الإثنين, مايو 20, 2024

الحياة الخفية للأشجار

القسم الثقافي

إعداد وترجمة: رئيس التحرير

مجلة الحوار- العدد /82/- السنة 30 – 2023م

تبين الدراسات الحديثة أنّ الأشجار كائنات حية تماماً، وللأشجار حياتها الخاصة، وربما السريّة، وكذلك الاجتماعية، كما ورد في كتاب بعنوان: The Hidden Life of Trees أي الحياة الخفية أو السرية للأشجار، من تأليف: Peter Wohlleben (بيتر فولليبن)، الذي أمضى أكثر من عشرين عاماً في العمل في لجنة الغابات في ألمانيا، ثم قام بوضع أفكاره المتعلقة بالبيئة موضع التنفيذ. وهو الآن يدير غابة صديقة للبيئة في ألمانيا، حيث يعمل من أجل عودة الغابات البدائية. وهو مؤلف للعديد من الكتب عن الأشجار. والكتاب أعلاه هو أحد أكثر الكتب مبيعاً (بحسب نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنال)، كما هي من أكثر الكتب المحبوبة في عصرنا، الكتاب الذي يقوم بوصف مضيء للغابة، ويؤسس للعلم الذي يوضح لنا كيف تتواصل الأشجار، وتشعر، وتعيش في الشبكات الاجتماعية.

 خبير الغابات بيتر فولليبن

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 2016 ثم صدرت منه طبعات جديدة.

فتح هذا البحث الأعين على حقائق جديدة حول الأشجار والغابات. وعلى العمليات المذهلة التي تحدث في الغابات كل يوم. حاول عالم الغابات الإجابة على سؤال قديم: هل الأشجار كائنات اجتماعية؟ أكدّ الحراجي والباحث بيتر بشكل مقنع أن الغابة عبارة عن شبكة اجتماعية، وأن الشجرة عضو في مجتمع متكامل. أنه يعتمد على اكتشافات علمية رائدة تصف كيف تشبه الأشجار العائلات البشرية: يعيش آباء الأشجار معاً مع أطفالهم، ويتواصلون معهم، ويدعمونهم أثناء نموهم، ويتشاركون العناصر الغذائية مع المرضى أو الذين يعانون، بل ويحذرون بعضهم البعض من المخاطر الوشيكة. يشارك فولليبن أيضاً حبّه العميق للغابات، موضحاً العمليات المذهلة للحياة والموت والتجدد التي لاحظها في غابته، التي يدرسها باستمرار. لقد قدّم عالم الغابات والأشجار الألماني بيتر معلومات جديدة ومذهلة حول السوية الحية والإدراكية للأشجار، وتابع رصد حياة الأشجار المعمّرة في العالم، وحدّد أقدمها على الاطلاق. مع إدراج صور مذهلة كبيرة الحجم للأشجار من جميع أنحاء العالم، لإظهار الأشجار بكل مجدها وتنوعها.

جدير ذكره أن الأشجار تظل الكائنات الحية الأطول عمراً، فقد بيّنت العديد من الدراسات ان عمر بعض الأشجار تصل الى حوالي 5000 خمسة آلاف سنة. وهذا ما شكل جانباً من دراسته التي سلّط الضوء فيها عليه.

من خلال اللغة الغنية على الترابط بين النظم البيئية والغابات والنظم الاجتماعية، قدّم الباحث أيضاً رؤى رائعة حول طريق الاتصال الفطري السريع المعروف باسم «الشبكة الخشبية العريضة»، ودروس الحياة الصعبة المستفادة في مدرسة الأشجار، وأطقم التنظيف الطبيعية المجتهدة التي تعيد تدوير الأشجار الميتة. اعتمد الباحث على تفاصيل الصور الجميلة كتكملة مثالية للكلمات والمصطلحات، مع لقطات مقرّبة مذهلة من اللحاء والبذور، وصور بانورامية لمساحات شاسعة من اللون الأخضر.

البحث مثير لدرجة أن وصفت جريدة واشنطن بوست اكتشافاته على أنها: «إعلان الحب ومقدمة مثيرة للاهتمام حول الأشجار، مليئة بالحقائق والرهبة التي لا تخجل من الطبيعة.» كما أعقبت مجلة نيويورك ريفيو للكتب على المضمون: «يفتح آفاقاً جديدة تماماً… لقد استمع [بيتر فوليبن] إلى الأشجار وقام بفك رموز لغتها. وهو الآن يتحدث نيابة عنهم.»… وصرح آخرون على أنه: بعد قراءة هذا الكتاب، المشي في الغابة لن يكون كما كان مرة أخرى.

في الختام يتضح أن الاعتداء على حياة الغابات والأشجار يأتي في الدرجة الثانية بعد الاعتداءات على الحياة البشرية والحيوانية. فثمة العديد من الدراسات الحديثة ترجح القناعات القديمة لدى الشعوب بوجود أرواح للأشجار بعضها مقدّس. فقد اعتبِرت الأشجار مقدّسة عندما كانت هذه الشعوب قريبة من الطبيعة. فعلى سبيل المثال يؤمن السلت والجرمان أن لكل شجرة روح حكيمة، ولهذه الروح وجهاً يمكن مشاهدتها على جذع الشجرة، كذلك يمكن سماع صوتها عندما يلامسها الهواء. في المعتقدات الشرقية عموماً وعند الكورد تنتمي الشجرة إلى العوالم المقدسة، بلغت الذروة في التاريخ القديم حيث مثلّت لقاء الانسان مع الآلهة، والآلهة بالإنسان. وربما من هنا ولدت ظاهرة النذور التي يقوم أبناء الكثير من شعوب الأرض عبرها تعليق قطعة قماش على الشجرة، إضافة الى النذور التي يقوم بها المتزوجات اللواتي يرغبن بالإنجاب، وهي عادة شائعة لدى العديد من الشعوب.

كما يعتبر الهنود الحمر أن أرواح البشر تقيم بعد مغادرة الجسد في الأشجار لهذا تكثر الأشجار في المقابر، وخصوصاً تلك الأشجار العتيقة لذلك يحظر قطع أغصان هذه الأشجار عندهم.

وأخيراً ما حدث ويحدث في جبل الكورد – عفرين بعد الاحتلال التركي المستمر منذ العام 2018 من عمليات قطع لأشجار الزيتون وتجريف للغابات على نطاق واسع وبشكل ممنهج يشكّل انقلاباً على التراث الإنساني الجميل الذي يحترم ويقدّس الأشجار، كما يندرج ضمن الجرائم ضد الحياة والبيئة الحية، وستظلّ هذه الجرائم مسجّلة ومحفوظة ضمن منظومة مجتمع أشجار الزيتون المقدسة والنبيلة.

شارك هذا الموضوع على