الثلاثاء, أبريل 23, 2024

الذي خسر رأسه .. عثر عليه في (مالمو) بمملكة السويد – مؤيد عبد الستار

القسم الثقافي

هذه القصة كتبت باللغة الكوردية في سنة 1984 ، وتم ترجمتها إلى اللغة العربية من قبل الكاتب القدير المرحوم عبدالستار كاظم ونشرت في صحيفة ( العراق ) في نفس الـسنة ، وفي سنة 2003 تم طبع هذه القصة مع مجموعة أُخرى من قصصي المترجمة للغة العربية من قبل نخبة من الأدباء الكورد تحت عنوان ( طريق الكبش ) .. هذه القصة قريبة من نفسي وحياتي ولاقت رضا القراء في تلك السنوات ؟؟
شكري وتقديري الكبير للأستاذ الرائع الدكتور مؤيد عبدالستار كاظم لجهوده الخيرة في المتابعة ونشر القصة في مجلة ( تموز) الغراء وإرسال نسخة منها إلي بالبريد .

****************

خسر رأسه
قصة : محمد سليم سواري
ترجمة : عبدالستار كاظم

في وقت متأخر عصراً ، وصلتُ والرسول الذي حمل إلي نبأ وفاة أبي إلى ضواحي القرية .
لم تملأ القرية عيني كما كانت سابقاً ، قلت في نفسي : ” ترى هل أن القرية خجلى مني لوفاة أبي كي تبدو بائسة ؟ أم أن الدموع التي ترقرت في عيني وإنحدرت تباعاً جعلتها تبدو لي بائسة ؟
لما رفعت رأسي وقع بصري على التلال والجبال المحيطة بالقرية ، والطبيعة قد جعلت منها فراشاً أخضراً .. إلا أن صفرة الشمس عند المغيب جعلتها تبدو بائسة حزنى في ناظري .. لست أدري هل أن قلبي هو البائس الحزين ؟ أم أن الصفرة هي التي جعلت هذا الربيع يبدو بائساً حزيناً ؟
لم يكن لي إلا أن أتخصر بيدي إذ أن ظهري قد إنحنى وأحسُ كأن حملاً ثقيلاً يرهق كاهلي وأن حملاً ثقيلاً آخر بإنتظاري .. وقبل أن أزيح يديَ عن خاصرتي وضع الناعي يده فوق كتفي وقال :
ــ لا تحزن يا أبن أخي .. الحزن لا ينفع .. الموت طريق لنا جميعاً.
قلت :
ــ كيف توفى والدي يا خالي ( عمر )؟
قال :
ــ یا إبن أخی .. إنه توفی ! إن الله عندما خلقه ، كتب علیه هذا .
توقف عن السير وهو يطلق كلمته تلك ، فأستدرت إليه نصف إستدارة وقلت :
ــ أتظن أنهم لم يُدفنوه حتى الآن .. ياخال ؟
ــ ياحياتي ..لا أظنهم قد دفنوه .. في الحقيقة أراد عمك ومرشد القرية أن يدفناه بسرعة قبل حلول الظلام وحاولا كثيراً ولكي يكف عن البكاء عليه، غير أن والدتك أبت ذلك وقالت : ” إننا لا نملك في الدنيا إلا ولدنا الوحيد، فإن الجثة لا تدفن حتى وإن أراد ذلك كل مَن في الأرض إلا أن يأتي أبني الوحيد .
قال الخال (عمر) ذلك وتغيرت نبرات صوته إذ غلب عليه البكاء وتحشرج الكلام في صدره فحدستُ إنه وبسبب البكاء لا يستطيع أن يروي لي بقية ما في صدره من كلام ، فأردتُ أن أقول شيئا أظهُر له فيه إنني ذو إراده قوية وليس البكاء من شيمتي .. ولكن قبل أن أحرك شفتاي بكلمة أختنقتُ بعبرتي دون إرادتي ، وسالت الدموع من عيني وقد أحسستُ بها أكثر سخونة من دموعي السابقة .. وضاق صدري وتسارعت أنفاسي فضربت بيدي على صدري لأزيح أثقالي فصار زفيري يخرج كالدخان من أنفي فتذكرت المثل القائل : ” عند الحزن يخرج الدخان من الأنف ” .. فدلني ذلك على مبلغ حزني .
تقدمت على الخال (عمر) وهو يتبعني .. وعندما وصلنا إلى الدور التي في طرف القرية لمحنا أطفال القرية فسارعوا إلى القرية ليبلغوا أهلها خبر وصولنا .. وكنت أرجو أن أرى أحداً من أهل القرية رجلاً كان أم امرأة لأسأله ما إذا كان قد دفن أبي أم لا ؟ لكنني لم ألق أحداً .. وكان كل أملي أن ألقى نظرة على جثمان أبي قبل أن يدفن ..
سألت نفسي : ” ترى متى كانت المرة الأخيرة التي رأيت فيها أبي ؟ ” .. وتذكرت أنها كانت حينما زارني في المدينة وقال لي : ” يا ولدي إنك تعرف ما نحن عليه من حال .. كن شاطراً في دراستك .. أملنا بالله وبك .. أيه يا دهرُ.. ودعَ والدي الدنيا دون أن تكتحل عينه بلحظة تخرجي ولم يذق طعم ثمار جهدي وأتعابي وما أثمرت أتعابه.
حاولت أن أستعيد ملامحه يوم زارني لآخر مرة لتبقى عالقة في مخيلتي .. لكن الدموع حالت دون ذلك ، ومرة أُخرى غرقت في بحر الذكريات .. :” أواه .. إنما الدنيا هي كالفلك الدائر.. ففي السنة الماضية ماتت شقيقتي وحينما وصلت القرية كانوا قد دفنوها وها إني لا أتذكر منظر آخر مرة رأيتها فيها فهل يا ترى ىسأُحرم من رؤية جثمان أبي أيضاً وأُحرم من إلقاء نظرة على وجهه وعينيه ليصير ذلك حسرة تحز في قلبي “.. أيقظني من أفكاري تلك حديث الرسول مع أحد القرويين عندما قال له :
ــ ياخال (حسن) ..هل دفن أبو كاره ؟
ــ كلا لم يدفن لحد الآن.. أنهم بإنتظار إبنه .. آه أهذا أنت يا (عمر) قد إفتكرت لقد كنتً المبعوث إلى ولده .. هل جئتم ؟
وقبل أن يجيب ( عمر ) كان (حسن) البصير جالساً فنهض ونسى عكازته على الأرض وإتجه صوب الجهة التي صدر منها كلام المبعوث وقال :
ــ يا إبن أختي (كاره)..لا تحزن .. إنك في مكان أبيك .
قال ذلك وهو يقصدني فتعثر في خطوه بأخشاب مرمية فرفع يده خشية أن يسقط أرضاً ولكن (عمر) سبقه وأمسك به وأخذ بيده فظن (حسن) أنه أنا وأراد أن يُقبله لكن (عمر) قال له :
ــ أيها الخال (حسن) .. قد تركت عكازك على الآرض !
ــ يا (عمر) أنها نكبة كبرى حلت بنا في بداية هذا الربيع فأنستنا كل شيء .
ذهب عمر ليأتي بعكاز حسن البصير ليضعها بيده .. مد البصير يده نحوي فإتجهت إليه وقلبي يقطر حزناً وحسرة فأجهش كلانا بالبكاء ولم أنطق بكلمة ولم تكن إجابتي على قبلاته سوى الحسرات والآهات .. وبعد أن رفع (حسن) البصير يده التي طوقت رقبتي سرنا نحن الثلاثة في زقاق القرية .. وكان الأطفال يتجمعون حولنا في كل خطوة نخطوها ، ويتبعونا ، وقبل أن تقع عيني على السطح المطل على بيتنا رأيت مقبرة القرية حيث كان حشد من الرجال جالسين مثنى وثلاث ورباع ، فتأكد لي بأنهم فرغوا من حفر القبر وحينما لمحونا قادمين والأطفال يتبعوننا نهض بعضهم وإتجهوا نحو القرية فعلمت أنهم ذهبوا ليحملوا نعش والدي الى المقبرة .. ومرة أُخرى حاولت لمً شتات أفكاري .. ماذا أفعل ؟ وماذا أقول لمن يأتي ليواسيني ويصافحني ؟ لم يحضرني أي شيء .. وكان شيء واحد يشغل بالي هو أنني جئت لكي أشبع نظري من منظر والدي وأرى ملامحه لكي ترتسم في مخيلتي ولا أنساه أبداً.. وفي خضم تلك الأفكار شعرت أن ولديَ عمي وضع كل منهما يده على كتفي وإنهالا علي تقبيلاً دون أن ينبسا بكلمة واحدة مما يدل على أن المصاب أنساهما الكلام .. وعندما رآني أهل القرية وأنا بين أيدي ولديَ عمي .. نزل قسم منهم من السطح وتجمعوا حولنا .. ضاقت أنفاسي وخشيت أن يغمى علي لأنني كنت أسمع في كثير من الأحيان الناس يقولون: ” أن فلاناً أُغمى عليه عندما توفى والده أو والدته “.. خشيت ذلك خوفاً من أن تنشغل والدتي وأخواتي بي ويتركون جنازة أبي ويدفن والدي قبل أن آراه .. فحاولت أن أظهر بمظهر ذي إرادة قوية إذ أنني رجل وسوف أتحمل الأعباء والأحزان .
وعندما رفعت رأسي وقعت عيني على مجاميع من رجال القرية جالسين على حافات السطوح مطأطئين رؤسهم ينظرون إلي مما يدل على أنهم يضمرون كثيراً من الحديث معي .. وإلتفت نحو البيت فرأيت النساء على دكة البيت جالسات ومعهن أطفالهن والأطفال يبكون لأن أمهاتهم لم تهتمن بهم .. وحينما أعتليت درجتين من درجات البيت لاحظت أن بهو البيت مليء بالنساء وحال وصولي إرتفعت الصيحات وعويل الأطفال وإختلطت الأصوات بالآهات .. والله وحده يدري ماذا فعلت بي تلك الأصوات ، أنها أفقدتني الشعور وأذابت حتى الفؤاد وسرت القشعريرة في مفاصلي .. وجرت العادة أن تعلو الصرخات والصيحات كلما وصل أحد أقارب المتوفي ويشتد البكاء .. لقد أنساني هذا العويل والبكاء اموراً كثيرة .. ومع وصولي إلى الغرفة التي أسجيت فيها جثة أبي ، أخواتي رمين أنفسهن علي وعلت صيحاتهن وقالت الكبرى وبصوت باك :
ــ ها هو قد جاء .. أن وحيد البيت قد جاء .. تعال يا أخي .. لقد صرنا أيتاماً ولم يبق لنا من يرعانا .. إلى من نولي وجوهنا ؟
بعدها رفعن أيديهن عني واجهشن جميعاً بالبكاء .. ونهضت والدتي من مكانها في مقدمة الجثمان وإرتمت علي وشرعت تبكي بكاءً مراً.. ومن خلال بكاء أخواتي وعماتي وإرتماء والدتي علي وهي تقول بصوت ملؤه الثقة بالنفس والإرادة :
ــ ولدي (كاره) .. لاتبك ..أنك رجل.. من اليوم أنت في موقع أبيك.. إنني يا ولدي أشكر ربي لأنه لم يهدم عتبة داري وظل بابه مفتوحاً ولم يغلق .. إذهب إلى عمك والرجال .
بعدها إنحنيت لأرفع الغطاء عن وجه أبي لكي أقبله قبلة الوداع وأكحل عيني بملامح وجهه لكن ولدي عمي أمسك كل منهما بإحدى يدي فجأة ومنعاني وقال لي أصغرهما:
ــ ماذا تفعل ؟ أُذكر الله وفكر جيداً !
ــ أستحلفكم الله أن تتركوني .. إنني في قمة وعيي.. دعوني .. لقد قطعت هذه المسافة الطويلة لأرى والدي ولأودعه الوداع الأخير ولئن كانت نيتكم أن لا أراه فلماذا لم تدفنوه ؟ ولماذا إنتظرتم قدومي؟ وإنحنيت مرة أخرى ومددت يديَ إلى الغطاء لأرفعه من فوق جثمان والدي ولكن والدتي قالت بصوت حزين :
ــ ولدي .. ماذا أنت فاعل ؟ إلى ماذا تنظر؟ وهل يملك أبوك رأساً لتنظر إليه وتقبله؟ يا ولدي أبوك لا رأس له !
حينما سمعت كلام أمي ذاك تراخت يداي وتركت الغطاء ونهضتُ على مهل ، وظل في بالي شيء واحد فقط هو أن هناك سر وراء فقدان والدي لرأسه .. هذه الفكرة خامرتني ، إنه اذا لم يكن وراء ذلك سر فلماذا لم يخبرني المبعوث بذلك ونحن في الطريق .. فيقول لي أن أباك لا رأس له .. إيه أيتها الدنيا .. لم نسمع ولحد الآن أن أحداً من أهل القرى المجاورة لنا قد فقد رأسه … لا أدري لماذا ومن قريتنا بالذات يَفقد والدي رأسه ؟

………………………………

ملاحظة : زودني مشكورا  الاديب محمد سليم سواري مؤلف القصة بمسودة المترجم عبد الستار كاظم ، ولاجل توثيق العمل واكراما لذكرى والدي، نعيد نشر القصة مع صفحة من مسودة الترجمة بخط المترجم. ( مؤيد عبد الستار.في 2 / 8/ 2023)

شارك هذا الموضوع على