الثلاثاء, أبريل 23, 2024

تحالفات «إردوغانية» على القطعة: التنازع على الورقة الكردية يشتدّ

آراء

محمد نور الدين

تعود المسألة الكردية إلى تصدُّر المشهد السياسي في تركيا، في ظلّ حرص طرفَي النِزال الانتخابي على استقطاب الصوت الكردي الذي سيكون محدِّداً رئيساً في هذه المعركة. وإذ حسم الحزب الكردي الأكبر خياره بالبقاء إلى جانب مرشّح المعارضة كمال كليتيشدار أوغلو، فإن الرئيس رجب طيب إردوغان لا يجد بدّاً من محاولة تحصيل رصيد له في صفوف الأكراد، معتمداً خصوصاً على المتديّنين منهم، وعلى عشائرهم الموالية لمسعود برزاني

قد لا تكون «وعكة البرد» التي أصابت الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أثناء مقابلة تلفزيونية مباشرة مساء الثلاثاء الماضي، واستدعت وقْف بثّها لبعض الوقت قبل أن تُستأنف ومن ثمّ تُنهى بسرعة، سوى انعكاس للوعكات الانتخابية التي تواجهه في الطريق إلى الرئاسيات. ولعلّ أكثر ما يمكن أن يؤلم المسار السياسي للرئيس الساعي إلى ولاية جديدة، هو «الوعكة الكردية»، في ظلّ استمرار تأييد الأكراد لمرشّح المعارضة، كمال كيليتشدار أوغلو، والذي مَنح الأخير دفعةً هائلة، ولا سيما أن حظوظه كانت لتكون ضئيلة من دون ذلك الدعم. غير أن بروز مرشّحَين جانبيَّين، هما محرم إينجه وسنان أوغان، قد ينالان مجتمعَين حوالى 7% من الأصوات، في حال دون حسْم زعيم «الشعب الجمهوري» المعركة من الجولة الأولى. وأيّاً يكن، فإن الإعلام التابع لـ«حزب الشعوب الديموقراطي» الكردي يكاد يجزم بأن الانتخابات المرتقبة في 14 أيار المقبل، ستنتهي صباح اليوم التالي بإحالة إردوغان إلى التقاعد، مستنداً في تقديره هذا إلى استطلاعات مختلفة للرأي.

وإذ تحدّى مرشّح المعارضة الجميع بكونه علويّاً، في مقطع مصوّر حظِي، وفق صحيفة «غازيتيه دوار»، بمئة مليون مشاهدة، فإن احتمال أن تكون له أصول كردية يجعله حذراً من ارتكاب أيّ خطأ قد يؤلّب القواعد «التركية الخالصة» عليه، وخصوصاً أن إردوغان ماهر في استخدام الخطاب الاستقطابي سواء المذهبي أو العرقي، وهو لا يتوانى عن محاولة كسْب أوسع قاعدة ممكنة وسط الأكراد أنفسهم، معتمداً في ذلك على المتديّنين منهم، وخصوصاً على حزب «الدعوة الحرّة» الديني الناشط بصورة كاملة في المناطق الكردية، على رغم أن الاستطلاعات بالكاد تعطي هذا الحزب واحداً في المئة، لا بل ثمّة مَن يرى أن تحالف إردوغان مع «الدعوة الحرّة» الذي يتبنّى شعارات انفصالية لا تميّزه عن «حزب العمّال الكردستاني»، سيخسّر الأوّل أصواتاً كردية. إلّا أن الرئيس يستند أيضاً إلى العشائر الكردية في تركيا، والموالية لرئيس «الحزب الديموقراطي الكردستاني» في العراق، مسعود بارزاني، الذي ينسج مع إردوغان علاقات «استراتيجية» أساسها العداء المشترك لـ«الكردستاني» ومناصريه. وفي كلّ الأحوال، فإن زعيم «العدالة والتنمية» لا يجد بدّاً من المراهنة على كلّ حزب أيّاً كان انتماؤه أو حجمه، بالنظر إلى أن المعركة تخاض على النقطة والفاصلة.

ودائماً ما عوّل إردوغان على التلاعب بالصفّ الكردي، محاولاً شقّه من خلال الضغط على بعض الرموز الكردية للدعوة إلى الاقتراع لـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم. غير أن ما جرى، يوم الثلاثاء الماضي، من اعتقالات واسعة طاولت الأكراد في ديار بكر وشهدت إراقة دماء، يكاد يذكّر بحملات العنف التي شنّتها السلطة في صيف وخريف عام 2015، بعد خسارة «العدالة والتنمية» انتخابات حزيران من ذلك العام، إذ اعتقلت السلطات أكثر من 150 شخصاً من المحامين والفنانين والسياسيين والأطباء والصحافيين، من بينهم نائبة رئيس «الشعوب الديموقراطي» أوزليم غوندوز، وعضو اللجنة المركزية للحزب محفوظ غوليريوز. وفي بيان أصدروه، اعتبر المعتقَلون أن حزبَي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» يريدان «سرقة إرادة الشعب، وقد بدآ انقلاباً موجّهاً ضدّ انتخابات 14 أيار، بسبب خشيتهما من خسارتها». وكشف الصحافي آمد دجلة أن إردوغان أرسل وفداً إلى زعيم «حزب العمّال الكردستاني»، عبدالله أوجالان، في معتقله في جزيرة إيمرالي، من أجل الضغط عليه للتعاون في الانتخابات، ولكنه لم يَنل ما جاء لأجله، ما دفعه إلى إطلاق حملة شعواء على الأكراد في ديار بكر. وبحسب دجلة، فإنه بعد رفض أوجالان مطالب إردوغان، تمّ تشديد إجراءات العزل والتضييق على الأوّل في معتقله.

تتّهم السلطة، المعارضة، بأنها عَقدت اتّفاقاً سريّاً مع «حزب الشعوب الديموقراطي» يمنح الأكراد ما يشبه الحكم الذاتي

وفي سياق متّصل، دأب كيليتشدار أوغلو على توجيه تحذيرات من محاولات استثارة النزعات المذهبية والعرقية. ومن ذلك مثلاً، نشْره فيديو بعنوان «الأكراد» يتّهم فيه إردوغان بأنه يعامل هذه الأقليّة على أساس أنها إرهابية، ويتلاعب بالحساسيّات الإنسانية لملايين الأكراد من أجل حفنة من الأصوات، وذلك فقط لأن هؤلاء أعلنوا تأييدهم لمرشّح المعارضة. وقال: «هذا أمر مخجل حقّاً. لقد عشنا مع الأكراد عشرات السنين، واليوم تريد السلطة أن تفسد هذه الأخوّة وهذا ما لن نسمح به». وسارع إردوغان إلى الردّ على كيليتشدار أوغلو في احتفال تدشين أحد المشاريع، كما انتقد «الشعوب الديموقراطي»، متّهماً رئيسه السابق، صلاح الدين ديميرطاش، المعتقَل منذ ستّ سنوات في سجن أدرنة، بأنه وراء قتل 51 مواطناً تركيّاً وسحلهم بالسيارات. وأضاف أن «ديميرطاش يقول إن كلّ هَمّه الاعتراف بالأكراد، ولكن هذا كذب وبقدر ما هم أكراد فنحن أتراك»، في ما يستبطن كراهية ضدّ الأكراد، وفق ما رأت الرئيسة الموازية لـ«الشعوب»، برفين بولدان.

ومع اتّهام السلطة، المعارضة، بأنها عَقدت اتفاقاً سريّاً مع «حزب الشعوب الديموقراطي» يقضي بالسماح للأكراد باستخدام لغتهم والتعلّم بها، ومنحهم ما يشبه الحكم الذاتي، ردّ كيليتشدار أوغلو بالقول: «(إنّنا) مصمّمون حتى النهاية على حلّ المشكلة الكردية سلميّاً وبالطرق الديموقراطية وتحت قبّة البرلمان، وعلى إنهاء الإرهاب، لأن هذه القضيّة ليست خاصّة بالأكراد بل هي قضيّة مشتركة لكلّ تركيا»، مضيفاً أن «حلّ هذه المشكلة لا يكون بالتمييز بل بالتصالح، وليس بالصدام بل بالالتقاء، وليس بالعداوة بل بالأخوّة». كما اعتبر أن «التنوّع العرقي والثقافي في تركيا هو غنى وليس تهديداً. إن حلم تركيا أن يعيش الجميع في ظلّ المساواة والحرية والأمن والثقة. هذه هي تركيا الديموقراطية والعلمانية»، مشدّداً على ضرورة «إغلاق صفحة استثمار القضيّة الكردية، والجروح التي فتحتها السلطة الحالية سنضمّدها».
وفي الإطار نفسه، رأى الكاتب مصطفى قره علي أوغلو، في صحيفة «قرار» المعارضة، أن الخيارات السياسية للأكراد أصبحت هدفاً كما لم تكن من قبل، والسبب، بحسبه، هو أن «الشعوب الديموقراطي» لم يسمِّ مرشّحه الخاص. وقال إن «المشكلة الكردية التي لم يستطيعوا حلّها خلال 40 عاماً، ربّما تشهد بداية حلّها الآن. لذلك، كان خوف السلطة عالياً، فبدأت أوسع حملة تشهير بالمعارضة وبحزب الشعوب الديموقراطي الذي صوّت له ستّة ملايين ناخب وهو الحزب الثالث في البلاد». وتابع قره علي أوغلو: «لقد اعتقلوا معظم رؤساء البلديات الكردية المنتخَبين، ومنذ سبع سنوات وهم يرمون برئيس “الشعوب الديموقراطي” السابق ديميرطاش في السجن، ويعملون على محاولة إغلاق الحزب. وقامت قيامة حزب العدالة والتنمية والحركة القومية لمجرّد أن الحزب الكردي توجّه بأنظاره إلى مرشّح آخر». واتّهم الكاتب ضياء أولوصوي، في صحيفة «يني أوزغور بوليتيكا» الكردية، بدوره، الثنائي إردوغان – باهتشلي بأنهما يعملان على التمييز ضدّ العلويين والأكراد.

في المقابل، اتّهم الكاتب إبراهيم قره غول، المقرّب من إردوغان، في موقع إحدى محطّات التلفزة، كيليتشدار أوغلو بأنه يعمل على إقامة نظام تتحكّم فيه الأقلّية الكردية بالبلاد، معتبراً أن الانتخابات التي ستجري في 14 أيار ستكون «الأخطر في تاريخ تركيا». ورأى أن «الخطّة التي يهدف إليها الغرب والمعارضة هي تهميش العنصر التركي والسنّي ورميه خارج تاريخ تركيا. إنهم يعملون على تحالف بين العلويين والأكراد في مواجهة العنصرَين التركي والسنّي. وهذا ما يجعل تركيا تُضرَب في جهازها العصبي. هذا سيكون الخطوة الأولى لسَورنة تركيا وإنشاء “نظام بعثي” فيها».

المصدر: الأخبار اللبنانية

شارك هذا الموضوع على