الإثنين, فبراير 26, 2024
آراء

انتهاكات تنظيم داعش في شمال وشرق سوريا… التَّوصيف القانوني والمحاكم المختصّة (الجزء الأوّل)

الملخّص

إن القضاء على تنظيم داعش الإرهابي لا يقتصر فقط على دحره عسكرياً، إنَّما يجب العمل على إيجاد حلّ لتركته؛ والتي تتوزع بين نساءه، وأطفاله، وخلاياه النائمة، وعناصره في مراكز الاحتجاز في إقليم شمال وشرق سوريا.

ارتكب هؤلاء العناصر، خلال فترة سيطرة التنظيم على مناطق في سوريا، أفظع وأبشع الجرائم بحق شعوب المنطقة. لذا، كان لابد أولاً من البحث في التوصيف القانوني لتلك الجرائم. وثانياً دراسة الآليات القضائيّة الممكنة لمحاسبة مجرمي داعش، وتسليط الضوء على المعوقات التي تقف أمام تحقيق العدالة الجنائيّة لضحايا هذا التنظيم الإرهابي.

المقدمة

تتطلب مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم داعش العسكرية، البحث بالضرورة في كيفية التعامل مع تركته في إقليم شمال وشرق سوريا، والتي تتوزع بين خلاياه النائمة، ونساءه، وأطفاله في المخيمات ومراكز الإيواء[1]، وعناصره السابقين في مراكز الاحتجاز على وجه الخصوص. فقد ارتكب هؤلاء العناصر، والمقدرة أعدادهم بالآلاف، أبشع الجرائم وأفظعها بحق الشعب السوري، سيّما ضد الأقليات الأثنية، والدينية، والعرقية، في إقليم شمال وشرق سوريا.

إن البحث في التوصيف القانوني لهذه الجرائم، والآليات القضائيّة الممكنة لمحاسبة مجرمي داعش، يكتسب أهمية كبيرة في الوقت الذي يتقاعس فيه المجتمع الدولي، ممثلاً بمجلس الأمن الدولي، في تحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين، بأن يعمل بشكلٍ فعّالٍ وجدّي على إيجاد حلول لتركة داعش، الأمر الذي أدى بالإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا إلى القرار بمحاكمة مجرمي داعش أمام محاكمها، انطلاقاً من مسؤولياتها، ووفقاً لقوانينها.

الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو ما يُعرف اختصاراً بـ” داعش ISIS “؛ هي جماعة جهادية متطرفة، انفصلت بالأصل عن تنظيم القاعدة الإرهابي[2]، ثم وسّعت نشاطها الإرهابي إلى سوريا، بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية فيها عام 2011.  حيث ومع احتدام النزاع المسلح السوري، بدأ التنظيم بالظهور بزعامة “أبو بكر البغدادي”، وذلك باندماجه مع “جبهة النصرة”، فرع القاعدة في سوريا، والتي يتزعمها “أبو محمد الجولاني”[3].

شكَّل النزاع السوري فرصة ذهبية لتنظيم داعش الإرهابي، ليظهر ويتمكن من السيطرة على مناطق شاسعة من سوريا[4]. فقد قام باستقطاب العديد من العناصر، جذبتهم الإيديولوجية الفكريّة للتنظيم، من خارج سوريا ومن مختلف الجنسيات. ووصل تعداد العناصر الذين انضموا إلى صفوفه إلى قرابة الـ (30 ) ألف عنصر من مختلف الجنسيات: من الدول العربية، وأوروبا الغربية والشرقية والدول الآسيوية[5]. والغالبية العظمى من هؤلاء العناصر قدموا إلى سوريا عبر مطارات الدولة التركية، وحدودها المشتركة مع سوريا على وجه الخصوص، الأمر الذي جعل تنظيم داعش يتفوق عسكرياً على بقية الفصائل المسلحة الأُخرى المنخرطة في النزاع السوري، وتحوله إلى قوة عسكرية منظّمة، تسيطر على مناطق شاسعة ممتدة بين العراق وسوريا.

في عام 2013، أعلن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، عقب انهيار تحالفه مع “جبهة النصرة”، عمّا أسماه “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. وفي حزيران/يونيو 2014 أعلنت ما تسمى “الدولة الإسلامية” نفسها “خلافة”، وأعلن البغدادي نفسه “خليفة للعالم الإسلامي”، مطالباً المسلمين مبايعته، متخذاً من مدينة الرقة السورية عاصمة لـ”خلافته” المزعومة.[6]

وكان داعش يهدف إلى إقامة دولة ثيوقراطية وفقاً لتفسيره الخاص للشريعة الإسلامية، وتحديداَ إعادة الخلافة الإسلامية التي انتهت بانتهاء الدولة العثمانية[7]. وأنشأ بنية تحتية خاصة به لفرض سلطته في المناطق التي خضعت لسيطرته، تتألف من: الحسبة (الشرطة المدنية)، والجهاز الأمني (قوات الاستخبارات)، ومحاكم، وكيانات تدير عمليات التجنيد. كما أدارت “الحسبة” فرقة نسائية خالصة (لواء الخنساء)، أنشئت لضمان امتثال القيود وفرض عقوبات على النساء والفتيات في جميع أنحاء المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم[8].

كما لجـأ داعش إلى ممارسات وحشية، ونشر الرعب والخوف بين المجتمعات المحلية، وأصبح مصطلح “داعش” مرادفاً للعنف المفرط ضد المدنيين والمقاتلين الأسرى لديه[9]، حيث أكدت العديد من التقارير الدوليّة بأنّ هذا التنظيم ارتكب جملة من الجرائم، وخروقات واضحة للقانون الدولي الإنساني وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان. على أثر ذلك، تم تصنيف داعش على إنّه تنظيم إرهابي، وإدراجه ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية لكل من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي. أكد مجلس الأمن الدولي، من جهته، في قراره المرقم (2379)، الصادر في 21 أيلول/سبتمبر 2017 على أن هذا التنظيم؛ هو تنظيم إرهابي، يشكّل خطراً عالمياً، وتهديداً للسلم والأمن الدوليين، لما يقوم به من أعمال إرهابية.

يُعد تحرير مدينة كوباني، ودحر تنظيم الدولة منها، عام 2015، بجهودٍ محليةٍ ذاتيةٍ، والمتمثلة بمقاومة وحدات حماية الشعب (YPG)، ووحدات حماية المرأة (YPJ)، بمثابة بداية نهاية “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، حيث قامت قوات سوريا الديمقراطية فيما بعد، وتحديداً عام 2017، وبدعم من التحالف الدولي لمحاربة داعش هذه المرة، بتطويق مدينة الرقة السورية، “عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية”، وتحريرها من الإرهاب الداعشي، الأمر الذي أدى إلى انحسار متسارع لـ”تنظيم الدولة الإسلامية” وسيطرته الجغرافية، إلى أن سقط آخر معقل له في الباغوز بحلول آذار/مارس 2019. ولكن، وبالرغم من دحر داعش من مناطق شمال وشرق سوريا، والقضاء على خلافته المزعومة، تَرَكَ هذا التنظيم خلفه العديد من القضايا الشائكة والمعقدة، سواء ما تعلّق منها بنسائه وأطفاله في المخيمات ومراكز الإيواء، أو العناصر السابقين في مراكز الاحتجاز، مما يثير العديد من الإشكاليّات القانونيّة، ناهيك عن خلاياه النائمة التي لازالت تشكل تهديداً أمنياً لسكان شمال وشرق سوريا[10].

تحميل الدراسة

المصدر: مركز الفرات للدراسات