الثلاثاء, فبراير 27, 2024
القسم الثقافي

زائر القرية – عباس سرحان

توسدت قريتنا شاطئا رمليا  بين هور الحمّار ونهر دجلة،  وحفّتها من جهات إيشانات أثرية يعتقد المسنّون أنها ذكريات من أزمنة بعيدة.

قبل سنوات لم تكن منازلنا في مكانها اليوم، انما كانت تنغمس في نهر دجلة لشدة قربها منه، لكن الفيضانات المتكررة للنهر جعلت سكان القرية يحزمون أمرهم ويعزمون على تغيير سكناهم الى هذا الشاطئ الرملي .

تحملوا مضطرين مشقة الابتعاد عن حقولهم والنهر الذي كان مصدر المياه النقي الوحيد، طلبا للسلامة من الفيضانات المتكررة. كانت الفيضانات تغرق بيوتهم المصنوعة من القصب والبردي.

سكّان قريتنا قليلون حتى أن اسماءهم لا تتشابه وملامحهم ايضا، وما أن يحل ضيف لدى احدهم إلا ويثير فضول الآخرين من سكانها.

لا تستغربوا فمن الطبيعي ان ينشغل الناس ببعضهم وقتذاك، إذ لم تكن وسائل الاتصال والتواصل على ما هي عليه اليوم، وكان الاستئناس بالناس الوسيلة الوحيدة للتغلب على وحشة الحياة وما فيها من قسوة ووحدة.

على وتيرة معتادة تمضي حياة الناس يوميا وعلاقاتهم تطبعها الألفة غالبا، ولا يعكر صفو القرية ما يعكر المدينة من أخبار وأحداث وتشابك في العلاقات المختلفة.

لكن  في صيف 1979 قصد قريتنا شاب نحيل ذو شعر كث طويل، ملامحه بارزة كما لو  يعاني من علّة سلبته العافية.

كان ، رياض، وهذا هو اسمه، يكبرنا نحن صغار القرية بأعوام. لكنه لم يبلغ سن الرشد بعد، وقد استقر في منزل عمّته القريب من منزل أسرتي ولم يكن ليخرج منه إلا قليلا.

كانت أطواره لافتة وغريبة، فهو قليل الاختلاط بمن حوله صامت بشكل دائم وحذر الى درجة الخوف، و بروح الصغار النقية البيضاء، وفضولهم البريء كنا نتوق أن يشاركنا، رياض، اللعب او السباحة في النهر، أو يخرج معنا حين نتسلق بمرح أغصان السدرة الكبيرة على نهر دجلة.

تلك السدرة بجذعها الضخم وأغصانها المتشابكة كانت تحتوينا وتثير فينا عصفا من العواطف الغامرة، وكأنها إحدى جدّات القرية الحنونات، حتى اننا كنا نقصدها بعد انتهاء الامتحانات لنلعب ونضحك ونمرح فوق اغصانها.

لكن ، رياض، لم يلتفت إلى الإثارات من حوله، وبإصرار لفَّ نفسه برداء من الغموض وظل يتجنب الناس بشكل غريب كما لو أنه مأمور بعدم الاختلاط بأحد، ولم يخرج من منزل عمّته إلا نادرا.

هو يكتفي أحيانا بالجلوس على حافة سطح حجرتها الطينية يراقب بانتباه مثير طريقا للسيارات يمرّ حذاء القرية.

لم يكن في الطريق  ما يثير الاهتمام، بالنسبة لي على الاقل، فليس سوى السيارات التي تمر على غير انتظام من حين لآخر. لم تكن أعداد السيارات وأحجامها وألوانها كثيرة كما هي اليوم.

كنت أحسبه سئم  الجلوس في المنزل وخرج ليمدَّ نظره نحو الآفاق والحقول من حوله، او لعله كان يستمتع بمراقبة السيارات التي تسلك الطريق، وليس شيئا آخر.

ما أخالني تصورت أنه كان حذرا من شيء خطير، فتفكيري البسيط وأفكاري الطفولية الساذجة لم تتخط ذلك.

مرّت اسابيع ورياض يمضي  وقته بالانزواء، وفي يوم صيفي ساخن وبينما كنت رفقة والدي عند شاطئ ارضنا الزراعية سمعنا جلبة وصياحا فيه تهديد وتحذير، فهرعنا نحو السدة الترابية العالية على حافة النهر نتفحص ما يجري.

جهة الصوت توقفت سيارتان نوع ” بيك اب “وترجل منهما خمسة اشخاص يحملون أسلحة صوبوها نحو شخص لايزال اسفل السدة الترابية محاذاة النهر.

كنا نرقب المشهد بقلق،  فلم تعتد قريتنا على حادث مثله، فمن هؤلاء المسلحين وماذا يريدون ومن هو الشخص المطلوب؟.

وبين هذه الأسئلة وغيرها  صعد الى السدة الشخص الذي وجّهت نحوه الأسلحة الخمسة، فيما تراجع المسلحون المحيطون  به بتوثّب وكأنهم يحيطون بكائن شرس يخشون انقضاضه عليهم.

إنه “رياض” زائر القرية الغريب الذي أفلت من فضول كل الناس ولم يتمكن من الإفلات من خمسة أشخاص بينهم الواشي حاصروه عند شاطئ النهر وحيدا.

كان يُمسك سنارة واضح انه لجأ اليها لتمضية وقته عند شاطئ النهر بعد ايام من العزلة، وبدا ان أحدا من أبناء القرية كلفته السلطة بمراقبته قد وشى به.

تلك المرة الاخيرة التي ارى فيها رياض، فبعد اسابيع سلموا جثته لأسرته ومنعوها من اقامة مجلس الفاتحة على روحه.

أُعدم رياض وهو لم يجتز مرحلة المراهقة بعد، لأنه انتقد بكلمات عابرة غير مقصودة سلطة حزب البعث.

لم تعد قريتنا الهادئة كما كانت، شاع فيها الشك والخوف وصار الناس يخشون بعضهم ويحسبون لكلماتهم حساب، ودخل الغرباء بينهم.

وأغلق الجميع ابوابهم..!