الأحد, أبريل 21, 2024

استقلال كردستان العثمانية بين سيفر ولوزان (1920 -1923)… حلقة (3/3)

القسم الثقافي

د. آزاد أحمد علي

مجلة الحوار – العدد /81/ – السنة 30- تموز 2023م

6- مفتاح شريف باشا وعقدة بريطانيا

يمكن إحالة الكارثة التي حلت بالمجتمعات الكوردية إلى ثلاثة أسباب رئيسية إضافة إلى جملة الأسباب التي سبق ذكرها. الأول كان خروج الشخصية الدبلوماسية والسياسية الكوردية الاستثنائية من الميدان السياسي، فقد سببت استقالته من رئاسة الوفد في مؤتمر الصلح تراجعاً حاداً في النشاط الدبلوماسي الكوردي داخل كواليس وغرف اتخاذ القرارات في أوربا. إذ كان شريف باشا شخصية ريادية تصدر المشهد السياسي المعارض للأتراك في أوربا. أثبت حضوره كشخصية متنورة وتقدمية ومعارضة للاستبداد. وكان على اتصال وثيق مع الحزب الاشتراكي العثماني في باريس، وغيرها من الاتجاهات العثمانية المعارضة للقوميين الأتراك، بمن فيهم الليبراليين. كما كان قد أسس حزباً، وأصدر جريدة (مشروطيت) الفعالة في باريس. وقد فرض حضوره وأثمرت نشاطاته طوال سنوات (1899 – 1920)، حتى أصبح الشخصية الكوردية الأهم في الساحة الأوربية، لم تصل الى موقعه أي شخصية أخرى. بات مدافعاً صلباً عن حق الكورد في الاستقلال، لدرجة ان عرف في أوربا ب (أبو الكورد). والى جانب ذلك كان من أوائل من طالب بالمساواة بين الأمم والأقوام. حيث كان قائداً اصلاحياً وليبرالياً لدرجة أن خوله بعض الليبراليين الأتراك العثمانيين لتمثيلهم ايضاً في المحافل الدولية.  كان لتسلمه رئاسة الوفد الكردي في مؤتمر الصلح صدى إيجابي تكامل مع باقي العوامل لتتحول مسألة استقلال كوردستان إلى قرارات دبلوماسية، وخطوات تتجه نحو التطبيق.

لقد بات شريف باشا مفتاحاً لفتح العديد من الأبواب المغلقة في وجه الكورد، وبات على بعد خطوة لإيجاد حل عادل للمسألة الكوردية. وعلى صعيد الجبهة الداخلية الكوردية، تحول إلى رمز توحدت النخب تحت قيادته، وعقدوا عليه الآمال، ولو لفترة قصيرة. إلى ان تقوضت كل تلك الإنجازات، عندما أرغم على الاستقالة من قبل الشيخ عبد القادر، الزعيم الكوردي الأبرز في سنوات الحرب العالمية الأولى. وكاد شريف باشا أن يقترب من فك العقدة البريطانية – الفرنسية في دعم وترجمة عملية استقلال كوردستان.

أما السبب الثاني الأكثر تأثيراً على مصير كوردستان فقد نتج عن التخبط البريطاني، واضطراب تعامله مع ملف استقلال كوردستان عاماً بعد آخر. إذ كانت في البدء بريطانيا هي صاحبة مشروع تحرير وتوحيد كردستان. حتى أن ماكدول قد أورد تفاصيل ومقتطفات من الوثائق البريطانية التي تبين قدرة بريطانيا الأكيدة يومئذ على حل المسألة الكردية حلا جذريا. مستعرضاً مراسلات ارنولد توينبي مع مارك سايكس، والتي تضمنت مقترحات عديدة حول توحيد كردستان. وهي عبارة عن عمليات اقتطاع وضم شملت حتى كوردستان الإيرانية: “في صيف 1921 أغرت نجاحات سمكو بريطانيا بإمكانية قيام كيانٍ كردي مستقل مقتطع من تركيا وإيران. ورغم أنها شكت في أن إيران سوف تسهل مرور القوات التركية إلى العراق من خلال أراضيها، فإنها قاومت، أي بريطانيا، مثل هذه المغامرة، هذه المرة بسبب مخاطر تفكك الحدود التركية ـ الإيرانية.”  (2004، ص 234)

كما شاركت بريطانيا فرنسا حماسها في دعم استقلال الشعوب، بعد انتهاء الحرب العالمية، إذ: “صرحت كل من بريطانيا وفرنسا في 7/11/1918 بأن هدفها هو التحرير الكامل والنهائي للشعوب التي عانت من اضطهاد الأتراك لفترة طويلة وإقامة إدارات وحكومات قومية والتي سوف تستمد سلطتها من الممارسة الحرة لروح المبادرة والاختيار لسكانها الأصليين” (ماكدول،2004، ص261)

رغم التخبط والاضطراب في السياسية البريطانية اتجاه الكورد، لكنها رجحت مصالحها بسهولة، وعوضاً عن توحيد كوردستان سعت لتشكيل دولة العراق عملياً. وعلى ما يبدو حسم تشرشل ورجح هذا القرار، حيث تم التخلي نهائيا عن فكرة السماح بإقامة دولة كردستان المستقلة لصالح الحفاظ على جزء منها، أي ولاية الموصل، لتضم نهائياً إلى دولة العراق، إذ صرح في آذار عام 1921 وزير الخارجية آنذاك، تشرشل: “أن مقتضيات إقامة الدولة العراقية أهم من المطالب الخاصة للأكراد.” (ماكدول، 2004، ص 267)

وهكذا تراجعت بريطانيا عن وعودها للكورد بالاستقلال الذاتي، خطوة فخطوة، وفرضت الحكم العربي على الكورد، بحسب ماكدول: “كذلك فإنه من المشكوك فيه أن الإدارات العربية المتعاقبة قد نوت تحقيق التزاماتها أبدا … لقد فرض الحكم العربي المباشر على الأكراد حال بروز طبقة جديدة بينهم تتمثل بالمشتغلين بالثقافة من غير القبليين في مدن كردستان. ومن سوء حظهم أنه في الوقت الذي باتوا فيه جاهزين لتحريك الأكراد كشعب وليس كقبائل، كانت بريطانيا قد تخلت عن عرضها في تقرير المصير” (2004، ص243). وبتجميع الكم الكبير من القرارات والمواقف التي اتخذتها بريطانيا بحق المجتمعات الكوردية، بدءاً بمحاربة مشروع استقلال الامارات الكوردية في أواسط القرن التاسع عشر، وحتى التوقيع على معاهدة لوزان، وما نتج عنها من دعم بريطانيا لكل من حكومتي أنقرة وبغداد في قمع الحركات التحررية الكوردية، تبدو بريطانيا ليس فقط في موقع المسبب بإعادة تقسيم وإلحاق كوردستان بدول المنطقة فحسب، بل تتحمل مثل الحكومات التي دعمتها وزر جرائم الحرب، والابادة الجماعية التي لحقت بالمجتمعات الكوردية طوال أكثر من مئة وخمسين سنة.

أما السبب الثالث الذي سرع من عملية خسارة الكورد في ذلك المنعطف التاريخي، فقد تلخص في الحسابات الخاطئة للنخب والزعامات الكوردية، وخاصة أن حساباتهم غير الدقيقة، لم تميز بين خصوصية الشعوب المنضوية تحت سلطة الحكم العثماني، التي بات تحررها أمراً محتوماً، لأن موقع هذه الشعوب جغرافياً وثقافياً كان مختلف تماماً عن موقع الكورد في مركز السلطنة العثمانية. فقد انخدعت الزعامات الكوردية بوعود الدول الأوربية، وبالغت في محاربة العثمانيين والابتعاد عنهم، ولم تقدر قيمة العلاقة العضوية بين الكورد والعثمانيين، كما أساءت تقدير في الوقت نفسه درجة كراهية القوميين الترك لمسألة تحرر الكورد. حتى شكل تعاون قطاع واسع من الكورد مع مصطفى كمال وتياره الشعرة التي قصمت ظهر الكورد إلى حين.

7- معاهدة لوزان كمدخل للانتقام من المجتمعات الكوردية

لقد كانت من نتائج وسياسات مرحلة ما بعد لوزان، هو التعاون بين القوى الموقعة على الاتفاق في سبيل ضرب حركات الاستقلال الكوردية، والمساهمة العملية في استقرار ووحدة تركيا، وسلامة حدودها الدولية. فقد تعاونت كل من بريطانيا وتركيا وروسيا وإيران في قمع انتفاضة آكري الكوردية – الأرمنية: “اتخذ سحق انتفاضة آكري – آرارات، التي شارك فيها الى جانب الكورد مقاتلون أرمن من الطاشناك، شكل تدمير واسع للقرى الكردية، بحسب وصف الصحافة التركية. وقد استند قمعها على تعاون نشيط بين تركيا وبريطانيا العظمى وإيران والاتحاد السوفيتي. أخيراً، كان قمع انتفاضة ديرسم التي اندلعت 1935 في أعقاب قانون بإخلاء غير مشروط لمنطقة ديرسم من السكان، قد اتخذ بعداً شبيهاً بالابادة الجماعية، بحسب مارتن فان برونسون. وقد عدت على أنها حرب استقلال داخلية.” (بوزرسلان، 2010، ص59)

وعلى الرغم من هذا التعاون الدولي والإقليمي مع تركيا، للحفاظ على دولتها المركزية، ولقمع الحركات الاستقلالية الكوردية، والأرمنية بدون شفقة، ظلت سلطات تركيا الحديثة تعاني من حالة رعب وعقدة المستعمر المحتل، الذي ضخم من ميزانيته العسكرية على حساب التنمية والرفاه الاجتماعي. لقد عانت الحكومات التركية المتعاقبة من فكرة خطر تناثر وانقسام تركيا، لذلك قاوموا الحركات الاستقلالية الكوردية بعنف وقمع دموي، عبر تدمير آلاف القرى والبلدات بطريقة ليس لها نظير. بل أعادوا الحسابات، وفتحوا من جديد صفحة كل الشعوب التي قامت بحركات الاستقلال ضد العثمانيين، لذلك صبوا كل حقدهم على الشعوب التي قاومت الأتراك، وخاصة العرب، عبر الانتقام المتأخر من الكورد: “كانت السلطة الكمالية في الواقع موسومة بتناذر فكرة تجزئة تركيا. فكان قمع المقاومة الكردية يعتبر الشرط اللازم للتخلص من هذه اللعنة. وهكذا في عام 1925، أعدم الشيخ سعيد ورفاقه ليس فقط لأنهم تمردوا وإنما أيضاً لأنه كان ينبغي عليهم أن يكفروا عن الذنوب الانفصالية لباقي الشعوب الإسلامية. فكان قرار الإدانة ينص: (ان دوافع وأسباب التمرد الأخير في المقاطعات الشرقية من الوطن التركي الخالد هي مماثلة لتلك التي ثارت، في ماض ليس ببعيد، في البوسنة والهرسك المحاطة من ثلاث جهات بأعراق ليست تركية ولا مسلمة، ولتلك التي دفعت الألبان، رغم خمسة قرون من إخاء، الى طعن الأتراك في الظهر، وهم اللذين لطالما أظهروا محبة كبيرة لمواطنهم… إن الهدف والغاية اللذين ولدا الثورة الكردية هما ذاتها اللذين كانا قد أفسدا سوريا وفلسطين. البعض منكم منقادون بأنانيتهم، وآخرون بنصائح من الدعاية الأجنبية وبأطماع سياسية، ولكنكم جميعاً متفقون على نقطة واحدة، ألا وهي إقامة كردستان مستقلة، سرتم الى الأمام. وعلى أعواد المشانق سوف تدفعون ثمن المنازل المدمرة، والدم المراق.” (بوزرسلان، 2010، ص60)

وهكذا كما تم ملاحظته، فقد دشنت اتفاقية لوزران من جديد، لشوط آخر من مسيرة الدم والمشانق والاعدامات ضد الكورد، ولم تتوقف سياسات تدمير القرى وترحيل سكانها منذ ذلك الاتفاق. ولا يعاني الدارس صعوبة في الاستنتاج على أنه قد ساعدت أنقرة في سياساتها القمعية كل من دول الحلفاء وروسيا السوفيتية للسير بهذه السياسة، وتسهيلها كمقدمة لتسهيل عملية توزيع الأراضي بين الدول الجديدة، وتجنب الخلاف على رسم الحدود فيما بينها. وبالتالي انعكست هذه السياسات الجديدة بشكل مباشر على توزيع الأراضي بين الدول الكولونيالية المنتصرة. ومن ضمنها كوردستان العثمانية، التي انقسمت بشكل رئيس بين ولاية الموصل، والجزيرة الفراتية وما تبقى منها من أراضي الولايات ذات الغالبية الكوردية في شرق جمهورية تركيا الجديدة.

لقد جاءت اتفاقية لوزان لتلغي اتفاقية سيفر التي كانت تفتح المجال لنشوء دولة كوردية كبيرة، ودولة أرمنية، وبالتالي كانت ستخسر تركيا شرق الأناضول وأعالي الجزيرة الفراتية بشكل نهائي. لكنها رفضت هذا البند، وقاتلت في سبيل إلغائه، وهذا ما تم. وقد سبق أن جعل أتاتورك من بند استقال كوردستان في سيفر، وتوقيعها من قبل حكومة السلطان أداة قوية لمحاربتها بل تخوينها: “لقد عقد الصدر الأعظم الدامداد فريد باشا الذي خان تركيا معاهدة مع الإنكليز، وافق فيها على انفصال كردستان عن تركيا. وقد نشرت هذه الاتفاقية في الصحف الفرنسية..” (لازاريف، 2013، ص409)

وفي المحصلة ربحت تركيا وكذلك الطرف العربي الذي ساندته التوجهات البريطانية، والصهيونية كمقدمة لتسوية سياسية كبرى: “على اثر انتصار الأتراك على اليونان عقد مؤتمر من الحلفاء في مدينة لوزان للاتفاق مع تركيا على معاهدة جديدة فعقدت معاهدة لوزان في 24 تموز 1923 التي نصت على القضاء على استقلالية أرمينيا واعادتها الى تركيا وعن تخلي اليونان عن أزمير وتراقيا الشرقية واعادتها أيضا الى تركيا وعن الغاء المراقبة الدولية على المضايق على ان تحترم تركيا حرية العبور فيها. وأخيراً نصت هذه المعاهدة على الغاء الامتيازات الأجنبية التي تمتعت بها الدول الاوربية في الدولة العثمانية ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف، وهكذا نسفت معاهدة سيفر ولم يبق منها سوى تنازل تركيا عن البلاد العربية.” (حماده، 1935، ص183)

وهذه التنازلات الكبرى جاءت تحت ضغط بريطاني – فرنسي – إيطالي ويهودي في الظل، للاستفادة من عدم قدرة المجتمعات العربية على إدارة نفسها، وترسيخ نظام كولونيالي اوربي تحت بند سياسة الانتداب في البلاد العربية، التي مهدت جميعاً لتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وقد يكون لهذا الاحتمال قدرة على تفسير تفضيل بريطانيا لإنشاء كيانات عربية، وتزعم عائلة الشريف حسين لثلاثة منها: “ففي لندن لم يتخذوا الخيار النهائي بعد، فإما أن يعقدوا الرهان الأساسي على دولة كردية كبيرة نسبياً تضم كردستان الشمالية والجنوبية والغربية. واما الاعتماد على الأوساط العربية القومية المتنفذة في بغداد ودمشق ومكة.” (لازاريف، 2013، ص338)

ومن حيث لا تدري المجتمعات العربية جاءت معاهدة لوزان في المحصلة لصالحها، خاصة من زاوية تأمين السيادة القومية لها، وضم الأراضي الكوردية الى كل من دولتي سوريا والعراق الناشئتين.

 8- معاهدات كتبت بيد الشيطان

المسألة الجوهرية بالنسبة لبحثنا هذا هو ان كوردستان العثمانية قد قسمت ووزعت على ثلاث دول وربما أربعة، بل خمسة بشكل دقيق، إذا أخذنا كوردستان الحمراء التي ضمت الى آذربيجان، ومناطق كوردية صغيرة أخرى ضمت الى جمهورية أرمينا السوفيتية. وعلى الرغم من معارضة حكومة أنقرة، إلا أن التسوية كانت لصالحها، وعلى حساب الكثير من الخلافات والجزئيات، ولكن الخاسر الوحيد والأكبر كان شعب كوردستان، وكيانه الجغرافي الواسع، ومجتمعاته المنتجة النشيطة، التي تم تحطيمها بمنهجية، وبموافقة العديد من الدول وخاصة: (بريطانيا – فرنسا – روسيا، ايطاليا، اضافة الى إيران وألمانيا). وضمنا أمريكا، في صيغة تلخصت بعملية تخلي ويلسون عن مبادئه، وانسحابه من المشهد السياسي. فضلا عن صعود الحكم العربي في العراق بقيادة الملك فيصل بن الحسين، وتشكيل حكومة أخرى عربية في دمشق تحت الانتداب الفرنسي.

باختصار نذكر بأبرز نتائج لوزان، خاصة البند الأهم، الذي غير مصير منطقة شمال الشرق الأوسط،

وقد كان البند الأهم بصفة مطلقة لتركيا، وهو استرجاع منطقتي أزمير واسطانبول، وطي صفحة الاستقلال الكوردي، وبالتالي ضم كل مناطق شرق الأناضول، والقسم الشمالي من الجزيرة الفراتية رسميا اليها. ولم تعد تركيا كما كانت بموجب اتفاقية سيفر رقعة صغيرة محاصرة ضمن الأناضول، وإنما عادت بموجب اتفاقية لوزان الى حجمها ومساحتها المعاصرة، لتمد سلطتها من جديد الى حدود إيران شرقاً، والمضائق البحرية، وحدود اليونان غرباً. كما بات تطبيع العلاقات مع الدول الأوربية التي خاضت تركيا العثمانية الحرب ضدها من ثمار اتفاقية لوزان، وبالتالي تم التأسيس لصيغ مستقبلية جديدة من التعاون الثنائي.

من حيث الجوهر والمخرجات، شكلت معاهدة لوزان انتصاراً سياسيا لشخص مصطفى كمال، وكانت بالتالي الخطوة الأولى نحو تأسيس الجمهورية التركية، وطي صفحة (الخلافة والسلطنة العثمانية التي وقعت على معاهدة سيفر وقبلت بها، ثم اتهم الموقعين بالخيانة من قبل الاتحاديين الأتراك). وخاصة أتاتورك كما سبق ذكره.

يمكن التكثيف والاختصار، وترجيح الرأي الذي يميل إلى أن خسارة الحكم العثماني تجسد في سيفر، في حين ترجم انتصار التيار القومي الكمالي في معاهدة لوزان. اذ أن لوزان مهدت لنشوء جمهورية مركزية صلبة، وساهمت في تعويم التيار الكمالي، وبالتالي فتح المجال سياسياً ودبلوماسياً أمام ما عرفت لاحقاً (كماليزم) كأحد الحركات القومية الراديكالية العلمانية في النصف الأول من القرن العشرين.  وساعدت مخرجات لوزان في تحقيق شعاراتها الحادة: (دولة واحد، لغة واحدة، علم واحد). إذ ساعدت تركيا الكمالية في ذلك النهج، كل من بريطانيا، فرنسا، أرمينيا، آذربيجان، التابعتان للاتحاد السوفيتي، كما ساهموا في تفتيت وهضم ايالة كوردستان العثمانية الكبرى. هذه الايالة التي كان من الصعب على تركيا الجديدة والضعيفة من الناحية الديمغرافية من حكمها، أو هضمها لوحدها، لذلك قسمت حتى باتت سهلة الهضم من قبل ثلاث جهات كولونيالية. على الرغم من الاعتراض من قبل القيادة التركية التي كانت واثقة من نفسها، وتدعي قرب الكورد منهم، ورغبتهم في العيش ضمن حدود تركيا. اذ طالت السجالات والصراعات مع بريطانيا بخصوص ضم ولاية الموصل الى دولة العراق.

في حين رد كيرزون[1] بقوة ضد الحجج التركية مبيناً أن الكورد كانوا دائماً مستقلين عنكم: “امام حجج الأتراك اصر كيرزون معبراً عن موقف بريطانيا، على أن الأكراد عاشوا على الدوام حياة مستقلة أم الأتراك فلم يفرضوا قط اشرافاً فعالاً على كردستان الجنوبية، واثناء الحرب قام الأكراد بمساعدة الإنكليز وليس الأتراك.” (لازاريف، 2013، ص467)

اختزلت سجالات ومفاوضات هذه المرحلة المسألة الكوردية من قضية الاستقلال العامة لكوردستان الى مستقبل ولاية الموصل، التي أصر الوفد التركي برئاسة اينونو على عثمانيتها وكرديتها. وبالتالي كان هذا التقلص والانحدار بمستوى القضية الكوردية لصالح الجمهورية التركية والدول الناشئة.

ان نظرة مجردة وموضوعية الى ما حدث في باريس أثناء مفاوضات الصلح، وما نجم عنها من مناورات ومساومات، من اتفاقيات ومعاهدات بين الدول الكبرى، والتي توجت بمعاهدة لوزان تجعل المتتبع يتفق تماماً مع ما علق به الديبلوماسي الأمريكي جورج كينن على معاهدات الصلح بعد الحرب العالمية الأولى، حيث قال: (لقد دونت مآسي المستقبل في هذه المعاهدات بيد الشيطان)[2]. فأقل ما يمكن أن يقال عنها أنها لم تستطع تجنب البشرية مأساة حرب عالمية ثانية. (مظهر،2013، ص356)

وفي المحصلة فتحت معاهدة لوزان الطريق لمسار السياسات القومية المركزية التركية العنيفة التي لم تحرم الكورد من حقهم في تقرير المصير السياسي فحسب، بل فتحت أوسع الطرق وأمنت المساعدات اللوجستية للقيادة التركية كي تشن حرب طويلة الأمد ضد الكورد والأرمن، وعلى نطاق أضيق ضد اليونان.  قامت بحملات دموية تحققت عبر مجازر، وحروب إبادة جماعية، فضلاً عن عمليات احلال سكاني، وهندسة ديمغرافية عنصرية داخل عموم تركيا، ومناطق كوردستان في شرق الأناضول وشمال غرب نهر الفرات بشكل خاص. لقد كانت معاهدة لوزان غير عادلة، وغير أخلاقية كما وصفها القنصل الروسي والأكاديمي، وعضو جمعية باريس الآسيوية، ولخص رأيه حول اتفاقيتي سيفر ولوزان واشكالية طي صفحة الدولة الكوردية، مدوناً: “بأن لوزان لم تكن عادلة وتظل متخلفة وغير أخلاقية”. وذلك في رسالة الى جريدة لومتان (الزمان) الفرنسية في سنة 1937، ولم تنشر الرسالة في حينها، وإنما نشرت في كتابه الكورد دراسة سوسيولوجية وتاريخية: “من الممكن أن تكون معاهدة (سيفر) قد فسرت تفسيراً سيئاً من وجهة النظر السياسية ولم يعد تطبيقها ممكناً في النتيجة. إننا لا نريد بأي وجه في هذا المجال إعادة بناء التاريخ الدبلوماسي لآسيا الصغرى ما بعد الحرب، ولكن المعاهدة المذكورة كانت قد استصوبت ضمن أساس الاعتراف بمبدأ وجود كردستان مستقل ذاتياً، تقدم المبادئ الأخلاقية الدولية، في حين أن معاهدة لوزان لم تأخذ هذا الموضوع بنظر الاعتبار بمزيد الأسف، فهي من حيث تقدم وتطور الحقوق الدولية معاهدة متخلفة.” (نيكيتين، 1998، ص498).

وبعد مرور قرن على توقيع اتفاقية لوزان تتضح أكثر الخيوط المتشابكة للسياسة الدولية، وتفصح جزئياً عن أبعاد الشراكة الكولونيالية بين كل الموقعين على هذه الاتفاقية، إضافة الى تعاون روسيا من خارج قاعة المجتمعين، وعبر حضورها الضعيف لمناقشة موضوع المضائق. لدرجة أنه يمكن التعبير عن هذه الشراكة بجملة واحدة، وتوثيقها بقلم باحث أكاديمي تركي أصيل، كحصيلة لدراساته المستفيضة حول مآل المجتمعات الكوردية بعد اتفاقية لوزان: “كوردستان مستعمرة دولية”[3].

لقد دفع الشعب الكوردي ضريبة باهظة لكون بلاده تحولت منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين الى مستعمرة دولية، بمعنى أن القوى الكولونيالية لجمت حق تقرير مصيرها السياسي، وتم تقسيم كوردستان العثمانية، والتدخل في شؤونها من قبل مجموعة من الدول. حتى نهبت ثرواتها، خاصة النفط، والمحاصيل الزراعية. وتم تحطيم المستقبل السيادي للكورد نتيجة الدبلوماسية السرية للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وبراغماتيتها في التعامل مع صعود القوميين الأتراك، وتعاونهم مع السوفييت لترتيب منطقة القفقاس وكوردستان. كما عملوا معاً لتوفير المناخ في الشرق الأوسط لولادة دولة إسرائيل، وتسهيل تنفيذ وعد بلفور الذي أعلن عنه سنة 1917م. مما تطلب ارضاء القوميين العرب، وتعويم الحكم الهاشمي عن طريق منح حق حكم سوريا، فالعراق والأردن لهم.

——————-

[1] اللورد جورج كورزون (1859 -1925)، وزير الدولة للشؤون الخارجية في بريطانيا (1919 -1924)

[2]   للتفاصيل راجع:

F. Kennan, American Diplomacy 1900 – 1950, Seventh Printing, New York, 1959. P61

[3] كردستان مستعمرة دولية. عنوان كتاب للدكتور إسماعيل بيشيكجي. ترجمة: زهير عبد الملك. السويد -1998

×××××

المراجع والمصادر بحسب نظام هارفرد:

آلاكوم، روهات (2004)، شريف باشا السنوات العاصفة لدبلوماسي كردي. ترجمة: شكور مصطفى. إقليم كوردستان العراق. دهوك
أورهونلو، جنكيز (2005)، إسكان العشائر في عهد الامبراطورية العثمانية. ترجمة: فاروق مصطفى. دمشق
بوزرسلان، حميد (2010)، تاريخ تركيا المعاصر. ترجمة: حسين عمر. الدار البيضاء. المغرب
بيشيكجي، الدكتور إسماعيل (1998) كردستان مستعمرة دولية. ترجمة: زهير عبد الملك، السويد
حسرتيان، وجليل، جليلي (1992). الحركة الكردية في العصر الحديث. ترجمة: عبدي حاجي. بيروت
لازاريف. الحركة الكوردية 1917 -1923. ترجمة: عبدي حاجي. ط2، دهوك.
حماده، محمد عابدين (1939)، التاريخ المعاصر وفقاً لبرنامج البكالوريا السورية، دمشق
سلطان، الدكتور علي (1987)، تاريخ سورية (1908 – 1918) نهاية الحكم التركي. جزء أول، دمشق

تاريخ سورية (1918- 1920) حكم فيصل بن الحسين. جزء ثاني. دمشق 1987

مظهر، الدكتور كمال أحمد (2013)، كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى. ترجمة: محمد الملا عبد الكريم، بيروت
مكدول، ديفيد (2004)، تاريخ الأكراد الحديث. ترجمة: راج آل محمد، بيروت.
ماريسكوت، اليزابيت (2022)، الجمهورية التركية والمسألة الكوردية. مواجهة مأساوية. ترجمة عن الإنكليزية: رضوان شيخو. تقديم ووضع الهوامش علي جزيري، أربيل
شانيولو، جان بول. و سياح، سيدي (2006). مسألة الحدود في الشرق الأوسط. تعريب حسين حيدر، بيروت
زكي، محمد أمين (1985). خلاصة تاريخ الكرد وكردستان. بيروت
رباط، إدمون (2020)، تطور سوريا السياسي في ظل الانتداب. ترجمة: سليمان رياشي، بيروت
نيكيتين، باسيلي (1998)، الكرد، دراسة سوسيولوجية وتأريخية. ترجمة الدكتور نوري الطالباني، بيروت
المراجع باللغتين الكوردية والإنكليزية:

-Serhat Bozkut, Alişan Akpinar, Rûken Alp) 2011(, KURDISTANA OSMANî, ISTANBOL.

-Kennan, G. F. (1959) American Diplomacy 1900 – 1950, Seventh Printing, New York -Treaty of Peace. (1920), London. His Majesty’s Stationery office.

– Dr. Michael Izady for the Atlas of the Islamic World and Vicinity (New York, Columbia University, Gulf 2000 Project: 2006-present

شارك هذا الموضوع على