الأحد, يونيو 16, 2024

شورش درويش: عن غاية تركيا من حربها الأخيرة

آراء

لم يعد استخدام كلمة “استهدافات” يفي بالغرض عند شرح جرائم تركيا المشهودة. لعل كلمة “حرب” هي الأدق لتوصيف ما يجري، إذ إن الاستهداف قد يعبّر عن عمل آنيّ ومؤقت، وهو ما قد تجاوزته مناطق شمال شرقي سوريا مع استدامة العدوان، كما أن الاستهداف قد يرمي لتحقيق غاية محددة كالاغتيال أو إلحاق ضرر بقوّات العدوّ أو اعتباره جزءاً من حرب عامة.

بعد توقّفها لفترة وجيزة، كان من المتوقع أن تباشر تركيا عملية تدمير وتصفية أخرى لسبل عيش السكان وما تبقّى من مرافق حيوية، وما تمّ إصلاحه من محطّات كهرباء ومياه ومنشآت نفطية تعرّضت للقصف في وقت أسبق، ذلك أن تركيا محكومة بما يمكن تسميته “هوس الأمن القوميّ” الذي يدفعها إلى تعقّب كل صعود كرديّ داخل وخارج حدودها، غير أن أخطر ما في هذا الهوس القاتل أنه يُشعر الدولة التركية بأنها تقوم بواجباتها الطبيعية المتمثّلة أوّلاً وأخيراً بالقضاء على أي تطلّع سياسي كردي.

لم تجدِ المحاولات المتعقّلة، التي سعى إليها مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) عقب انتهاء مؤتمره الرابع نهاية العام الفائت، في دعوة تركيا للحوار، على ما صرّح به رئيسه المشارك لمسد محمود المسلط، أو الدعوات الأسبق التي دعا إليها مسؤولون في الإدارة ومسد، ذلك أن طاقة العنف المهولة للدولة التركية تمنعها من التفكير خارج صندوق الحرب والإخضاع. هذا لا يعني أن الدعوة للحوار سلوك سياسيّ خاطئ بقدر ما يمثّل ورقة عبّاد شمس أخرى تكشف النوايا التركية الحقيقية: حيث الحوار هزيمة للدولة وأجهزتها وقيمها المختلّة.

خلال النصف الأول من الشهر الجاري طاول القصف التركي أكثر من 120 موقعاً، كلها دون استثناء ليست مواقع عسكرية أو تستخدم لغايات عسكرية؛ فالتمييز بين ما هو مدني وعسكري لا يهمّ صانعي قرار الحرب التركي، إذ إن المهم هو أن تنسج الحكومة التركية حكاية نجاح في ذروة الفشل الأمني والعسكري الذي تعرّضت له في جبال كردستان العراق يوم 12 كانون الثاني/يناير الجاري. كما أن تباهي مسؤوليها في تحديد الأعيان المدنية والبنى التحتية كأهداف مشروعة يعكس مزيجاً من الغطرسة والتهوّر، واللامبالاة بمحاسبةٍ داخلية أو محاكمة دولية.

ولئن كانت الحرب التركية ترمي إلى إحداث مشاكل اقتصادية للإدارة الذاتية وما يتبع ذلك من مشكلات اجتماعية وسياسية، وتصدير للأزمة الداخلية التركية وفشل أنقرة في الوصول إلى اتفاق سلام تاريخي ينهي الصراع الكردي التركي على أراضيها، فإن واحدة من غاياتها الإضافية هو إحداث الفوضى داخل منطقة الإدارة الذاتية، ولأن الفوضى تحتاج إلى أفضل من قد يساهم فيها، وهي في حالة شمال شرقي سوريا، تنظيم داعش، يصبح من المعقول أن تعمد تركيا إلى الإضرار بمسار مكافحة داعش، ومحاولة “تحرير” سجناء التنظيم، وهو ما فعلته عبر استهدافها سجن الصناعة بالحسكة بقصف صاروخي أصاب قسم “أشبال الخلافة”، الأمر الذي دفع العشرات من معتقلي التنظيم لمحاولة الفرار من السجن.

ثمة غاية أخرى تغذّي فكرة اللجوء إلى الحروب العدمية في شمال شرقي سوريا وكردستان العراق ومفادها حاجة التحالف الحاكم إلى “انتصارات”، لا يهم أين وكيف، فالمهم أن تُصدّر للناخب التركي قبل موعد الانتخابات البلدية المقبلة في آذار/مارس القادم، ويضاف إلى ذلك أن خطاب الحرب قد يحرج حزب المساواة والديمقراطية للشعوب ونوّابه في البرلمان، وقد يساهم في إعادة فرض نسخة صارمة لحالة الطوارئ على الولايات الكردية، وإفقاد الناخب الكردي الحماسة المطلوبة للتصويت لصالح الحزب الموالي للكرد.

يبقى أن صمت الضامنين الأميركي والروسي هو أكثر ما يشجّع تركيا للمضي في طريق الحرب المفتوحة والمستمرة، فإذا كانت روسيا قد فقدت القدرة اللازمة لضبط إيقاع الأوضاع العسكرية في سوريا بعد حربها المديدة على أوكرانيا، فإن الولايات المتحدة باتت تركّز إلى جانب ضمان إلحاق الهزيمة بداعش على تعقّب المجموعات التابعة لإيران وانشغالها بتطويق أفق تمدد حرب غزة ووقف اتساعها إقليمياً، وقد يكون ثمن الصمت الأميركي هو اتباعها سياسة الإثابة ومكافأة تركيا على موافقتها لإنضمام السويد للناتو.

يعزز الصمت الدولي وصمت الضامنين مضافاً إليه صمت السوريين المطبق، فكرة ذهاب تركيا لأبعد من حرب المسيّرات إلى حيث الدعوة لتنفيذ احتلال آخر، على ما طالب به دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية، وشريك أردوغان في الحكم بوجوب “إنشاء منطقة آمنة بعمق 60 كيلومتراً” ضمن الأراضي السورية والعراقية، وإذا كان مثل هذا الطرح يبدو مجنوناً وغير قابل للتنفيذ فإنه يعكس رغبة في إحداث استقطاب سياسي لصالح التحالف الحاكم قبل موعد الانتخابات البلدية المقبلة.

في المحصلة لن تنجح الحرب التركية الحالية في الإجهاز على الإدارة الذاتية أو إيقاع فوضى أمنية أو فتنة داخلية، لكن الهجمات الوحشية دمّرت البنى التحتية وأخرجت محطات الكهرباء والغاز والنفط والمياه من الخدمة، بمعنى أنها أعادت المنطقة بالفعل إلى نقطة الصفر، أي إلى عقود للوراء، حيث حرمت حوالي مليون شخص من حقهم في المياه النظيفة والكهرباء والغاز المنزلي وإدخال المنطقة في مشكلة وقود وطاقة طويلة الأمد.

والحال أن الحرب التركية إن كانت تهدف لإنهاء وجود الحكم المحلّي القائم فإنها ستفشل بالنظر لتعقيد ملفات عدّة مترابطة: محاربة داعش والتشبيك الجاري بين قسد والتحالف الدولي، والموقف الروسي الرافض لإحلال الأتراك في مساحاتٍ سورية أخرى دون موجبات، وحاجة المجتمع المحلي لإدارة متماسكة تعوّض غياب الدولة. أما إذا كانت الحرب تهدف فقط إلى التدمير وإلحاق الأذى بالمدنيين فإنها بكل تأكيد نجحت في بلوغ هذا الهدف الوحشيّ.

المصدر: نورث برس

شارك هذا الموضوع على