عن الحكم إلا بعد خراب
البصرة كما يقال، والمعارضة التي لايهمها كل هذا لمجرد التشبث بموقف مثالي تجاه
التعامل مع العامل الخرجي ليست إلا معارضة مغرورة تعتقد بأنها سترغم النظام على
السقوط دون عونٍ من أحد، وما على المجتمع الدولي إلا محاصرته وممارسة الضغوط السياسية
والاقتصادية والمعنوية عليه، وفي هذا شيء من الغرور والتبسيط، فالنظام الليبي رغم
كل ما تم ممارسته من ضغوط حياله لم يتأثر إلا بعد أن أضطر زعيمه المجنون إلى
الاختفاء في بيوت أصدقائه المقربين والانتقال من حارة إلى حارة في طرابلس عن طريق
استخدام سيارات الاسعاف، والمعارضة الليبية لم تحرز أي تقدم حقيقي قبل امتلاكها
أسباب القوة المادية والمعنوية وتوالي الاعتراف بها على الصعيد الدولي.
لايمكن بعد كل هذه المذابح الدموية التي ارتكبها النظام السوري التحدث
بالمثاليات، وانتظار الصدقات المالية من بعض الأشقاء والأقرباء العرب، بل يجب
ممارسة أشد الأساليب تأثيراً لترجيح الميزان لصالح الثورة السورية الكبرى، فكما أن
الحوار مع النظام لم ينفع فكذلك سياسة الانتظار للقيام بعمل ما حتى تسيل دماء أغزر
في الشارع السوري لن تفيد إلا النظام الذي يعمل على كسب الوقت ويتوقع بأنه سيقضي
عن طريق الارهاب على طاقات الشعب الثائرة وبأنه سيفتح لنفسه منافذ وثقوباً في جدار
المجتمع الدولي الرافض لسياساته الطائشة هذه.
على المعارضة أن تتحرك وبسرعة لعملية "إنقاذ وطني" حاسمة قبل أن
تتحول البلاد إلى مرحلة الولوج في "الكارثة الشاملة"، والظروف الدولية
مؤهلة ومناسبة كظروف الدعم الشعبي لأي تحرك سوري جاد تقوم به المعارضة الآن.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






