السبت, يوليو 13, 2024

تأطير الحوار الكردي – العربي و ديمومته

آراء

د. شيلان فتحي شريف الهموندي

يعد الحوار من أسمى وسائل التواصل الحضاري بين مكونات المجتمعات المتحضرة، فهو يعزز التماسك الاجتماعي بين الثقافات المختلفة ويزيل العقبات والالتباس ويقرب الرؤى ووجهات النظر بين الأطراف المختلفة.
ولقد كان لي شرف المشاركة في ملتقى الحوار العربي الكردي المنعقد في بغداد في ٧/٢٩ بإشراف و رعاية كريمة من لدن فخامة رئيس الجمهورية العراقية الدكتور عيد اللطيف جمال رشيد .
حيث قدم فيه العديد من الكلمات القيمة من ممثلي الدول والشخصيات المرموقة في العالم العربي، إضافة إلى تقديم العديد من البحوث والأوراق البحثية المثمرة في ثلاث محاور مختلفة كانت لي فرصة المشاركة في محور الشخصيات الكردية المؤثرة في الحضارة والثقافة العربية ببحث معنون بالمرأة في الفكر التنويري للعلماء الكرد ، قاسم امين والملا محمد جليزادة الكويي انموذجا.
ان الملتقى الذي عقد في بغداد هو الملتقى الثالث من نوعه بين المثقفين الكرد والعرب بعد ملتقى التأسيس في السليمانية والملتقى الثاني في بغداد العاصمة ، والذي تم فيه وضع اللبنات الأساسية لمركز الحوار العربي الكردي من أهداف ورؤى وفعاليات والتي اشتملت على دعم الإنتاج الثقافي والفكري والأدبي والبحثي و إبراز التراث العربي والكردي واستكشاف المواهب الإبداعية ودعمها، تدعيم اواصر العلاقات الثقافية والروابط المشتركة بين المثقفين ، تمكين المرأة وتفعيل دورها في المجتمع، العمل على نشر الثقافة الكردية في المجتمعات العربية وبالعكس وغيرها من الأهداف الجليلة .
ولفكرة التواصل والتحاور هذه جذور مباركة كانت من بواكير الحضور السياسي الكردي والثقافي في بغداد عاصمة العراق الحديث مطلع العشرينات من القرن الماضي عبر محاولات الرعيل الاول من النخبة الكردية في بغداد وكانت البداية بتدشين تجربة الصحافة الكردية الرائدة من بغداد سواء الصحافة الرسمية مثل صحيفة فهم الحقيقة(تێگەیشتنی ڕاستی) الشقيقة لصحيفة لغة العرب. او الصحافة الاهلية مثل صحيفة (بانگى كوردستان – نداء كردستان) او عبر تأسيس انشطة و فعاليات ثقافية ذات مغزى وطني رحب مثل نشاطات نادي الارتقاء الكردي ( یانەی سەرکەوتنی کوردان ) وغيره.
وفي تلك الاجواء الواعدة من عمر الدولة العراقية الجديدة كتب المناضل الكبير إبراهيم احمد من ابرز رموز الحركة الكردية والحركة الثقافية في كردستان كتيبا بعنوان الأكراد والعرب اكد فيه على اهمية التلاحم بين الأمتين العربية والكردية في نضال مشترك داعيا الى توثيق عرى صداقة متينة واخوة تعززها الاقرار بالحقوق المتساوية للمكونين العريقين.
وكان الرئيس الخالد مام جلال بصفته مناضلا ثوريا و زعيما كرديا تقدميا و أحد الآباء المؤسسين للعراق الديمقراطي الاتحادي يؤكد في خطاباته السياسية الثرية و مواقفه الوطنية الفعلية على ضرورة التحاور والعمل المشترك بين المثقفين العرب والكرد، و نادى باصرار بهذه الفكرة البناءة اثناء جولات الحوار العربي الكردي في القاهرة عام ١٩٩٨ و في مهرجانات استذكار الجواهري شاعر العرب الاكبر في السليمانية عام ٢٠٠٠ وفي بغداد بعد انعتاقها من نير الدكتاتورية والاستبداد عام ٢٠٠٣ .
وتمتينا وتواصلا لهذه المسيرة الغنية وتطويرا وإثراء لها فأن مبادرة فخامة رئيس الجمهورية بتأسيس مركز للحوار العربي الكردي تأتي كخطوة فعلية جادة تحول هذه الجهود والمبادرات الايجابية إلى واقع ملموس يعنى بعقد هذه الملتقيات بشكل دوري ودائم، هذه المبادرة التي يحسب لفخامته اثناء فترة رئاسته للجمهورية العراقية يستحق ان يثمن عاليا، إذا انها تؤطر الجهود المباركة و تهييء الأرضية لمزيد من التفاهمات وتقارب الرؤى حول القضايا المصيرية الهامة للشعبين الكردي والعربي. وهي بمثابة بذرة طيبة يستلهم وينبت منها المزيد من سنابل المشاريع الثقافية الكبيرة على مستوى العراق بين جميع مكوناته كرديا وعربا وتركمانا وآشوريين .بل و بين الامم الكبيرة على مستوى المنطقة من العرب والترك والفرس والكرد ايضا. فالمبادرات الخلاقة الخيرة تستحق التثمين والتطوير بغية خدمة الشعوب الأصیلة في الشرق الاوسط حتى داخل الكيانات الحديثة ومد اواصر التواصل بينهم ، ونحن كأمة كردية نعد رافدا أصيلا من روافد حضارة منطقة الشرق الاوسط لما أسهمنا وأسهم علمائنا في تطوير وتقدم الحضارة الإسلامية والإنسانية .
ونتمنى من المؤسسات و الفعاليات السياسية الكردية منها و العربية وأيضا من المثقفين العراقيين من كافة الأطياف ، المشاركة الفاعلة في الملتقيات القادمة من اجل ان نجعل الحوار الثر و العميق خيارنا الأمثل والأول لحل الخلافات التي تطرأ على الساحة العراقية وأن نؤكد فعلا وليس قولا ان اختلاف الامة رحمة و لايفسد لود التعايش البناء قضية.
وإني أرى أن ما يعزز الشراكة الوطنية بمعناه الواسع ليس فقط التفاوض السياسي المؤقت أو التكتيكي بين الأطر السياسية المتصارعة على المصالح الآنية أو حتى على الاستحقاقات الدستورية والديمقراطية رغم أهميتها وأحقيتها لديمومة العملية السياسية، بل نحن نحتاج الى التحاور البناء والعميق الذي له الاولوية الوطنية والحضارية وتسهم في ديمومة التواصل بل وتوفر قاعدة متينة لأي تفاوض سياسي مطلوب من اجل تعزيز العملية السياسية. وقبل حوار السياسة و مشتركات المصالح نحن بحاجة الى حوار الثقافة و الفكر وتنشيط المخيلة الابداعية. و المثقفون والاكاديميون من الكرد والعرب مدعون قبل غيرهم لهذه المهمة.

المصدر: PUKMEDIA

شارك هذا الموضوع على