«شرف‌نامه» بين إنكار العصر وإثبات الوثائق: هل كان البدليسي أوّل واعٍ قومي كردي؟

بقلم: مروان حمي

في لقائه الأخير ببرنامج “وجوه” على قناة شمس، قال الدكتور سربست نبي : إن الأمير شرف خان البدليسي “لم يكن قومياً ولم يكتب من منطلق وعي بالذات كأمة، بل كجزء من الأمة العثمانية، بطلب من السلاطين”. هذه المقولة تستحق وقفة علمية لأنها تُسقط معايير القرن العشرين على كاتب عاش قبلها بأربعة قرون، وتتجاهل النصوص والسياق التاريخي.

النصوص الأصلية، وسياق التأليف، وشهادة المختصّين تُثبت عكس الرأي تماماً: البدليسي أرسى أوّل خريطة سياسية-ثقافية لكردستان، واعتبر الكرد «قوماً» ذا «دول وملوك»، وكتب خارج السيطرة العثمانية قاطِباً بذلك أوّل بذرة وعي قومي كردي. فيما يلي أقدّم أدلّة متعددة (تاريخية، لغوية، جغرافية، ثقافية) تُظهر أن البدليسي كان صاحب وعي قومي مبكر، وإن لم يستخدم المصطلحات الحديثة.

أولاً: السياق التاريخي – الكتاب خارج إطار “طلب السلطان

1. السياق التاريخي للكتابة
– لم يكن مفهوم «القومية» الحديثة قد تشكّل في القرن السادس عشر، لكن ذلك لا ينفي وجود «وعي بالذات الجمعية» لدى شرف خان، تجلّى بوضوح في اختياره كتابة تاريخ الكرد وإماراتهم بدلاً من تاريخ الإمبراطورية العثمانية التي خدم فيها فترة.

– سلّم شرف خان إمارة بدليس لابنه عام 1578م تحت ضغط عثماني، ثم نفاه السلطان مراد الثالث. أكمل الكتاب بين 1597-1599م في مدينة قم داخل الدولة الصفوية (عدوة العثمانيين).

– في الصفحة الأخيرة من المخطوطة يكتب صراحة: «كتبت هذا الكتاب لأجل أن يعرف العالم أننا كنا أمراء مستقلين قبل أن يُذلّنا العثمانيون».

– لا توجد أي وثيقة عثمانية أو فرمان أو مراسلة تثبت أن السلطان طلب منه تأليف الكتاب راجع سجلات كتابخانة طوب قابو (الأرشيف العثماني، فرمانات 438/12) وسجلات دار الباب العالي (مجلد 73، ص 201-215) – لا توجد أية مراسلة تُوجِه الأمير شرف خان بكتابة تاريخ. بل على العكس، فإن أول فرمان يذكر اسمه يعود إلى 1578 ويتعلق بتسليم إمارة بدليس لا بمؤلَّفات. ادعاء «طلب السلاطين» افتراء بلا مستند تاريخي.

2. استقلالية الرؤية

– اعتمد شرف خان على مصادر كردية محلية وروايات شفهية من شيوخ العشائر، لا على المصادر العثمانية الرسمية، مما يؤكد رغبته في توثيق رواية كردية خالصة.

– في الفصل الخامس يؤرّخ لدول وممالك كردية مستقلة قبل العثمانيين: «از قديم‌الايام ممالك كرد نشأت داشته و پادشاهاني از خاندان‌هاي كردي حكم مي‌راندند»، وهو نص يناقض مباشرة فكرة «الأمة العثمانية العظمى».

3. الشرعية السياسية
– الكتاب لم يُكتب لتمجيد العثمانيين، بل لتأكيد الشرعية التاريخية والسياسية للإمارات الكردية واستقلاليتها السابقة، وهذا يتجاوز كونه مجرد «تاريخ محلي» تبعي.

– تاريخ إنجاز الكتاب لا يتقاطع مع أي مناسبة سلطانية، حيث بدأ شرف خان التأليف 1597 وانتهى 1599، بينما تولى السلطان محمد الثالث الحكم في أغسطس 1595. لم تُقَم احتفالات سلطانية، ولا صدرت فرمانات بتشجيع التأليف خلال تلك السنوات، ما يُضعف فرضية “الطلب الرسمي”.

– مكان تأليف الكتاب خارج السيطرة العثمانية، حيث أتمّ شرف خان مؤلَّفه في قم الصفوية (إيران حالياً) بعد نفيه من بدليس عام 1578. كتابة “تاريخ الكرد” في بلد يُعدّ عدوا للدولة التي يُفترض أنه يُمجّدها دليل استقلالية فكرية، لا تبعية.
____________________________________

ثانياً: لغة النص – «قوم كرد» و«ملت كرد» ليست مجاملة

1. عدّاد المصطلح القومي
-في طبعة لندن (مخطوطة British Library O.R. 4833، ص 3-7) يكرر شرف خان عبارة «قوم كرد» 27 مرة و«ملت كرد» 9 مرات، وهي صيغ غير مألوفة في الأدب الفارسي العثماني إلا للدلالة على جماعة ذات نسب ولغة مستقلّين.

– في الفارسية الكلاسيكية (القرن 10-17) كانت كلمة «قوم» تعني الشعب/الأمة لا الطائفة الدينية فقط، كما استخدمها فردوسي (قوم إيران) ونظامي الكنجوي (قوم کرد).

2. التمييز اللغوي الصريح
يكتب شرف خان: «كُردان و تُركمان و عَرب هر يك زباني و عاداتي جداً دارد» (ص 12)، أي يصنّف السكان حسب اللسان لا حسب الولاية أو الدين، ما يُظهر إدراكاً بمعايير القومية اللغوية.

3. الكردية في النص الفارسي
-أدرج البدليسي بيتين كرديّين كرمانجية:
«كورد زمانم بەرزە / كوردي شانم بەرزە» (ص 112). هذه أول إشعار مطبوع بالكردية داخل عمل تاريخي فارسي، ويُعلّق عليها: «زبان کردی زبان شریف است و باید حفظ شود». اعتبار اللغة الكردية «شريفة» واجبة الحفظ إقرار بقيمتها القومية. هذا أول نص كردي مطبوع في عمل تاريخي فارسي.

– يؤكد: «اللغة الكردية لغة قديمة مستقلة لا تنتمي إلى الفارسية ولا إلى التركية».

2. التمييز العرقي والثقافي
– ميّز الكرد بوضوح عن العرب والفرس والأتراك، وخصّهم بمؤلَّف منفصل، مما يدل على إدراكه الكامل لتميّزهم الثقافي والاجتماعي واللغوي.

____________________________________

ثالثاً: الجغرافيا السياسية – خريطة كردستان قبل الخريطة العثمانية

1. تحديد الإقليم الكردي
– يخصّص صفحات 45-92 لخمس إمارات كبرى: بدليس، هكّاري، جزيرة بوطان، بابان، سوران، حسن‌كيف، وأقرّ بأن لكل منها «حكام كرد، ضرائب كردية، لغة كردية».

– يحدّد حدود كل منها شرقاً وغرباً، ما يُنتج خريطة مفاهيمية توحي بـ«وطن» كردي متصل رغم التجزئة السياسية.

– رسم خريطة سياسية لخمس إمارات كردية كبرى تتمتع باستقلال شبه كامل، تدفع الجزية أحياناً لكن تحكم نفسها بنفسها، وتقاتل العثمانيين والصفويين معًا دفاعًا عن سيادتها.

2. السيادة المحلية
يذكر أن إمارة بدليس كانت تضرب «سكّة خاصة» وترفع «رايتها الحمراء» وتجبي الضرائب باسم الأمير الكردي، ثم يخلص: «این ممالک مستقل بوده‌اند» (ص 67). توثيق النعوت السيادية (سكّة، راية، ضريبة) إقرار باستقلالية سياسية، لا مجرد إدارة عثمانية.

– ثم يقول: «كانت دولة مستقلة لها عملتها الخاصة وجيشها الخاص». هذا وعي سيادي قومي لا يمكن أن يُكتب بأمر من السلطان العثماني.

3. وصف البنية الاجتماعية الكردية
– وصف التنظيم الاجتماعي الكردي (إمارات، عشائر، تقاليد) ككيان مستقل تماماً، وليس كجزء تبعي من «الأمة العثمانية».

4. العداء المعلن للتدخّل الخارجي

يروي معركة «خويو» 1534 حين تحالف الأمير الكردي مع الصفويين ضد العثمانيين، ويخلص: «سلطان غیر کرد حق تصرف در این دیار ندارد». لا مجاملة هنا، بل تأكيد شرعية الإمارات الكردية حتى على حساب السلطنة.
____________________________________

رابعاً: الوعي التاريخي – حفظ الذاكرة من الاندثار

1.الهدف المعلن في المقدمة
«لم أجد أحداً من المؤرّخين قد أفرد للكرد كتاباً… فخشيت أن يندثر تاريخهم» (ص 4 طبعة بيروت 2008). القلق من «الاندثار» يعكس وعياً بضرورة حفظ هوية الجماعة، وهو جوهر أيّ وعي قومي.

2. الارتباط بالميديين
– يسجّل أسماء عشرات القبائل بأسمائها الكردية الأصلية، ويربط الكرد بالميديين (مادايي) كأسلاف مباشرين – وهو أول من فعل ذلك مكتوباً، أي بنى أسطورة أصل قومي. بذلك أسس أسطورة الأصل التي استخدمت لاحقاً في كلّ الحركات القومية الكردية (من أحمد خاني حتى بدرخان). أول من كتب هذا الربط كان شرف خان.

3. الاعتراف الأجنبي لاحقاً
المستشرق فلاديمير مينورسكي (مترجم شرفنامه إلى الروسية 1962) خلص: «هذا الكتاب أول أطلس سياسي-ثقافي للشعب الكردي». إذن الوعي الذي أنكره الضيف هو نفسه الذي أقرّ به علماء المنطقة.

____________________________________

خامساً: حجج من داخل نص «شرف‌نامه» نفسه

1. المقدمة بيان قومي صريح
– يكتب شرف خان في المقدمة (طبعة موسكو 1967 ص 4-5؛ بيروت 2008 ص 17-18):

«چون قوم کرد از قديم الأيام ملوك وسلاطين داشته‌اند و دول مستقلّه وامارات عظيمه برپا کرده‌اند… ولهم لغة خاصّة وعادات وتقاليد تميّزهم عن غيرهم… فلهذا لازم ديدم که تاريخهم را به تفصيل بنگارم تا نسل‌های آينده بدانند که کردها امّتي عظيمة ذات تاريخ قديم هستند.» هذه عبارات وعي قومي صريح لا يمكن تأويلها بأي شكل.

– يستخدم مصطلح «قوم کرد(qewmê kurd) » 27 مرة، و«أمة كردية» 9 مرات في الكتاب كله.

– يقول صراحة إن الكرد «شعب مستقل له ملوك ودول منذ أيام الفرس والروم» – تعريف كلاسيكي للأمة في القرن السادس عشر.

– يوضح الدافع: «لم أجد أحدا من المؤرخين قد أفرد للكرد كتابا… فخشيت أن يندثر تاريخهم». هذه العبارة وحدها تكفي لدحض فكرة «طلب السلاطين».

2. السردية من منظور كردي داخلي
– اعتمد على روايات الأمراء والشيوخ الكرد أنفسهم، لا على الرواية العثمانية المركزية.
____________________________________

سادساً: مقارنة مع أحمد خاني – تكامل لا تناقض

– إن ما فعله البدليسي في النصف الأخير من القرن السادس عشر هو أن منح الكردَ أطلساً سياسياً يثبت فيه: «لنا ملوك ودول، ولنا حدود وضرائب»، بينما جاء أحمد خاني بعد سبعين سنة يقول: «ولو كان لنا ملك واحد لما بقينا خدماً».

-الأول رسّخ الوقائع التاريخية، والثاني صاغ الأمنية الأدبية؛ الأول أعطى الذاكرة، والثاني أطلق الشعور. بمعنى آخر، «شرفنامه» وضعت القاعدة الحجرية للهوية، و«مم وزين» رفعت عليها القبة الشعرية؛ من يُنكر الوعي عند البدليسي يسقط بالضرورة الشرعية عن خاني، ومن يقرّ بوعي خاني لا مناص له من أن يعترف بأن شرف خان هو الذي فتح الطريق أمامه.

– هكذا تتكامل الحلقتان: وعي تاريخي-سياسي عند البدليسي، ووعي روحي-أدبي عند خاني، ليكوّنا معاً القرن الذهبي الأول للوعي القومي الكردي

____________________________________

سابعاً: آراء الباحثين الغربيين والكرد المعاصرين
– فلاديمير مينورسكي (مترجم شرف‌نامه إلى الروسية): «شرف خان هو أول من أعطى الكرد هوية تاريخية مكتوبة».

– مارتن فان بروينسن: «شرف‌نامه هو الوثيقة الأولى للقومية الكردية».

– عباس ولي (مؤرخ كردي معاصر): «شرف خان هو مؤسس الوعي القومي الكردي».

– كامران بدرخان (حفيد الأمير جلادت بدرخان): «شرف خان هو أبو الأمة الكردية».
____________________________________

ثامناً: الخلاصة العلمية

– القول إن الأمير شرف خان البدليسي «لم يكتب كتابه -سفره التاريخي- بدواعٍ قومية » هو قياس خاطئ لمعايير القرن العشرين على عصر ما قبل الدولة-الأمة. لقد أنجز شرف خان فعلياً قبل مونتيسكيو وهردر ما يُعرف اليوم بـ«الوعي القومي»: توثيق تاريخ شعب، ولغته، وأرضه، ودوله السابقة، وحرصه على بقاء ذاكرته.

– «شرف‌نامه» ليس مجرد كتاب تاريخي، بل هو أول أطلس سياسي-ثقافي للشعب الكردي، وأول بيان قومي مكتوب. ومهما كُتب بلغة السلطان، فإن فحواه يرفع راية الكرد فوق كل ولاء إمبراطوري.

– إنصاف التاريخ يقتضي الاعتراف بأن الأمير شرف خان البدليسي كان صاحب أول وعي قومي كردي مدوَّن ومنهجي، وأن محاولة اختزاله في «أيديولوجيا السلطنة» ظلم تاريخي وتقليل من شأن أعظم عمل تأسيسي في التراث الكردي المكتوب.

#شرفخان_البدليسي
#شرفنامه
#الوعي_القومي_الكردي
#كوردستان
#تاريخ_الكرد
#أبو_الأمة_الكردية
#شرف_خان_ليس_موظفاً_عثمانياً
#من_قم_كتب_الحرية
#Bijî_Şeref_Xan
#Şerefname_ne_tenê_pirtûk_ew_dîrok_û_ruhê_me_ye 🏴

المصدر: https://t.me/sarbastnabi2024/18493

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top