الثلاثاء, فبراير 27, 2024
القسم الثقافي

انعكاسات سيكولوجية في رواية “رحلة الى ذات امرأة”

د. منير توما

عن دار الشامل للنشر والتوزيع في نابلس صدر مؤخّرا للكاتبة المقدسية صباح بشير رواية تحت عنوان «رحلة الى ذات امرأة»، حيث تشكِّل هذه الرواية سيرة حياة ذاتية لامرأة اطلقت عليها الكاتبة اسم حنان، فالراوي أو السارد للقصة ينطق بضمير المتكلِّم ، وفي كثير من الأحيان فإنّ المؤلف يكتب عن نفسه وحياته أو شيئًا مفصَّلًا عن سيرته الذاتية (autobiography) بإسمٍ آخر . فالسيرة التي يكتبها المؤلف عن شخص آخر أي ما يُعرف بمصطلح (biography) هي سيرة الإنسان مكتوبة بقلم إنسان آخر. لذلك فقد قيل إنّ «السيرة حياة الإنسان»  ولكنّ هذا القول أو التعريف يتطرَّف الى العمومية المُبالغ فيها؛ ذلك أنّ السيرة تفرَّعت الى صيغ كثيرة واشكال متعدّدة لا تقتصر على سرد حياة الإنسان سردًا تسجيليًا ميكانيكيا، بل تهدف الى الاختيار والتركيز والتنصيف ومتابعة خط ذي دلالة معينة في حياة الإنسان. إنّ الكاتبة صباح بشير تخوض في تجربتها الروائية هذه منطقة حرجة تمسّ عصب الوجود النسائي الموجع، وتجسّ ايقاعه الباطني الحميم، فالرواية هذه تتلخّص في أنّ راوية القصة أو الساردة للأحداث «حنان» تستعرض مراحل حياتها منذ فترة صباها في مدينة القدس حيث تصف بيت أسرتها الدافئ ومحبة والديها لها ولأولادهما الأخرين مشيرةً الى غيرة اختها «غادة» منها لكون «حنان» تمتار بأنها رشيقة مشيقة واكثر جمالًا ، بعكس «غادة» التي لا تتمتع بجمال ورشاقة «حنان». وتتحدث «حنان» عن أحلامها ورغبتها الالتحاق بالجامعة. وتتكلّم عن القيود المفروضة على البنات مجتمعيًّا حتى في طفولتهِنَّ. وتذكر بكثيرٍ من الحميمية الإنسانية صداقتها المتينة مع «ماري» الفتاة المسيحية وعلاقتهما الأخوية الصادقة انطلاقًا من تأكيدها على التآخي السائد في القدس بين الجيران بمختلف الانتماءات ، وارتشافهم القهوة والشاي معًا في جو اجتماعي نقيّ النوايا والتوجهات في شتى المناسبات الاجتماعية والدينية، وبتوالي الأحداث يتقدّم شاب يدعى «عُمر» طالبًا يد «حنان» للزواج، لكنَّ حنان لم تُعجب بهِ وبشخصيته ولم تحبه ابدًا رغم نصائح أمها لها بالقبول بهِ عريسًا ، وبإلحاح أهلها وخصوصًا أمها تضطر أخيرًا للزواج منه، فتعيش معه حياة بائسة وتتمنّع أحيانًا كثيرة جدًا على المعاشرة الزوجية مما يدفعه الى العنف والقسوة عليها أكثر فأكثر للحصول على مبتغاه ، وبعد كل ذلك تنجب «حنان» طفلة تدعوها «شروق» ، وتتحمّل «حنان» شظفٍ العيش مع زوجها «عمر» الذي يوجِّه لها دائمًا الإهانات ويُعَيِّرها لعدم انجابها له طفلًا ذكرًا، وتَحُثُّها أمها على الصبر ومراعاة زوجها قدر الامكان، لكنَّ حنان لم يعد بمقدورها أن تستمر في هذه الأوضاع التعيسة مع عُمر فتطلب الطلاق منه، رافضًا ذلك مرارًا الى أن تحصل أخيرًا على الطلاق عن طريق المحكمة، وقد كانت تعزيتها في الحياة هي ابنتها «شروق» وكذلك صداقتها مع «ماري» التي كانت تخفّف عنها ظروفها الصعبة . وتجد «حنان» عملًا لتعيش وتُمَوِّل دراستها الجامعية، ولكن رغم نشاطها واجتهادها ونجاحها في عملها، يقوم طليقها «عمر» بتشويه سمعتها في كلِّ مكان مما أدى الى ادارة المكان الذي تعمل فيه الى الاستغناء عن خدماتها هناك رغم علمهم بنقاء صفحتها وسلوكها . وبعد كل الضيقات التي تعرّضت لها وبمرور الوقت تقرّر حنان أن تترك مدينة القدس وتسافر لتعيش في باريس حيث توجد هناك صديقتها «ماري» التي كانت قد تزوجت من شابٍ في القدس وهاجرا للسكن في باريس. وبتتابع الأحداث نرى أنّ «حنان» تجد هناك عملًا وتتعرّف على رجلٍ عربيٍّ يدعى «نادر» الذي يقع في حبّها مُستلطفةً إياهُ، فيعرض عليها الزواج ، وتشعر بالحب نحوه ، وبعد استشارة والدها وموافقته يتم الزواج وتعيش مع زوجها «نادر» حياة سعيدة هنيئة برخاء وترف لاسيما أنه قد أفهمها أن لديه شركة إعلامية كبيرة تدرُّ عليهِ أرباحًا طائلة ، ولكن بعد مرور سنة من زواجهما تنقلب الأمور ، ويتضّح ان «نادر» كان منغمسًا في لعب القمار ، فيخسر كل أمواله ويقع فريسة الديون بالملايين ؛ وفي اعقاب ذلك تقتلهُ عصابة كان متورطًا معها بفعل الديون ، فتحزن حنان حزنًا شديدًا لموتهِ نظرًا لمدى محبتها الكبيرة التي كانت تكنّها له رغم كل ما حدث ولم يخبرها بحقيقة أمرهِ . وبعد ذلك كلِّهِ تترك «حنان» باريس وتعود أخيرًا الى موطنها القدس وتستقر هناك ، وتلمس جانبًا من السعادة بزواج ابنتها «شروق» في «ميتشغان» بالولايات المتحدة الأميركية حيث كانت تتعلم هناك في احدى الجامعات ، وبالتالي يُثلج صدر «حنان» وتنتهي الرواية بذلك . مما تقدّم يتضّح أنّ السيرة الذاتية الحقيقية «لحنان» في هذه الرواية لكونها الراوية أو الساردة لأحداث حياتها أو بمثابة المؤلّفة لها ، عبارة عن سرد متماسك منطقي لحياتها باعتبارها الكاتب ، مع التركيز على التأملات والانطباعات ذات الأبعاد المختلفة ، وعلى المعنى الكامن في حياة الكاتب أمام خلفية اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية أشمل منها . وهنا يتبادر الى ذهننا الاستنتاج انّ الكاتبة تقصّ على طريقة القوم من الأدباء المعاصرين قصصًا واحداثًا تصوِّر حياتها، إنْ لم يكن تصويرًا كاملًا ، فهو تصوير لبعض تجاربها ، وكأنها بدلًا من استخدامها ضمير المتكلم في التعبير عن نفسها مباشرةً وبوضوحٍ ظاهر – كما يفعل كلّ كتاب السيرة الذاتية – فإننّا نجدها تنسب ذلك الى امرأة أخرى بإسم حنان – كما سبق ورأينا – أي أنّها انفصلت عن ذاتها واحالتها الى شخصية موضوعية تتحرك أمامها ، في حين ترقبها في تأنٍّ وتُؤدة ، وبذلك تنضم الى صفوف القرّاء كي تتبَّع معهم بطلة السيرة الروائية ، وإن كانت هي البطلة . وهكذا نرى أنّ هذا النوع من السيرة في هذه الرواية يمكن أن يدعى بِ «السيرة الحميمية» (intimate autobiography) ، لأنّها تركِّز على الجوانب الشخصية اكثر من اهتمامها بالمظاهر أو الظواهر العامة . وها نحن نرى أنّ الكاتبة في هذه الرواية بإسم «حنان» التي تروي الأحداث بضمير المتكلّم وتسرد السيرة باستخدام كل الوسائل الممكنة لكي تعيش بكل جوارحها في عالم الشخصيات التي تكتب عنها ، ولا تترك شاردة ولا واردة إلّا وتحاول تحليلها وتمحيصها وربطها بأفكار الشخصيات وأقوالها وافعالها . فالسيرة الروائية هنا أي سيرة البطلة الساردة «حنان» في نهاية الأمر صورة شخصية زاخرة بكل التفاصيل الممكنة .

ومن المهم الإشارة هنا أنّ السيرة في هذه الرواية هي نوع فريد من السيرة يسمى «بالسيرة السيكولوجية او التفسيرية» التي تعنى بتحليل الدوافع السيكولوجية الكامنة وراء الأقوال والآراء والأفعال التي تأتيها الشخصيات ، سواء عن وعي أو غير وعي ؛ فهذهِ الدوافع المختفية أكثر صدقًا ودقةً من الأحداث الخارجية . ومن أمثلة ذلك دوافع الغيرة (Jealousy) عند «غادة» أخت «حنان» التي تحقد على اختها الجميلة والرشيقة من منطلق كون الغيرة هي إحساس وجداني يحدث لدى المرء نتيجة مقارنة نفسه بالآخرين . فغادة بكونها امرأة تغار من اختها عندما تحس أنها أجمل منها ، أو أرق حاشيةً . وبهذا تجد «غادة» نفسها عاجزةً عن أن تجتلب لنفسها من عناصر الجمال مثلما تتمتع به اختها «حنان» الجميلة ، ولهذا تتلبّس «غادة» بالحقد النابع من الغيرة ، فتتخِّد موقفًا تآمريًا يستحيل فيه الحقد الى ضرر تحاول «غادة» الحاقدة ايقاعه على اختها «حنان» المحقود عليها كما ظهر في الرواية من سلوك «غادة» تجاه اختها مستخدمةً التحريض والاساءة . أما اذا تحدثنا عن المحبة المتبادلة التي تربط «حنان» مع صديقتها «ماري» ، فإنّ هذا الحب هو من نوع الحب الحنون (Philia) الذي يعبِّر عن الحب الأخوي أو الحب بين الأصدقاء الحقيقيين الذي يقدِّر فيها المرء وجود الآخر أو الصديق الوفي في حياتهِ . فهذه الصداقة بين «حنان» وماري هي ألفة بين قلبين وهي ارتباط وجداني غير مغرض بين شخصين ، وقد اتبتت الأحداث في الرواية أنّ «ماري» هي صديق حقيقي لِ «حنان» وكانت الشخص المستعد للتضحية والإثيار من أجل صديقتها.

«حنان» . وعن العلاقة الزوجية بين «حنان» و «عمر» وطلاقهما فيما بعد ، وما تشعّب عن ذلك من تداعيات ، يمكن القول إنّ هناك عوامل متعدّدة ومتباينة ساعدت على حدوث التفكك الأسري بينهما ، ومن بينها اختفاء الأهداف المشتركة، وظهور الاتجاهات الفردية بين الزوجين ، وظهور انسحاب داخل الوحدة الأسرية ، وتلاشي التعاون ، وظهور التناقض في العلاقات الشخصية ، وظهور الاتجاهات العدوانية واللامبالاة كما حدث في حالة الزوج عمر وممارسته للعنف تجاه «حنان» ولا مبالاته بمشاعرها كإنسانة رقيقة محبّة للعلم والثقافة في مواجهته كرجلٍ يتبنّى الجهل في تكوينهِ النفسي والفكري ، فهو رجل بطبيعة الحال كما أظهرته الرواية يعجز عن حب المرأة ، لأنه يرى نفسه رجلًا ، أما هي فلا يراها الإوعاء . كما أنه غير قادر على ادراك حرية الشخص الآخر المتمثلة في زوجته حنان وحقيقتها واحترامها . ولا شك أنَّ ذلك هو نوع العلاقة بين الزوج والزوجة التي تشبه العلاقة بين السيد والعبد ، أي أنَّ هذه العلاقة لا تختلف كثيرًا عن ملكية السيّد للعبد . ومن أهم العوامل التي ساعدت على ذلك عدم تقبُّل الزوج والزوجةِ كلًا منهما للآخر ، وانعدام التوافق النفسي والتكيف مع الواقع ، والفشل في القيام بالأدوار المنوطة بكل منهما ، ليأخذ كل ذلك صورة التفكك الكلى ويتم انهاء العلاقات الزوجية بين «حنان» وعمر بالطلاق ، وتحطيم حياة الأسرة ليكون ذلك حلّا مريحًا ومنقذًا لحنان بعد طول معاناة .

وفيما يتعلق بارتباط «حنان» مع «نادر» ، فإنّ «حنان» قد رأت بزواجها من نادر ملاذًا للاستقرار والطمأنينة والحب بعد أن كابدت الأمرّين مع زوجها الأوّل «عُمر» ، فكان زواجها من نادر تحقيقًا لسعادة وهناء افتقدتهما زمنًا طويلًا ، فقد وجد نادر في «حنان» صديقةً له ، علاوةً على كونها زوجته ، ولكنه من زاوية أخرى كتم سرّه عنها في أمر ممارسته للقمار مع كونه قد اخلص لها الود الذي انتهى بمأساة مقتله بالنسبة لِ «حنان» التي كانت قد أحبته ووثقت به ورأت فيه زوجًا مثاليًا فافتقدته وعاشت دوامة الضياع في باريس بعد أن عايشت أيام جميلة قصيرة نسبيًا مع «نادر» لتقرر أخيرًا العودة الى القدس التي تجسّد وتمثّل رمزيًا لها وللماضي الذي عاشته «الفردوس المفقود» (Paradise Lost) لتغدو لها عودتها الى وطنها القدس بمثابة «استعادة الفردوس» (Paradise Regained) ، فالاحتفاظ بتجارب الماضي في شبه الشعور ذو أثر كبير في حياة الشخص العادية ، ذلك لأنّ تجارب الماضي لو كانت تنسى لكان عليه أن يستأنف حياته العقلية من جديد يومًا فيومًا ولحظة فلحظة ، ولم يكن لماضيه القريب أو البعيد تأثير في حياتهِ ، ولم يكن في قدرته الإفادة من تجارب الماضي في حل مشكلات المستقبل . ومن ذلك فإنّ «حنان» بعودتها الى القدس وكونها تفكر وتدير وتقيس الحاضر على الماضي ، إنما تستمد أكثر صوره وأفكاره من تجارب الماضي واحداثهِ المستكنة في شبه الشعور أو ما وراء الشعور ، فزواج ابنتها «شروق» في نهاية الرواية يشكّل مؤشرًا رمزيًا لإشراق الحاضر في حياتها والتفاؤل في رجاء مستقبلي لا يعتريه الظلام في حياتها معبّرةً عن ذلك بقولها في السطور الأخيرة من الرواية :

«استقبلتني بلادي بنسمات هوائها العليل ، وسحرها الذي يجذب المرء إليها مهما ابتعد عنها ، ففيها أيام الصبا ، عبق التراب ورائحة الأجداد ، هي التي تمنح السلام للقلب وترمي عليهِ عباءة السكينة والسلام» (ص134) .

وأخيرًا ، وليس آخرًا ، فإنه من الجدير أن ننوّه أنّ لغة الكاتبة صباح بشير في هذه الرواية تتجلّى فيها درجة كبيرة من الرقي والتقدم ، فالأفكار اتسّمت بكونها دقيقة وعميقة ، ومالت الى التسلسل والترتيب المنطقي ، واتجهت نحو الاستقصاء أحيانًا. أمّا الألفاظ فقد مالت الى السهولة والرقة والعذوبة والوضوح ، وكل ذلك بتدفق روح ، وانصباب هواجس ، وانطلاق مزيج من عقل مفكّر وعاطفة جيّاشة، وغنى تعبيري حافل باللباقة وتحليل النفوس وتصوير الواقع والشخصيات .

فللأخت الكاتبة صباح بشير أجمل التهاني بصدور روايتها هذه «رحلة الى ذات امرأة» مع أطيب التمنيات بالمزيد من الابداع والتوفيق والعطاء