الإثنين, فبراير 26, 2024
آراء

أحمد الزاويتي: كوردستان العراق.. الحلقة‌ الأضعف في مركز صراع الأقوياء

أي كردستان نقصد؟!

لا أتحدث هنا عن كوردستان الكبرى التي تمتد بين أكثر من أربع دول في المنطقة هي: تركيا في جنوبها الشرقي وإيران في شمالها الغربي والعراق في شمالها وسوريا في شمالها الشرقي، وتمتد أيضاً حسب المصادر الكُردية في أجزاء من أذربيجان وأرمينية.

مساحة كردستان هذه تقترب من نصف مليون كيلومتر مربع، أما كشعب ففي كل هذه المناطق، يمتد انتشاراً في الدول المجاورة وأوروبا وأمريكا سكانا، حيث يفوق 45 مليون نسمة، أيضا حسب المصادر الكُردية.

في هذا الموضوع لا أتحدث عن كل هذا، ولا أتحدث أيضاً عن كل مساحة كردستان العراق وكل الشعب الكردي في العراق، بل أتحدث فقط عن منطقة إقليم كردستان العراق التي تكاد أن تصل إلى نصف حجمه الحقيقي مساحة وسكانا في هذه الدولة وأقصد بالتحديد المناطق الواقعة تحت إدارة حكومة إقليم كردستان العراق.

تبلغ مساحة هذا الإقليم 45 ألف كيلومتر مربع، ويقترب سكانه من 7 ملايين نسمة، ليس بينها ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل حسب المادة 140 من الدستور العراقي، فمساحة هذه المناطق تقترب بدورها من مساحة المنطقة التي تديرها حكومة إقليم كردستان.

وسط جغرافيا معقدة وأمن متوتر

عند النظر إلى هذا الشريط الحدودي الضيق (إقليم كردستان العراق) المعقد جغرافيا والمتوتر سياسيا وأمنيا، والمهدد من كل جيرانه، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، والذي تعرض لأكثر من سبعين سنة من القرن العشرين لحروب بين الحركة الكردية فيها المطالبة بحقوقها في الحكم الذاتي في العراق، والأنظمة الحاكمة المتعاقبة في العراق منذ النظام الملكي في الأربعينيات والخمسينيات مروراً بالعبدين كريم قاسم وسلام عارف في الستينيات ثم صدام حسين في السبعينيات والثمانينيات، عند النظر تبرز علامات تعجب! كيف تمكن هذا الإقليم والحال هذا بالاستمرار من إدارة نفسه لأكثر من 32 سنة؟.

على عكس من ذلك تحول لأكثر مناطق العراق استقراراً أمنياً واقتصادياً وتنموياً، بعد إسقاط نظام صدام حسين 2003 من قبل القوات الأمريكية! في عراق تحول إلى كرة من نار وحرب متنوعة فمن مقاومة ضد المحتل، إلى عمليات إرهابية تستهدف كل عمران من أرض وإنسان، ثم حرب مذهبية وتصفية لأغلب وأبرز نخب العراق خاصة السنية منها، وصولاً إلى مرحلة داعش الذي احتل ثلث العراق وتركه بعده منطقة مدمرة، بين 2014 إلى 2017.

حاضرٌ يستذكر التاريخ

بعد انتهاء الحرب على داعش وشعور بغداد بنشوة الانتصار، كحكومة وجيش وميليشيات مسلحة في أوج قوتها، كما نشوة الانتصار التي شعر بها صدام وجيشه بعد انتهاء حرب الثمان سنوات مع إيران عام 1988 فأقدم على ما سماه بعمليات الأنفال واجتياح كردستان وقصفها بالأسلحة الكيمياوية وتدمير 4500 قرية وخطف أكثر من 180 الف مواطن كردي ومن ثم دفنهم في صحاري الوسط والجنوب أحياء، أعود لأقول مجدداً حسب المصادر الكردية، وبالتالي القضاء تماما على الحركة الكردية المسلحة!

عندما لا يكون الجانب الكُردي قوياً في الكثير من النواحي، لكنه يبقى قوياً من ناحية الذاكرة التاريخية له التي تحتفظ بصور المآسي التي تتكرر بين كل عقد وآخر، تلك الذاكرة التي دفعته ليشعر بأن تهديداً مماثلاً لما وقع عام 1988 قادم إليه من جديد من الجنوب! فاسرع على خطوة الاستفتاء على استقلاله من العراق يوم 25/9/2017 للتخلص من هذا التهديد القائم دائما، رغم أن الحسابات جاءت خاطئة إذا اعتبرنا أن النتائج كانت عكسية للرغبة الكردية، من حيث ما ترتب على خطوة الاستفتاء من تنكر دولي تام وتهديد من دول الجوار، بل خطوات لخنق الإقليم في داخله!

بعد الاستفتاء الذي جمدت نتائجه من قبل حكومة الإقليم، للحفاظ على ما تبقى من الإقليم ومن صلاحيات له، إلا أن الخطوات العدائية من قبل بغداد ضد الإقليم استمرت واشتدت لتترتب عليها النتائج التالية:

1- ضعف دوره في بغداد مقابل قوة دور الأطراف الشيعية التي تتعامل معاملة معاداة مع إقليم كردستان.

2- استخدام المحكمة الاتحادية ضد الإقليم وسحب صلاحياته من بين أهم هذه القرارات التي اتخذتها المحكمة الاتحادية:

· إلغاء تمديد عمر برلمان كردستان إلى إجراء الانتخابات التي لم تحدد موعد إجرائها بعد، بل المحكمة نفسها تؤجل إجراء هذه الانتخابات بذرائع مختلفة، وبالتالي يمر إقليم كردستان العراق حالياً بمرحلة فراغ قانونية.

· منع إقليم كردستان العراق من تصدير نفطه وبالتالي بقاء الإقليم بدون موازنة.

3- عدم صرف حصة إقليم كردستان العراق من موازنة العراق، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين، وبالتالي ضرب الاقتصاد في الإقليم الذي تميز بوضعية أفضل من بقية المحافظات العراقية قبل أكثر من عشر سنوات.

ذرائع لعكر صفو الاستقرار

لم تتوقف عملية معاداة الإقليم المستقر الآمن والأكثر نمواً في العراق عند حد ما حصل أعلاه، بل وصل لأخطر الخطوات تهديداً على هذا الإقليم وهو قصفه وقصف مرافقه المدنية من قبل طائرات مسيرة مفخخة من قبل المليشيات التابعة لإيران بل وصل الأمر إلى أكثر خطورة بمشاركة إيران نفسها باستهداف عاصمة الإقليم أربيل بصواريخ بالستية بحجة مواقع للموساد الإسرائيلي.

نفى الإقليم ذلك جملة وتفصيلاً وأكدت موقفه لجان التحقيق الأمنية والبرلمانية التي تشكلت من بغداد، تلك اللجان التي أثبتت على أن المكان المقصوف هو منزل لرجل الأعمال بيشرو دزيي والذي كان له ولرجل الأعمال الآخر الشيخ باز الذي قصف منزله أيضاً بالطريقة نفسها لمنزل بيشرو دزيي قبل سنة ونصف أيضاً بصواريخ بالستية بحجة أنه موقع للموساد!!.

كان لهذين الرجلين حيث قضي الأول نحبه في العملية مع أفراد من عائلته ونجى الثاني والذي لم يكن موجوداً أثناء الضربة على منزله، كان لهما الدور الأكبر في إظهار أربيل على أنها المدينة الأكثر بناء ونمواً في العراق في العشرين سنة الأخيرة.

الاتهام الثاني الموجه لأربيل من قبل إيران وحلفائها في العراق هو تواجد قواعد أمريكية في الإقليم، إلا أن الملفت للانتباه هو عدم إصابة أي طائرة مسيرة مباشرة هذه القواعد التي يتحدثون عنها! وتأتي الإصابات على أربيل ومدنييها بالتحديد!!

لماذا أربيل؟!

باختصار لأنها المنطقة الوحيدة في العراق التي لم تذعن بعد لإيران كما حصل للجماعات الشيعية وبعدها السنية في العراق، رغم إذعان طرف كردي منافس لإدارة أربيل وهو الاتحاد الوطني الكردستاني حزب الطالباني (في السليمانية) للقرار التوجيه الإيراني، إلا أن أربيل وبالتحديد الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة الزعيم مسعود البارزاني، استعصت حتى الآن على إيران!

رسائل إيران ليست هي التي تعلن عنها على اساس قصف مقار لموساد إسرائيلي بل هي تعلم قبل غيرها أنها ليست مواقع للموساد، بل ربما لو كانت فعلاً هناك مواقع للموساد لما تجرأت إيران على قصفها!!

من وراء رسائلها الظاهرية المعلنة رسائل أخرى سرية وهي دفع أربيل وبالتحديد الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيسه مسعود البارزاني إلى جانبها أسوة بالقيادات العراقية الأخرى الشيعية والسنية، وعندما يتحقق لإيران ذلك فإنها ستضمن تشكيل الهلال الشيعي الممتد من قُم مروراً بكردستان العراق وصولاً إلى القامشلي في سوريا.

حينها يكون الهلال قد مر بطريق آمن وعامر، الأمر الذي لا يحدث أن مر هذا الهلال من وسط أو حتى من جنوب العراق!! وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، وبذلك قطع دابر تركيا ونفوذها في العراق عن طريق أربيل وعن طريق الحزب الديمقراطي الكردستاني إضافة إلى إلحاق خسارة بأمريكا في نزع حليف محلي قوي لها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ضرب عصفورين بحجر

إيران بقصفها أربيل تهدف إلى ضرب عصفورين بحجر، فمن ناحية كان تطوراً كبيراً في مسار التهديد الإيراني المباشر لإقليم كردستان العراق ومن الناحية الأخرى رسالة للأمريكان حول مدى المسافات التي يمكن للصواريخ الإيرانية قطعها ومدى دقة الهدف لهذه الصواريخ!! حيث سقطت تلك الصواريخ على بعد أقل من كيلومتر واحد من القنصلية الأمريكية في أربيل والتي تعتبر أكبر قنصلية للأمريكان على الإطلاق، وعلى بعد أقل من خمس كيلومترات من القاعدة الأمريكية العسكرية داخل مطار أربيل!

رسالة دبلوماسية رداً على الرسالة العسكرية

رسالة إيران العسكرية أدت بالولايات المتحدة إلى إيصال رسالة دبلوماسية لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، لم تكشف عن فحواها بعد، إلا أن تسريبات تشير إلى أن الرسالة حول المفاوضات الجارية بين الجانبين لخطوات الانسحاب الأمريكي من العراق، والتلويح بخطر عودة داعش إذا حصل ذلك، وتحويل العلاقة بين الطرفين من كونها علاقة حلفاء، وأن الأمريكان يدعمون عسكرياً الطرف العراقي، إلى نوع علاقة عادية بين دولتين، الرسالة الأمريكية إلى العراق بهذه السرعة ومصادفة بعد قصف أربيل، تعطي علامات على أنها رد على التهديد الإيراني لقواتها في العراق.

عندما أظهر وزير الخارجية العراقي اهتماماً كبيراً بهذه الرسالة معلناً عن أنها رسالة مهمة وأعقبه في ذلك اجتماع لمجلس الوزراء العراقي، يعني ذلك أن الجانبين العراقي والأمريكي أعطيا إشارات إيجابية حول أن مفاوضات تحويل مهمة القوات الأمريكية من كون الطرفين متحالفين وأن القوات الأمريكية متواجدة بطلب عراقي إلى مجرد علاقات ثنائية بين دولتين.

الحكومتان العراقية أولاً والأمريكية ثانياً أرادتا بإشاراتهما الإيجابية طمأنة الجماعات الشيعية التي تطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق، وكذلك طمأنة الجانب الإيراني من أجل إيقاف إرسال الطائرات المسيرة والصواريخ تجاه أهداف أمريكية في المنطقة، حتى تتحقق خطوات الانسحاب والتي ستستغرق وقتاً.

الرسالة لم تصل!

أظهرت المليشيات المسلحة داخل العراق والتي ترسل طائرات مسيرة مفخخة إلى المنطقة التي تعتبرها متحالفة مع الأمريكان، في العراق (إقليم كردستان) وسوريا (مناطق الإدارة الذاتية) إنها لم تستقبل الرسالة الأمريكية بإيجابية فأعلنت هذه المليشيات أنها سوف لا تتمثل لهذه الرسالة ولا تعير لها أهمية وستستمر في استهداف المواقع الأمريكية.

هي رسالة غير مباشرة من إيران للأمريكان بأن ذلك لا يكفي بل الهدف أكثر من ذلك وربما إخافة الأمريكان في إبعاده عن اتخاذ أي خطوة ضد إيران أو المجازفة بقصف مواقع إيرانية.

إذاً، هي حرب غير مباشرة (وتجاوز لحدود الحرب الباردة)! بين إيران والأمريكان تجري على أراض غير تابعة للدولتين، بل على أرض تعتبر الحلقة الأضعف في مركز الصراع بين القوتين الكبيرتين! قد تريد إيران بهذا إشغال الأمريكان واستنزافها وإنهاكها لإبعادها عن حرب مباشرة مع إيران أو ضربات داخل إيران وقد نجحت في ذلك حتى الآن، لكن الهدف الأسهل والأقرب هو استسلام إقليم كردستان بالكامل للإرادة الإيرانية!.

عودة داعش:

عند الأمريكان لا يكتفي الأمر هنا، فعندما تستطيع إيران وبقوة إرسال رسائل تهديد مباشرة وغير مباشرة، فإن للأمريكان طريقتهم أيضا بالرد! ففي الرسالة التي أرسلوها للعراق تلويح بخطر عودة داعش، يفسر هذا على أنه لو سحب الأمريكان قواتهم من العراق وانتهت مرحلة التحالف بينهما، فإن الامريكان يمهدون لمرحة عودة داعش! أو يمكن أن نسميها (المرحلة الثانية لداعش)!

في نظر الامريكيين مثلما تواجههم إيران بجماعات موالية وحرب غير مباشرة فإن بإمكانهم اتخاذ خطوة مشابهة وهو التمهيد لعودة داعش لتحارب المجموعات الموالية لإيران بل ربما في المستقبل حرب داعش داخل إيران نفسها، على شاكلة آخر عملية والتي قتلت أكثر من مائة شخص داخل إيران، ربما هي إشارات بهذا المعنى! وعند عودة داعش فإن الأمريكان والتحالف الدولي سوف لا يتدخلون كما تدخلوا سابقا، سيتركون الأمر لداعش لتفعل ما تريد دون غطاء جوي ضدها، سيقول الأمريكان للطرفين اذهبا فقاتلا بعضكما أنا هاهنا قاعدون!!

ماذا بالنسبة للعراق ولإقليم كردستان؟!

كلما بقي الوضع السياسي والأمني بين الأمريكان وإيران على حاله، أثر ذلك على إطالة الوضع الداخلي العراقي على ما هو عليه، واستمرار ما موجود من مشاكل بين بغداد وأربيل دون حل، وهكذا يجد إقليم كردستان العراق نفسه ضحية لهذا الوضع، فالإقليم وصل إلى أضعف مراحله مقارنة بما كان عليه قبل أكثر من عشر سنوات.

لكن القطة إذا حوصرت في الزاوية الضيقة، وتم ضربها وإيذائها، ولم تجد طريقة للهروب فإنها ستقفز باتجاه وجه المهاجم لا محال! والإقليم أيضاً يرى نفسه أنه محاصر في الزاوية الضيقة ويتعرض لضربات مادية ومعنوية، عسكرية وسياسية، وأصبح يلوح بما يمتلك من أوراق حيث يصرح دائماً أنه يمتلكها، وقد تكون بين هذه الأوراق التلويح بإنهاء تجميد نتائج الاستفتاء الذي جرى قبل سبع سنوات، والذي صوت أكثر من 90% من مواطني الإقليم لصالح الاستقلال، لكن هذا سيعتمد على عدة عوامل أهمها:

1- دعم الأمريكان لهذا الخيار، ولا يستبعد ذلك إذا استمرت الحكومة العراقية بطلب من الأمريكان بالانسحاب، واستمرت إيران والمليشيات الإيرانية بسياساتها تجاه الإقليم والأمريكان.

2- دعم تركيا لهذا الخيار مقابل توقيع تعاون تحالفي بين تركيا والإقليم، بحيث ينضم الإقليم بالكامل للقرار التركي في تبني أجنداته في المنطقة، فلا يبقى خيار أمام تركيا إذا استمرت إيران بمعادات الإقليم، إلا سحب الإقليم لجانبها لما يتمثل الإقليم من عمق مهم بالنسبة لتركيا.

3- السماح الدولي والأمريكي والتركي ربما للإقليم بإعادة تصدير نفطه بعد استمرار بغداد بمنع تصدير هذا النفط وبقاء الإقليم بدون موازنة

المصدر: كوردستان24