الإثنين, مايو 20, 2024

ثورة ديرسم والظروف الدولية بين عامي 1937-1938م

القسم الثقافي

د.أحمد سينو

المقدمة:

لعلَّ أهمّ ما يميز ثورة ديرسم المقاومةُ العنيدة في مواجهة الدولة التركية والتّوق للحريّة والاستقلال. ربما يعود هذا الأمر إلى خصوصيتهم العلويّة من الناحية الدينية، وإصرارِ كمال أتاتورك نفسُه على إبادتهم والقضاء على ثورتهم، رغم تلطّخ أيادي الدولة التركية في إبادة الأرمن والسريان والآشوريين والكرد خلال الحرب العالمية الأولى أمام مرأى الدول الكبرى آنذاك ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وروسية وغيرها.

لقد وقفت تركيا على الحياد قُبيل الحرب العالمية الثانية، لتستغل الطرفين المتحاربين معاً، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي، ولكنّها حسمت أمرها أخيراً ووقفت مع الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية) في الحرب العالمية الثانية ليستكمل أتاتورك بناءَ جمهوريته والتخلص من كل المعوقات الداخلية التي كانت ولايةُ ديرسم أوّلَها وذلك وفق خطة مُبيّته منذ عام 1936م

خطّة إزالة ديرسم من الوجود:

تم إدراج ديرسم في جدول أعمال مجلس الأمة التركي الكبير، وباقتراح من كمال أتاتورك. وتقرر فيه تحويل ديرسم إلى ولاية ذات نظام خاص وتم تغيير اسمها إلى تونجيلي في 6 حزيران 1936م وتشكّلت فيها دائرة التفتيش الرابعة العامة التي ضمّت كلّاً من إيليازيغ وتونجيلي وبينغول، وتشكلت في هذه المنطقة حكومة برئاسة الجنرال ألب دوغان كمفتش عام، إلى جانب فروع من المستشارين العسكريين، ومجموعة استخبارات، ومجموعة لضباط الأركان، والمحكمة العسكرية، وفروع مالية وقضائية([1]). هذا ما تشير إليه الوثائق التركية بحسب مجموعة من المؤرخين الروس والكرد ما يعني وجود خطة مُبيّته للتغيير الديمغرافي والتطهير العرقي بحق الكرد العلويين في كردستان الشمالية. ومن أجل ذلك كانت الهجرة القسرية تتم بالقوة وتحت حراب الجندرمة التركية. ولتحقيق هذه الخطط الممنهجة صدر قانون إعادة التوطين في تركيا، ومن ثم قانون تونجلي 1934م -1935م للتنفيذ بحجة تحقيق التجانس الثقافي ضمن الوطن الواحد (وفق الزعم التركي) وتطبيق سياسة التّتريك وصهر كل القوميات العرقية والدينيّة في البوتقة التركية. وكان كرد ديرسم العلويين الزّاز الضحيةَ ودفعوا ثمن ذلك وربما لسمعتهم القوية في المقاومة وشجاعتهم النادرة التي كانت تمثل عقبة حقيقية أمام مصطفى كمال أتاتورك والذي أراد كسر هذه الإرادة مهما كلف ذلك مستفيداً من الظروف الدولية والإقليمية المتاحة والدول المتعاونة مع تركيا مثل إيران والعراق كدول قومية ناشئة في الجوار التركي.

الظروف الدوليّة والإقليميّة لقمع الثورة:

استمرّت ثورة ديرسم حتى عام 1938م وهي الفترة التي تسبق نشوب الحرب العالمية الثانية بين دول المحور بزعامة ألمانيا واليابان وبين الحلفاء بزعامة بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وهي فترة النهوض الاستعماري البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، وكان النفوذ البريطاني في العراق، والفرنسي في سوريا، متاخما للحدود التركية ومتصارعاً معه بل تمتدان إلى داخل جمهورية تركيا الكمالية خاصة في الولايات الشرقية منها بما كانت تسمى الأناضول ووان وديرسم وبينغول وغيرها. لقد تناغمت فرنسا مع تركيا وساومت لكسبها في الحرب العالمية الثانية في قضية لواء إسكندرونة التي تنازلت عنها لتركيا بانتخابات صورية وبموافقة عصبة الأمم المتّحدة، وتراجعت فرنسا عن الحدود السّوريّة الشّماليّة وتخلّت عن ماردين وكيليكيا لصالح تركيا في مفاوضات الحدود كدولة منتدبة على سوريا، وكانت معادية للحركات الوطنية السورية([2])، وكانت تقمع كل حراك كردي محلّي آنذاك. بينما بريطانيا كانت راعية ومساندة لتركيا لقمع كل الحركات الكردية داخل تركيا وإيران، للحفاظ على مصالحها في الخليج وطريق الهند عبر الخليج العربي، على اعتبار أنّ الثورات الكردية وانتفاضاتهم تزعزع أمن الحدود بين تركيا وإيران وبالتالي إلحاق الضرر بالنفوذ البريطاني والخوف من تعاون الحركة القومية الكردية مع الاتحاد السوفييتي. كما جرت آنذاك صفقة لواء الموصل بين بريطانيا وتركيا من جهة ليبقى ضمن الحدود العراقية ومن جهة أخرى مع الحكومة العراقية لبقاء واستمرار الانتداب البريطاني في العراق والتلويح للحكومة العراقية بالتنازل عن الموصل لتركيا، خاصّةً أنّ بريطانيا تمسّكت بالعراق أكثر من السابق بعد أنْ شمت رائحة النفط في الموصل وكركوك.

في هذه الظروف الإقليمية كانت ثورة الكرد العلويين الزّاز في ديرسم والتي رسمت بريطانيا سبيلا للقضاء عليها بمعاهدة سعد أباد حيث استمر العمل بها حتى قيام الثورة الإيرانية وقدوم الإمام الخميني من باريس ليحكم إيران 1979م. وبالنسبة للعراق فقد استمر العمل بمعاهدة حتى الحرب العراقية الإيرانية 1980 م.

معاهدة سعد آباد وثورة ديرسم:

وُقّعتْ معاهدة سعد آباد بين أربع دول إقليمية وبإشراف بريطاني، وهي تركيا وإيران والعراق وأفغانستان في 8 تموز/يوليو 1937م في خضم أحداث ثورة ديرسم. حضر وزير خارجية إيران عناية الله سامي، ووزير خارجية تركيا توفيق رشدي، ووزير خارجية افغانستان محمد خان، ووزير خارجية العراق ناجي أصيل في العاصمة الإيرانية طهران في قصر سعد أباد. برعاية بريطانية بمزاعم أنّ هدفها بناء خط دفاع ضد شيوعية الاتحاد السوفييتي لمنعهم من الوصول إلى الهند وثروات الخليج العربي، إلّا أنّ مضمونها موجّهٌ لخدمة الطرفين التركي والإيراني بعدم التدخل والاعتداء على الحدود، وتحقيق التعاون الأمني بين الجانبين مع العراق والتنسيق فيما بينهم للقضاء على أيّة انتفاضات كردية([3]).

كما أنّ من نقاطها الهامة أنّ كلّ دولة وقّعت الاتفاق تتكفّل بعدم تشكيل وحدات مسلحة داخل حدودها تستهدف نظام وأمن الحكومات في الدول الأخرى. وعلى الرغم من عدم ذكر اسم الكرد وتنظيماتِه، فإنّ بلادَهم ووطنهم كردستان كان الهدف والمقصود، لأنّها هي المُقسّمة بين الدول المذكورة وهي المعنية بالاتفاق. وداخل كل من تركيا والعراق وإيران وسوريا لا يوجد سوى الأحزاب والتنظيمات الكردية، وبالتالي كان هذا الميثاق والاتفاق كان هدفه الكرد والشعب الكردي برمته في منطقة الشرق الأوسط الخاضعة للنفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي، وما يؤكد ما ذهبنا إليه، أنّ الاتفاقيات البريطانية والفرنسية والأمريكية أقرّت بتشكيل الدول القومية في الشرق الأوسط ولكنها تجاهلت عن عمد قوميات هامة في الشرق الأوسط مثل الكرد والآشوريين والسريان وإلى حدما الأرمن واعتُبروا وكأنهم غير موجودين لعدم رغبتهم في إغضاب تركيا وإيران، أو أنّ مصالحهم كانت تستدعي كسب الدولتين الإقليميتين ( تركيا وإيران ).

لقد حُلّت الخلافات الحدودية بين إيران وتركيا وبرغبة بريطانية فقد منحت إيران جزءاً من آرارات الكردستانية لتركيا مقابل ضم جزء من أراضي كردستان لإيران، وما ضمّ أفغانستان للاتفاقية إلّا لإخفاء الهدف الحقيقي من قبل الموقعين. لم تنفذ معظم بنود الاتفاقية إلا البنود المعادية للكرد فقط استمرت في المراقبة والتنفيذ وعلى جدول الأعمال حتى بعد الحرب العالمية الثانية 1945م وحتى قيام الثورة الايرانية وقيام الحرب العراقية الايرانية كما سبق وأسلفنا.

من جانبها استمرّت السياسة التركية تضرب على الوتر الديني داخل المجتمع الكردي في ديرسم ومحيطها لتأليب العشائر الكردية السنية على الكرد العلويين الزّاز على اعتبار أنهم كفرة، مستغلين حالة التخلف والتشرذم داخل المجتمع الكردي العشائري ذات المنشأ الإقطاعي مستفيدين من ولاء بعض العشائر الكردية مع ضعف نهوض الحركة القومية الكردية التي كانت تفتقر للانتشار والمدّ الجماهيري.

أحداث الثورة في ديرسم:

أصدرت السلطات العسكرية التركية بقيادة الجنرال ألب دوغان أمراً بفرض الحصار على مناطق تونجيلي وإيليازيغ وبينغول التي تشكل ولاية ديرسم، وطلب من الكرد سكان المناطق المذكرة تسليم 20 ألف بندقية وإلّا سوف تطالهم عقوبةٌ شديدة، كما أرسل سيد رضا زعيم الثورة رسالة إلى ألب دوغان طلب فيها إلغاء قانون التوطين وقانون تونجيلي والهجرة القسرية. كما طلب الاعتراف بحقوق السكان الكرد.

ردّت السلطات التركية بإرسال فرقة من المشاة وفوجٍ من الجندرمة مع 10 طائرات من السلاح الجو التركي التي كانت تقوم يومياً بالتحليق فوق المناطق الكردية ومراقبتها ومتابعتها([4]). ومع حلول شتاء 1936م توقفت العمليات العسكرية التركية بسبب البرد القارس والأمطار الغزيرة وانسداد الطرق بسبب تراكم الثلوج. وفي أوائل عام 1937م تجدد القتال بين الثّوار الكرد والجيش التركي وبدأت الثورة بالانتشار والتوسع، وشنّ الثوار الكرد الهجوم على القطعات العسكرية التركية ودمّروا الجسور وسدّوا الطرق وقطعوا خطوط التلغراف. وقد بلغ عدد المقاتلين الكرد حسب المؤرخين حوالي 30 ألف مقاتل. وفي مجريات المعارك بين الجانبين أرسلت القيادة العسكرية التركية فيلقاً لمحاربة الكرد، وجرت في المنطقة معركة قوزلجة كانت قاسية وعنيفة خرج منها سيد رضا جريحاً وتكبد ثوار ديرسم الكرد خسائر كبيرة، وحلّ خريف عام 1937 م ومرة أخرى ساءت الأحوال الجوية بسبب الثلوج وتعرقلت العمليات العسكرية التركية، فأرسل الجنرال ألب دوغان رسالة إلى السيد رضا بالموافقة على إجراء مفاوضات([5]) فأرسل سيد رضا ابنه (برا إبراهيم) إلى القيادة العسكرية التركية فاستدرجه الضابط التركي المدعو شوكت بالحيلة إلى قرية دشت وهنالك قُتل بوحشية بأمر من القيادة العسكرية التركية التي واصلت العمليات وأمرت بحرق الغابات المحيطة بديرسم، واضطرّ الثوار إلى مغادرة أماكنهم وسافر عصمت إينوو رئيس الوزراء التركي ووزير داخليته إلى مناطق العمليات.

وصل سيد رضا إلى أرزنجان بعد أن صدق ووثق بدعوة الجنرال ألب دوغان ولكنه اعتقل في 5 أيلول 1937م وقُدّم للمحاكمة وأعدم مع أحد عشرة آخرين من زعماء الثورة في 10 تشرين الثاني من نفس العام المذكور بينهم أبنه الأصغر ريسك حسين. والجدير بالذكر أنّ سيد رضا قد قال قبيل إعدامه شنقاً: “إنني قد بلغت من العمر 74 عاما وسأكون في صف شهداء كردستان، سأموت وستعيش ديرسم وتعيش كردستان والشباب الكردي قادمٌ ضد الطغاة لنيل الحرية والاستقلال”. وقال وقتها رئيس وزراء تركية عصمت اينوو (لقد تمت تصفية مسألة ديرسم، وطهّرنا المنطقة بالقطعات العسكرية) ولكنْ بعد عام واحد تبيّن للحكومة التركية أنّه لم تمت ديرسم ولازالت فيها جذوة المقاومة.

كلمة أخيرة:

رغم الهجرة القسرية، ورغم التغيير الديموغرافي والتطهير العرقي، ورغم العدد الهائل من الضحايا الكرد الذين تجاوز عددهم عشرات الآلاف، ورغم الوحشية والتمثيل بالجثث، لا تزال ديرسم رمزا للثورة والمقاومة. لقد أصبحت ديرسم وصمةَ عار في التاريخ التركي المعاصر. لقد كان أحد أشكال الإبادة الجماعية، ووصمة عار في جبين الدول الكبرى والدول الاقليمية، حيث يُقدَّر عدد ضحايا المجزرة بـ 40 ألف كردي والبعض يقدرها أكثر من ذلك بكثير.

ألفُ اعتذار من تركيا ومن أردوغان لا يعوّض الهياكل العظمية التي دفنت تحت الثلوج ولا الحفاةَ الذين ماتوا في الطرقات أثناء الهجرة القسرية، ولا يعوّض بطون الأمهات التي بُقرت بالحراب التركية.

 

[1] – مجموعة من المؤلفين، جليلي جليل، لازاريف، حسرتيان، شاكرو محويان، اولغا جيغالينا ترجمة. د. عبدي حاجي، الحركة الكوردية في العصر الحديث: ص 217 ط خاني دهوك.

[2] – جوردي تيجيل، ت. محمد شمدين، كرد سوريا. ط.دار الزمان 2021م ص: 30 وما بعدها.

[3] – الحركة الكوردية في العصر الحديث، ص: 221

[4] – لازريف، تاريخ كردستان، ط. اربيل 2011م. ص: 232

[5] – المرجع نفسه، ص: 232

المصدر: nrls

شارك هذا الموضوع على