الخميس, مايو 30, 2024

أردوغان والصيف الساخن

آراء

 

لا يتوانى أردوغان عن إطلاق تصريحات عدائية بحقّ المناطق الآمنة في شمال وشرق سوريا “مناطق الإدارة الذاتية “، إلّا أنّ تصريحه الأخير الذي أعلن فيه عن صيف ساخن تعدّ له دولة الاحتلال التركي على مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا وعلى باشور كردستان، وأن تأجيل هذا العدوان إلى الصيف كان بناءً على تقارير من غرفة العمليات التركية التي لم تستكمل كل خططها ولم تنهِ استعداداتها الكافية لعملية عسكرية ضخمة على هذه المناطق، لا يشبه تصريحاته السابقة التي ذهبت أدراج الرياح باستثناء العدوان الأخير الذي استهدف البنى التحتية والمنشآت الصناعية في مناطق الإدارة الذاتية، فأردوغان يحاول الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي ودعم دولي وإقليمي لتنفيذ هكذا عدوان، خاصة أنّ الأزمات التي تشهدها المنطقة “حرب غزة والتوتّر العسكري بين إسرائيل وإيران والأزمة الأوكرانية والمشاريع الاقتصادية في المنطقة” قد تدخل في خدمة أردوغان للحصول على تأييد الدول المعنية. فهدف أردوغان يكمن في احتلال مناطق الإدارة الذاتية لربطها بالمناطق المحتلّة في الشمال السوري ومن ثم ربطها بباشور كردستان؛ وبالتالي استكمال مشروعه العثماني “الميثاق الملّي” وتشكيل حزام أزرق “دولة أو نفوذ تركماني في سوريا والعراق”. لكن أردوغان لم ينجح في كسر أو إضعاف حزب العمال الكردستاني واحتلال مناطق الدفاع المشروع بالرغم من عشرات العمليات العسكرية العدوانية عليها وتحت مسمّيات عديدة، لذا ونتيجة فشله يحاول أردوغان القيام بعدوان واسع بدعم إقليمي ودولي من خلاله يحقّق حلمه العثماني في المنطقة. فتصريح أردوغان الأخير وحقيقة ثبوته قد يكون قد استند هذه المرة إلى جهات إقليمية ودولية تدعمه في عدوانه على مناطق الإدارة الذاتية في سوريا وعلى مناطق الدفاع المشروع في باشور كردستان، وإنّ زيارة أردوغان المرتقبة إلى واشنطن قد تأتي لتقديم تنازلات “العودة للحظيرة الغربية” وتقديم الدعم العسكري واللوجستي لإسرائيل بعد توتّر بين إسرائيل وإيران في المنطقة، في سبيل الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي ودعمها في عدوانه العسكري على المناطق المذكورة.

 

فما هي المؤشّرات التي تشير إلى اقتراب وعيد أردوغان العدواني على المنطقة؟ وما هي التنازلات التي يمكن أن يقدّمها في سبيل الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي؟ وما هي مواقف الدول الإقليمية والدولية تجاه العدوان التركي المرتقب؟ ومَن الأطراف التي قد تساند أردوغان في عدوانه؟

 

المؤشّرات الداعمة لحقيقة تصريحات أردوغان

 

1- الحرب الإسرائيلية على غزة

 

على الرغم من الرفض الإقليمي والدولي للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إلّا أنّ تركيا والتي تعتبر من هذه الدول الرافضة للحرب وهي حاضنة للجماعات والتنظيمات الإسلامية وبالأخص تنظيم الإخوان ومن بينها حركة حماس، فتركيا لم تقف موقف المتفرّح كباقي الدول الإقليمية والدولية، بل ساندت ودعمت إسرائيل بشكل مباشر من خلال دعم الأخيرة اقتصادياً؛ فحركة السفن التجارية التركية المحمّلة بالسلع والمواد الغذائية ازدادت باتجاه إسرائيل ودعمت الاقتصاد الإسرائيلي طيلة الحرب ضد حماس، وهذه الأخيرة التي ما تزال تؤمن بأنّ تركيا هي الحاضنة والحامية لها ضد أي عدوان قد يؤثر على وجودها ومكانتها في فلسطين. ومع اقتراب انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أو بشكلٍ أدقّ انتهاء العمليات العسكرية الكبرى في أغلب المناطق في قطاع غزة باستثناء رفح، بدأ أردوغان بفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل، وعند النظر في هذه العقوبات نرى أنّها لن تحدث أي فارق في الحرب ولن تؤثّر على إسرائيل ولو بـ 1% هذا إن لم تكن هذه العقوبات مجرّد حبر على الورق وللاستهلاك الداخلي والخارجي بأنّ تركيا تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني.

 

لذا فإنّ الدعم التركي لإسرائيل قد يكون له ثمنه في حصول أردوغان على الدعم الإسرائيلي، على الرغم من وجود دعم إسرائيلي لتركيا في عملياتها العسكرية العدوانية على مناطق الدفاع المشروع، إلّا أنّ أردوغان يريد الحصول على دعم إسرائيل في عدوانه الكبير على المناطق المذكورة، من خلال الضغط على الولايات المتحدة للحصول على الضوء الأخضر ودعمها في هذا العدوان، والتي قد تؤثّر على شكل خارطة المنطقة وعلى المصالح الاستراتيجية للدول الإقليمية والدولية في المنطقة بشكل خاص وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

 

2- التوتّر الإسرائيلي – الإيراني في المنطقة:

 

إلى جانب استغلال أردوغان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ووقوفه إلى جانبها، يأتي التوتّر الإسرائيلي- الإيراني في خدمته لشنّ عدوان كبير على المنطقة.

 

إنّ التوتّر العسكري بين إسرائيل وإيران في المنطقة يدخل في خدمة الأجندة التركية؛ فتركيا حليفة الولايات المتحدة وتربطها بإسرائيل علاقات عسكرية وأمنية قوية، ونظراً لموقع تركيا الجيوستراتيجي والذي يخدم إسرائيل والولايات المتحدة فإنّ أردوغان لن يتوانى من استغلال هذا التوتّر لصالحه؛ فبعد انتظار العالم الردّ الإيراني على إسرائيل بعد قصف قنصليتها في دمشق، والذي أسفر عن مقتل العديد من الاشخاص، من بينهم قائد كبير في فيلق القدس التابع للحرس الثوري “محمد رضا زاهدي” وسبعة ضباط آخرين في الحرس الثوري الإيراني، قام أردوغان بنشر منظومة S400 روسية الصنع على الحدود العراقية الإيرانية والتي يظنّ العالم بأنّها ستدخل في خدمة عدوانها على مناطق الدفاع المشروع في الصيف – فلا يعقل بأنّ هكذا منظومة دفاعية لمواجهة الصواريخ الباليستية والاستراتيجية التي لا تملكها قوات حماية الشعب؟! – وإنّما جاءت لحماية أمن إسرائيل من الصواريخ الباليستية والاستراتيجية الإيرانية.

 

فهذه المنظومة التي يرفضها حلف الناتو ولا تتطابق مع منظومتها العسكرية، يعمل أردوغان على شرعنتها كونها لا تملك منظومة باتريوت الأمريكية من خلال وضعها لخدمة أمن إسرائيل، والحصول على الرضى الغربي في عدوانه على المنطقة.

 

3- الحرب الروسية- الأوكرانية

 

هذه الحرب والتي هي بين روسيا والحلف الغربي، يدّعي أردوغان حياده ورفضه لسياسة العقوبات التي يفرضها الغرب على روسيا، إلّا أنّ أردوغان لا يمكنه الابتعاد كثيراً عن الحظيرة الغربية، خاصة أنّ حزبه قد خسر مناطق كثيرة في انتخابات البلديات مؤخّراً لصالح حزب الشعب الجمهوري وحزب المساواة والديمقراطية الكردي وبدأت شعبيته بالتراجع، ولكون الغرب لم يحقّق أهدافه في إضعاف روسيا عسكرياً واقتصادياً وتحييدها كمنافس للغرب على النظام العالمي، لذا فعودة تركيا إلى الحظيرة الغربية سيزيد من الضغط على روسيا اقتصادياً وعسكرياً، ما قد يؤدّي إلى تغيّر المعادلة العسكرية في أوكرانيا مقابل الحصول على الضوء الأخضر والدعم الغربي لعدوانها المرتقب من جهة، ومن جهة أخرى تحييد الغرب تجاه الممارسات التعسّفية اللاإنسانية تجاه قوى المعارضة وبالأخص قيادات حزب المساواة والديمقراطية الكردي.

 

فالعلاقة التركية الروسية الجديدة والتي تأسّست على أثر الأزمة السورية مصيرها العودة إلى نقطة الصفر وعودة التوتّر بين الطرفين، فزيارة أردوغان المرتقبة إلى واشنطن والمحادثات التي سيجريها الطرفان ستتمحور حول ملفّات رئيسية؛ كالدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية والأزمة الأوكرانية وحماية إسرائيل والحصول على الدعم الأمريكي في عدوانه المرتقب.

 

المواقف الإقليمية والدولية من العدوان التركي المرتقب

 

إنّ السياسة البراغماتية التي ينتهجها أردوغان، والأزمات الشرق أوسطية والصراع الغربي الروسي الصيني على النظام العالمي، تشكّل أرضية خصبة لأردوغان في عدوانه المرتقب على مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا وعلى مناطق الدفاع المشروع في باشور كردستان، إلّا أنّ هذا لا يعني قدرة أردوغان في الحصول على كامل الدعم من الدول الإقليمية والدولية؛ فخارطة التحالفات والتجاذبات الإقليمية والدولية لم تعد كما في السابق، فعندما كانت المسألة تتعلّق بالكرد بشكل عام حينها كانت الدول الإقليمية والدولية تدعم أيّ تحرّك ضد الكرد وتتوحّد المواقف الإقليمية والدولية، وهو ما حدث عام 2019 عندما قامت حكومة إقليم كردستان “حزب الديمقراطي الكردستاني” بإجراء استفتاء للانفصال عن العراق، إلّا أنّ هذا الأمر يختلف عما كان لعدّة أسباب منها:

 

1- الشراكة بين قوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة في محاربة الإرهاب في سوريا.

 

2- الصراع الأمريكي الروسي، فالوجود الأمريكي في شرق الفرات مرتبط بدعم قوات سوريا الديمقراطية، وأي خلل “كعدوان تركي على مناطق الإدارة الذاتية” سيضعف الوجود الأمريكي في سوريا لصالح النفوذ الروسي والنظام السوري، وهو ما حدث بعد قيام دولة الاحتلال التركي باحتلال منطقتي كري سبي وسري كانيه عام 2019ودخول القوات الروسية وقوات النظام إلى شرقي الفرات لأول مرة منذ انطلاق الأزمة السورية عام 2011م.

 

3- تضارب المشروع الاستعماري لكلّ من إيران وتركيا. إنّ ما تصبو إليه تركيا في عدوانها على المناطق المستهدفة لا تخدم الدول الإقليمية وحتى لا تخدم بعض الدول العظمى، فالأطراف المستهدفة من قبل دولة الاحتلال التركي لا تشكل أيّ تهديد للدول الإقليمية ولا تمسّ ما يسمّى بأمنها القومي، بل على العكس هناك علاقات بين بعض الدول الإقليمية مع هذه الأطراف، بل إنّ هذه العملية تخدم فقط الأطماع العثمانية في المنطقة على حساب المشروع الإيراني.

 

لكن في المقابل لا تحتاج تركيا إلى دعم من جميع الدول الإقليمية والدولية، وإنّما بحاجة إلى بعض الدول والضوء الأخضر الأمريكي إلى جانب دعمها حتى تتمكّن من شنّ عدوانها على مناطق الإدارة الذاتية في سوريا ومناطق الدفاع المشروع في باشور كردستان.

 

بعض المواقف الدولية والإقليمية من العدوان التركي المرتقب

 

1- الولايات المتحدة والدول الغربية

 

تمرّ الولايات المتحدة بمرحلة صراع مع كلٍ من الصين وروسيا اللتين تهدّدان نظامها العالمي القائم “التمدّد العسكري الروسي والتمدّد الاقتصادي الصيني”، وهي مرحلة أشبه بحرب عالمية ثالثة؛ وبالتالي فهي بحاجة إلى دعم حلفائها وشركائها في الحفاظ على مناطق نفوذها خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتركيا هي إحدى الدول الرئيسية التي تخدمها في هذه المرحلة، إلّا أنّ العلاقة بين الطرفين قد تدهورت في السنوات الماضية وبالتحديد بعد الانقلاب العسكري المزعوم في تركيا 2016م، وتوجّه تركيا نحو روسيا وإقامة علاقات اقتصادية وعسكرية معها، إلى جانب اختلاف استراتيجيتهما في سوريا؛ فالولايات المتحدة تقوم على دعم قوات سوريا الديمقراطية في محاربة الإرهاب من جهة وعدم السماح بتقوية روسيا والنظام في سوريا من خلال تمركزها في شرقي الفرات، أمّا حليفتها تركيا فتقوم باحتلال كامل المناطق الشمالية لسوريا بعمق 30كم وتدعم التنظيمات الإرهابية، وتحارب قوات سوريا الديمقراطية (شريكة الولايات المتحدة)، وتعمل على تقويض الإدارة الذاتية ومشروعها الديمقراطي، هذا إلى جانب التنسيق الكبير مع روسيا وإيران (أعداء الولايات المتحدة في الأزمة السورية ) “مؤتمرات آستانا وقمم سوتشي”. أمّا بالنسبة لمناطق الدفاع المشروع في باشور كردستان والتي تعتبر منطقة حدودية بين تركيا والعراق وإيران فهي تختلف عن مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا المدعومة من قبل الولايات المتحدة ومن بعض الدول الغربية، فالحكومة العراقية تطالب الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق، كما أنّ الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل دعمت دولة الاحتلال التركي في عملياتها العدوانية السابقة، وبالتالي فإنّ لكُلٍّ من المنطقتين المستهدفتين من قبل دولة الاحتلال التركي خصوصية معينة بالنسبة للولايات المتحدة، فقد تدعم العدوان التركي على مناطق الدفاع المشروع ولا تدعم العدوان التركي على مناطق الإدارة الذاتية؛ خشية تكرار سيناريو العدوان التركي عام 2019 ودخول القوات الروسية والنظام إلى شرقي الفرات، ولكن قد تمنحها ضوءًا أخضر جديدًا لقصف البنى التحتية والمنشآت الحيوية من جديد وعلى نطاق أوسع.

 

كما أنّ تنامي العلاقة بين تركيا وروسيا قد يؤثّر على الدعم الأمريكي، لذا لا بدّ لأردوغان من تقديم تنازلات للولايات المتحدة بخصوص علاقته مع روسيا، وهو ما قد يؤثّر على روسيا سلباً وهي التي غضّت النظر عن إسقاط الدفاعات الجوية للطائرة الروسية، ومقتل سفيرها في تركيا ودعم تركيا للجماعات الإرهابية في سوريا والكثير من الملفّات التي دعمت فيها روسيا تركيا اقتصادياً وعسكرياً؛ وبالتالي سينعكس على تفاهمات أردوغان وبوتين بشأن الشمال السوري المحتلّ.

 

أمّا بالنسبة للدول الغربية، فقد تدعم بريطانيا العدوان التركي على مناطق الدفاع المشروع؛ كونها ما تزال تدعم العمليات العسكرية العدوانية التركية على مناطق الدفاع المشروع، أمّا بالنسبة لفرنسا فلن تدعم العدوان التركي؛ لوجود خلافات كبيرة بين الدولتين، أمّا بالنسبة لألمانيا فقد لا تعارض أي عدوان تركي سواء في سوريا أو العراق وهي التي دعمت الجيش التركي بدبابات ليوبارد2 التي استخدمتها دولة الاحتلال التركي في قصف منطقة عفرين ووقوع ضحايا مدنيين، وقد لا تكون الحكومة الالمانية الجديدة كسابقتها إلّا أنّ العلاقات الاقتصادية بين الطرفين ستؤثّر على القرار الألماني في دعهما للعدوان التركي على المنطقة.

 

2- روسيا

 

قد لا تكون روسيا بأهمية الولايات المتحدة في دعمها للعدوان التركي، إلّا أنّ لها تأثيرًا كبيرًا على تركيا في سوريا والتأثير على القرار الإيراني في حال أثّر هذا العدوان بشكل سلبي على مصالحها في المنطقة، وبالتالي فإنّ الموقف الروسي يتوقّف على التنازلات التي سيقدّمها أردوغان للولايات المتحدة ومدى تأثيرها على مصالحها ووجودها العسكري في المنطقة وبالأخص في أوكرانيا وسوريا. فروسيا على الرغم من تنامي علاقتها مع تركيا إلّا أنّها لا تثق بها ولا يمكن الاعتماد عليها؛ فهي تدرك تماماً أنّ الدولة التركية لا يمكن لها الابتعاد عن الحظيرة الغربية وأنّها عاجلاً أو آجلاً مآلها العودة إلى الغرب، لذا تعمل روسيا قدر الإمكان على الاستفادة من تركيا وحيادها ووضع العوائق أمام العودة التركية إلى الغرب، بحيث لا تكون بتلك السهولة من خلال ربطها بملفّات اقتصادية وعسكرية. من هذا المنطق قد تستغل روسيا التهديدات التركية لزيادة تمدّدها العسكري في مناطق الإدارة الذاتية وجعل “قوات سوريا الديمقراطية” تقدّم تنازلات للنظام السوري خاصة فيما يتعلّق بالنفط والغاز إلى جانب ملفات أخرى، خاصّة إذا استمرّ العدوان التركي في قصف البنى التحتية والمنشآت الصناعية في مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا. أمّا بالنسبة لقيام تركيا باجتياح برّي للمنطقة فمن المحتمل أن تُمنَح تركيا الضوء الأخضر في بعض المناطق التي لا تشكّل أهمية كبيرة لروسيا وفي نفس الوقت تؤثّر على الشراكة بين قوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة الأمريكية؛ كالسماح بشنّ عدوان برّي على كوباني، أمّا بالنسبة لشنّ عدوان برّي واسع فلن ترضى روسيا ولن تسمح لتركيا باحتلال مناطق ذات أهمية استراتيجية كطريق M4 ومنابع النفط والغاز الأراضي الزراعية، فهي تشكّل أهمية كبيرة لروسيا في استحصال فواتيرها من النظام إلى جانب تقوية النظام اقتصادياً.

 

3- إيران

 

لم تكن العلاقة بين الجارتين “إيران وتركيا” جيدة على مر التاريخ؛ أي منذ ظهور الأتراك في المنطقة. إلّا أنّ الأزمة السورية ومؤتمرات آستانا وقمم سوتشي أوجدت هذه العلاقة المؤقّتة. فلكلّ من الدولتين مشروعهما الاستعماري في المنطقة، المشروع الإيراني (الهلال الشيعي)، أمّا المشروع التركي فهو (الهلال العثماني) “الميثاق الملّلي” ومحاولاتهما بأن تصبحا أقوى دولة في المنطقة وفي الشرق الأوسط وذات تأثير كبير على الدول الإقليمية، لذا فإنّ كلًّا منها يحاول بسط سيطرته على المناطق التي ما تزال خارج سيطرتهما لاستكمال مشروعها الاستعماري. لذا تدرك إيران أنّ تبرير تركيا عدوانها على المناطق الإدارة الذاتية ومناطق الدفاع المشروع في باشور كردستان بحجة تأمين حدودها الجنوبية -كما تدعي- لا يخدم سوى مشروعها العثماني فقط ولا يخدم أي دولة إقليمية، بل على العكس إنّ السيطرة العسكرية على باشور كردستان إلى جانب سيطرتها الاقتصادية ستؤثّر بشكل كبير على المشروع الإيراني وعلى نفوذها في العراق وعلى حلفائها، خاصة أنّ عين تركيا على حلب والموصل وكركوك، هذا إلى جانب وقوف دولة الاحتلال التركي إلى جانب إسرائيل، من خلال نشر منظومة S400 على الحدود العراقية- الإيرانية لاعتراض الصواريخ الإيرانية المتّجهة نحو إسرائيل. لذا فإنّ إيران لن تمنح دولة الاحتلال التركي الضوء الأخضر لتركيا لشنّ عدوانها، وقد تعمل على إفشاله ردّاً على الموقف التركي، وهذا ينطبق على مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا.

 

4- العراق

 

لا تمتلك الحكومة العراقية القرار السياسي وهي خاضعة للنفوذ الإيراني والأمريكي؛ وبالتالي فإنّ أيّ قرار ستتّخذه الحكومة العراقية لا بدّ من الحصول على الموافقة الإيرانية بالدرجة الأولى. ومن ناحية أخرى فإنّ العلاقة بين الحكومة العراقية وحكومة الإقليم متوتّرة؛ فالأولى تحاول السيطرة على منابع النفط والمعابر الحدودية وتقليص امتيازات حكومة الإقليم وتقوية الحكومة المركزية، خاصة أنّ العراق قابع تحت أزمات اقتصادية ومنها أزمة المياه الناتجة عن حبس دولة الاحتلال التركي المياه عن الدول المجاورة، وإن وضع يدها بيد دولة الاحتلال التركي ضمن تفاهمات معينة قد يخدم الحكومة المركزية في بغداد في هذه الملفّات، إلّا أنّ النفوذ الإيراني والرفض الشيعي العراقي للوجود العسكري التركي في باشور كردستان قد يشكّل عقبة أمام “السوداني” في دعم العدوان التركي على مناطق الدفاع المشروع.

 

أمّا بالنسبة لحكومة الإقليم فهي منقسمة بين مؤيّد ومعارض؛ فالحزب الديمقراطي الكردستاني ونتيجة لعلاقته العضوية مع دولة الاحتلال التركي، قد يسهّل حركة الجيش التركي ومرتزقته ضمن مناطقتها دون الانخراط في هذا العدوان بشكل مباشر، خوفاً من حدوث اقتتال كردي – كردي، وازدياد الرفض الشعبي لسياستها؛ ما قد يؤثّر على شعبيتها في المنطقة. أمّا حزب الاتحاد الوطني الكردستاني فلا تربطه بدولة الاحتلال التركي أيّة علاقة؛ وبالتالي يرفض الوجود العسكري التركي في باشور كردستان ولا يؤيّد العدوان التركي على مناطق الدفاع المشروع؛ لذا تحاول دولة الاحتلال التركي استقطاب الاتحاد الوطني إلى جانبه كونه يشكّل عنصرًا مهمًّا لإنجاح عدوانها والتقليل من خسائرها.

 

ضمن هذا السياق يبدو أنّ الأرضية بحصول دولة الاحتلال التركي قد لا تكون مهيّأة للحصول على الضوء الأخضر الأمريكي في سوريا، ولكسب موافقة ودعم الدول الإقليمية للعدوان التركي على مناطق الدفاع المشروع، إلّا أنّ كلّ الاحتمالات تبقى واردة لشنّ أردوغان عدوانه على المنطقة والتي تتوقّف على التنازلات والتجاذبات الإقليمية والدولية ومقدار استفادة هذه الدول من هذا العدوان لتحقيق أهدافها في المنطقة. كما أنّ كلّ منطقة من المناطق المستهدفة لها خصوصية معينة، خاصة مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا التي تتمتع بأهمية كبيرة في السياسة الأمريكية في المنطقة، ولا يمكن لها السماح لتركيا بإفشال هذا المشروع في سوريا. لذا فمن الصعوبة لتركيا القيام باجتياح بري على مناطق الإدارة الذاتية في ظل وجود قوّتين كبيرتين “الولايات المتحدة وروسيا”؛ فالأولى تريد تثبيت وجودها في سوريا بعد مطالبة العراق بسحب القوات الأمريكية من أراضيها، والثانية تطمح للسيطرة على المنطقة وإعادة سيطرة النظام عليها. لذا يبقى العدوان التركي الجوي في استهداف البنى التحتية والمنشآت الصناعية هو الخيار الوحيد لها لمحاولة إضعاف الإدارة الذاتية وخلق فتنة داخلية، من خلال عدم قدرة الإدارة على ترميم وإصلاح ما تدمّره آلة الحرب التركية؛ وبالتالي تبقى عاجزة أمام تأمين احتياجات الشعب من مشتقّات نفطية وغاز وكهرباء ومواد غذائية أساسية، كما أنّ اقتراب موعد حصاد القمح والشعير مع موعد العدوان التركي المرتقب قد يحوّل الصيف إلى صيف ساخن؛ من خلال حرق المحاصيل الزراعية في المنطقة. لذا فإنّ المنطقة قد تشهد حرائق كبيرة مفتعلة من قبل الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش المدعوم من قبل دولة الاحتلال التركي، الأمر الذي قد يضع قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية أمام امتحان صعب في الحفاظ على أرزاق المزارعين والتصدّي للعدوان التركي. أمّا بالنسبة لمناطق الدفاع المشروع فهي تختلف وقد تكون الأرضية شبه ممهّدة لشنّ دولة الاحتلال التركي عدوانها عليها؛ بسبب استمرار دعم بعض الدول الغربية للعمليات العسكرية العدوانية التي تشنّها تركيا على المنطقة، إلّا أنّ فشل العدوان التركي أو نجاحه مرهون بمواقف الدول الإقليمية وبالقوى الكردية المعنية. لكن الحقيقة تكمن في عدم قدرة أردوغان على إنهاء حركة التحرّر الكردستانية مهما كان حجم وقوة العدوان التركي ومهما كان عدد الدول الداعمة له؛ كون تركيا قد فشلت على مدار أربعة عقود في إنهاء هذه الحركة لا في الداخل التركي ولا في الخارج.

المصدر: مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

شارك هذا الموضوع على