الإثنين, مارس 4, 2024
 
القسم الثقافي

حليم يوسف: عن حلم بناء مؤسسة ثقافية

راود حلم بناء مؤسسة ثقافية مخيلتي منذ بداية شبابي وشغفي بالكتابة الأدبية التي تحكمت بحياتي منذ يفاعتي وحتى الآن. ولأن الكتابة فعل فردي، غالباً ما تجبر صاحبها على اللجوء إلى العزلة. ويتشرب معظم ممتهني الكتابة مع مرور الزمن عذوبة هذه العزلة، فيألفونها وتصبح لهم وطناً ملؤه الوحشة والحزن. نظراً لخصوصية وضعنا السياسي والاجتماعي والثقافي، فقد كانت إحدى عيني على العزلة لأستمر في الكتابة والعين الأخرى على مؤسسة ثقافية مستقلة تدار بعقلية إدارية، مهنية، بعيدة عن سطوة السياسة وتجاذباتها الأيديولوجية المتناقضة مع الثقافة قلباً وقالباً.

لا يخفى الوضع الثقافي المزري الذي كان سائداً في سوريا لمدة نصف قرن على أحد. ومنذ تشكيل الدولة الأمنية فقدت المؤسسة الثقافية معناها بتحولها إلى “فرع” أمني تابع لوزارة الثقافة التابعة بدورها لجهات أمنية تدير كل شاردة وواردة فيها ابتداءً من تعيين الوزير مروراً بموظفيها وانتهاءً بتعيين الناطور الواقف على باب مبنى الوزارة.

كان واضحاً أن التحدث عن مؤسسة ثقافية تمارس عملها وفق المعايير المهنية في ظل النظام السوري يعتبر ضرباً من الخيال وحلماً لا يراود سوى بعض المنفصلين عن الواقع. كما أن أية محاولة لبناء مثل هذه المؤسسة الثقافية سواءً من قبل الأفراد أو بعض الجهات السياسية أو من قبل مؤيدي النظام نفسه كانت محاولة محكوم عليها بالفشل الذريع. في حين أن المعارضة، على قلتها وضعفها، كان محكوم عليها إما بالموت أو بالتغييب في السجون.

ومع بدء ما سمي بالربيع العربي وانتقال قافلة الخراب التي رافقته إلى سوريا، انزاحت قبضة السلطة الحديدية بشكل جزئي عن بعض المناطق وساد البلاد وضع آخر مختلف تماماً وجديد، وقد رافق التحرك السياسي والجماهيري للسوريين في الشوارع والذي تحول فيما بعد إلى صراع مسلح، محاولات ملفتة من قبل بعض المنخرطين في العمل الثقافي لإحياء ذلك الحلم الثقافي القديم الذي كان يراود مخيلة الكثيرين وكنت أحدهم. وتشكّلت اتحادات للمثقفين وللصحافيين وللكتاب بدأت تتأهب لطي صفحة المنظمات الثقافية الشكلية التابعة للنظام من “اتحاد الكتاب العرب” و”اتحاد الصحافيين” وغيرها. ولكي لا يتشعب الموضوع سأكتفي بذكر تجربتي مع ما سميت برابطة الكتاب السوريين بشكل مقتضب. وبالتوازي مع تأسيس هذه الرابطة التي كنت أحد المشاركين في مؤتمرها التأسيسي في القاهرة سنة 2012 كان هناك اتحاد آخر تحت مسمى “الكتاب الأحرار”، تبين فيما بعد أن هذا الاتحاد هو الفرع الأدبي غير المعلن لجماعة “الإخوان المسلمين”، في حين أن رابطة الكتاب السوريين هو الفرع الأدبي غير المعلن للتشكيلة السياسية التي كانت تعرف ب “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” بشكل رسمي، وهي لم تكن سوى مجموعة مؤلفة من خدم صغار لدى الأمن التركي بشكل غير رسمي، وبات عملها ينحصر في تنفيذ أجندة الاستخبارات التركية على الأرض السورية عبر أذرعها السياسية والعسكرية. وتبين فيما بعد بأن هذه المنظمات الثقافية من حيث الجوهر لم تكن سوى الوجه الآخر، المقلوب، من المنظمات الثقافية التابعة للنظام السوري. والمفارقة التي حدثت معي هي أن طلب عضويتي لاتحاد الكتاب العرب التابع للنظام قد رفض بسبب أمني”خطر على أمن الدولة”، في حين تم طردي من “رابطة الكتاب السوريين” التابعة “للمعارضة” بسبب تأييدي لجهة متحالفة مع النظام. والمقصود هنا هو تأييد “وحدات حماية الشعب” والدفاع عنها وعن حزب” الاتحاد الديمقراطي” الكردي الذي يعتبرونه حليفاً للنظام. في حين كان أعضاء رابطة الكتاب السوريين من الشعراء والكتاب، منهم من كان شيوعياً وماركسياً ومنهم من كان معتقلاً سابقاً ويسارياً، يصفقون فرحاً لانتصارات “جبهة النصرة” ويكتبون قصائد حماسية احتفالاً بفتوحات “المسعودي” في إدلب وسيطرته مع مجاهديه عليها.

في تلك الأثناء كان صدى كلمات صاحب فكرة تأسيس رابطة الكتاب السوريين وهو يدعوني لحضور المؤتمر التأسيسي لها حول سوريا الجديدة والمؤسسة الثقافية المستقلة يتردد في أذني مثل “جعجعة بلا طحن”. وعلى الصعيد الكردي كان تأسيس “اتحاد مثقفي غربي كردستان” خطوة متقدمة في هذا الاتجاه. تأسس الاتحاد في أوربا بعد انتفاضة الثاني عشر من آذار في العام 2004 بهدف الوصول إلى بناء جسم ثقافي حيوي يعمل بشكل مهني بعيداً عن المنافسة الحزبية الكردية. ومنذ العام 2018 انتقل مركز الاتحاد إلى داخل الوطن لتشكيل مظلة ثقافية تجمع كل المشتغلين في الحقل الثقافي بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والاتجاهات السياسية لهؤلاء، خاصة أن الساحة الثقافية الكردية تتوزع بين اتحادات ومنظمات تابعة للأحزاب السياسية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وعاد الحلم بتأسيس منظمة جامعة تطغى عليها الهوية الثقافية لصالح تغييب الانتماءات السياسية يراود الكثيرين منا.

ودرءاً للإطالة فإنني سأكتفي بعرض النتيجة وهي أن هذا المشروع تم إجهاضه منذ الأيام الأولى بتأسيس اتحادات للمثقفين، وأصبح لكل مقاطعة أو مدينة اتحاده الخاص للمثقفين، وازداد كل اتحاد ثقافي أو اتحاد للكتاب تمسكاً بالجهة التي يتبع لها. وأصبح “اتحاد مثقفي غربي كردستان” رغم تميزه ونشاطه المتفرد، رقماً مضافاً إلى أرقام اتحادات أخرى، لم يستطع أن يجمع تحت مظلته الثقافية الواسعة سوى أعضائه فقط، وبقيت الاتحادات والمنظمات الأخرى تتابع عملها ” الحزبي” وكأن شيئاً لم يكن. في حين لم تعد فكرة تأسيس مؤسسة ثقافية مستقلة تراودنا حتى في الأحلام.

المصدر: نورث برس