الجمعة, يونيو 21, 2024

الظلام في الصمت الأمريكي – محمود عباس

آراء

حسب مجريات الأحداث في العالم وبشكل خاص في منطقتي الشرق الأوسط وأوكرانيا، فإن مصالح أمريكا تفرض عليها الاحتفاظ بالمنطقة الكوردية، كإحدى مراكزها الاستراتيجية، لذلك فالصمت الأمريكي حتى الأن إزاء ما يجري في دير الزور لا تعني أنها لا تتابع، ولا تجري الحوارات مع قوى التحالف ومن بينهم قوات قسد والإدارة الذاتية، بل تعلم أن الدعاية الإعلامية للقوى المتآمرة على الكورد، تضخم الواقع، وأن قوات قسد حتى اللحظة قادرة على إخماد الفتنة، التي تشترك فيها القوى الإقليمية التي كانت تحارب بعضها حتى قبل شهور، لتتفق براعية روسية تركية إيرانية على محاربة الكورد تحت حجة محاربة قسد والوجود الأمريكي في سوريا والعراق.

كما وتدرك أنه فيما لو توسعت مجريات الأحداث في منطقة دير الزور، ستضر بمصالح أمريكا قبل المصلحة الكوردية أو كما تربطها القوى الظلامية بسيطرة الإدارة الذاتية، والواقع هنا ليس كما كانت عليه الظروف والمصالح في أفغانستان، فاستمرارية بقائها هناك في الفترة الأخيرة أصبحت تؤدي وبشكل غير مباشر إلى حماية مصالح الصين وروسيا، وخروجها عرضت الدولتين ومعهم إيران إلى أن يصرفوا بعض من إمكانياتهم لحماية مصالحهم، ربما هذه المعادلة السياسية-العسكرية غريبة لدى البعض، لكن دراسة الإشكالية من البعد الإستراتيجي تكشف الجدلية.
هذه الجدلية الإستراتيجية بالنسبة للحضور الأمريكي، معكوسة في غربي كوردستان وخاصة في شرق سوريا، فتخليها عن المنطقة تعني توسع سيادة روسيا، وعودة خلايا داعش، وزيادة نشاط المافيا السورية الإيرانية للمخدرات، وسيطرة المنظمات الإرهابية من المعارضة السورية على الساحة بمساعدة تركيا، وسهولة إيصال المساعدات الإيرانية إلى القوى المحيطة بإسرائيل. لذلك العملية الجارية في شرق دير الزور مهما توسعت لن تؤدي إلى النتيجة المرجوة منها، قد تغير من معادلة السيطرة على المنطقة، المرجحة أن تكون لصالح أمريكا، لا يستبعد أن تكون خلفها تكتيك توصيل الجغرافي ما بين منطقة التنف والإدارة الذاتية، أي أن ما يجري هي مؤامرة استباقية من قبل الدول المعنية بالقضية السورية للحد من الهدف الأمريكي المنشود.
مع ذلك يظل السؤال: لماذا تمكنت القوى الإقليمية المعادية للكورد، من خلق هذه الفتنة وتحشيد شرائح من العشائر بهذه السهولة؟ ألا تبين على أنها نتيجة سير قوى الإدارة الذاتية في نفق يعمه الظلام، وقد سبق هذا ما آل إليه مصير أهلنا في منطقة عفرين، وكري سبي وسري كانيه، وغيرها من المناطق الكوردية المحتلة من قبل الميليشيات التركية، والمسماة بالمعارضة السورية جدلا، إلى جانب أخطاء الأطراف الأخرى من الحراك الكوردي، قبل أن تكون مبنية على خلفية تقاعس دول التحالف، أو الصفقات التي تمت بين تركيا وأمريكا وروسيا.
فعدم استماع قوى الإدارة الذاتية لنداءات الحراك الثقافي الواعي، الداعي إلى أن التخلي عن البعد الكوردستاني والتي تحتضن في ذاته الوطنية الصادقة مع المكونات السورية الأخرى، ستبعدها عن وسطها الحقيقي وتسقطها في بيئة لا يؤمن جانبها، ولن تقبلها مجتمع المنطقة الغارق في البعد القومي والمذهبي، مهما تم طرح منهجية الأمة الديمقراطية رغم كل جمالياتها كمصطلح ومفهوم، لأن الظروف والواقع والبيئة على خلاف عميق مع المنهجية المطروحة، وهو ما أدى بها إلى السقوط في هوة الطوباوية، الإشكالية التي ما يدركها أصحاب المفهوم.
فكانت من نتائجها ظهور التآكل الداخلي ضمن الحراك الكوردي والكوردستاني، وظهور شرخ في الشارع الكوردي، وتذبذب قوى التحالف من رفع سقف دعمها العسكري والسياسي والاقتصادي، إلى جانب معاداة القوى المحتلة لكوردستان لهم تحت حجج ومبررات عديدة منها التقسيم والانفصال والإرهاب، هذا الواقع دفعت بهم إلى محاربة الأطراف الأخرى من الحراك الكوردي، كوسيلة لفرض المنهجية، في الوقت الذي كان عليهم خلق تآلف كوردي-كوردي، فكان رد الفعل بالمقابل عداوة منهجيتهم من البعد القومي، والتحرك كقوى معارضة لسلطة لا تزال في طور التكوين، ومن ثم مطالبتهم بالمنهجية الديمقراطية التي غابت عن الساحة.
هذا الطغيان من جانب الـ ب ي د سهل لمعظم أطراف الحراك الحزبي الكوردي، الـ ب ي د والأنكسي وبعض الأطراف الأخرى، السقوط في هوة التبعية للقوى الإقليمية، والتي لم تتمكن أي منهم التحرر منه رغم ما قدمته لهم فيما بعد القوى الكبرى من المساعدات ومنحهم المكتسبات. بل بالعكس أدى التآكل الداخلي إلى النتائج الكارثية المتتالية، منها خسارة منطقة جيايي كورمينج بكليتها، ومن ثم سري كانيه وكري سبي، وغيرها من الكوارث التي بدأت تتفاقم في منطقة الجزيرة، لتصل إلى ما يجري من المشاكل في دير الزور، المؤامرة التي فيما إذا لم تتدخل قوى التحالف وعلى رأسهم أمريكا، وتحمي مصالحها في المنطقة، ستكون بداية لنهاية لا يحمد عقباه، خاصة فيما لو وجدت أمريكا بأنه من مصلحتها ترك المنطقة للميليشيات الإيرانية وسيادة روسيا عليها، وهو ما نستبعده لأن خسارة أمريكا في سوريا تعني بداية خسارتها أمام روسيا في أوكرانيا، وستكون بداية لانهيار الهيمنة الإمبراطورية، وكما يقال: كثيرا ما ينهار البناء من تحريك لبنة من القاعدة.
رغم كل ذلك تبقى الرؤية والكلمة مع السؤال، هل بالإمكان تفادي خسارة المنطقة؟ نعم وذلك بالعودة إلى الحاضنة الكوردستانية، وقبول قوى الحراك الكوردي، وبالمقابل يجب على الأنكسي أن تتخلى عن المعارضة المرتزقة، الائتلاف، وتبيان موقف صريح من المحتل التركي، ومعا وبسند من أطراف الحراك الكوردي الأخرى، تبيان التحالف مع قوى المعارضة الوطنية العربية والمكونات الأخرى في المنطقة، كقوة كوردية تتعامل مع القوى الأخرى، وعلى أسسه يمكن إقناع قوى التحالف الأوروبي-الأمريكي على أن غياب الإدارة الذاتية، تعني طرد أمريكا من غربي كوردستان، وبالتالي سيادة مافيا تجارة المخدرات والتي ستصل إلى الجغرافية الأوروبية والأمريكية مستقبلا، وكذلك عودة منظمة داعش حتى ولو تحت غطاء قوى العشائر أو الميليشيات الإيرانية، التي ستعرض أمن إسرائيل إلى خطر مباشر، أي عمليا الخسارة ليست فقط للكورد والإدارة الذاتية، بل للمكون العربي الوطني، وهي تعني بشكل مباشر انتصار القوى المعادية لأمريكا.

شارك هذا الموضوع على