الجمعة, مايو 24, 2024

عندما يذوب الصمت

القسم الثقافي

كفاح الزهاوي

استيقظت من النوم ومازلت أشعر بالنعاس. قفزت من الفراش، متثائبًا بصوت عالٍ مع إصدار نغمات نشاز في كل مرة ضغطت فيها على فمي بأصابع يدي المتراصة.

أرسل صادق وهو مزارع في الخمسينيات من عمره، ابنته الصغيرة البالغة من العمر عشر سنوات إلى مقرنا في وقت الظهيرة، طالباً المساعدة الطبية، لأن زوجته كانت تشعر بوعكة صحية. أعدتُ حقيبتي الطبية وتوجهت إلى منزلهم المتواضع، الذي بناه بنفسه من الحجر والطين على الهضبة المطلة على مقرنا. يتألف المنزل من غرفة واحدة، فيها موقد، منتصباً في منتصفها. بالإضافة إلى الغرفة، بنى كوخاً صغيراً كان مدخله مواجهاً للمنزل. استخدمهكمطبخ.

بعد أن انتهيت من فحص زوجته. قدمت لي ابنته قدحًا من الشاي. وفي هذه الأثناء دخل شاب وهو بيشمرگة ينتمي إلى أحد الأحزاب الكردية التي كانت تتواجد قواتها في نفس الوادي. كان نحيل الجسد، عيناه غائصتين في محجريهما، ضامر الوجه، يخفي تحت بشرته حزنًا عميقًا. يلبس معطف غامق اللون.

رحب صادق به وقال:

  • أهلا بك يا دكتور. تفضل بالجلوس.

أجاب بصوت خفيض:

  • تعيش.

ثم جلس قبالتي وعينيه تحوم الغرفة بتفحص كمن يلقي على أجوائها نظرة الوداع. ثم أرخى نظره إلىالأرض، كاد اليشماغ أن يسقط من فوق رأسه. ومع ذلك لم يرفع عينيه نحوي. بينما طلب صادق من ابنته تقديم الشاي للضيف.

وأردف صادق وهو يوجه كلامه الى الضيف:

  • كانت زوجتي تشعر بالتعب منذ يوم أمس، بفضل دكتور نضال من البيشمركة التابع للحزب الشيوعي العراقي الذي استجاب للطلب وتولى الأمر.

عندها رفع رأسه وألقى نظرة سريعة نحوي بإيماءة خفيفة من رأسه بطريقة كمن يقول مفهوم.

ثم أضاف صادق كمن لا ينسى خدمات الآخرين ايضا:

  •  يزودنا دكتور بهزاد أيضًاً بالأدوية الطبية في كل مرة يزورنا فيها.

كان بهزاد رجلاً في الثلاثينيات من عمره. وهو معاون صحي. جاء مع مفرزة إلى المقر التابع لحزبهم في مهمة عمل.

وفي تلك الجلسة القصيرة ترك لدي انطباعبأنه غير ودودوانسان غامض، لذلك حاولت التجنب وعدم الخوض في أي نقاش ودي معه. بعد ان احتسيتُ الشاي، غادرت المنزل.

وفي اليوم الثاني، في تمام الساعة الثانية بعد الظهر عندما كنت أزور مقر حزبهم، تناهى إليّ أصوات تشي بالشجار، عرفت فيما بعد ان بهزاد هو أحد اقطاب الخلاف في هذا التبادل اللفظي مع بعض رفاقه.

وفجأة استولت عليه رغبة جامحة بمغادرة المقر الذي ضيفًا فيه والعودة إلى مكان إقامته في موقعآخر، على الرغم من مناشدات البعض لمنعه من اتخاذ خطوة التي قد يندم عليها في حال أخبروه بمخاطر الطريق.

عند خروجه من الغرفة، كان سلاحه من نوع الكلاشينكوف الروسية قد علا كتفه والغضب يغمر عينيه، ووجهه متجهم حد الانفجار.

كان يوما ثلجياً عاصفًا. رحل وحيدًا في هذا الطقس المُهلك، رافضًاً الاذعان الى النصائح، بل أصرَّ على العودة بعناد مستميت الى مقرهم والذي كان يبعد بحوالي أربع ساعات سيرعلى الاقدام في الأيام المشمسة.

شعرتبقشعريرة تغمر جسدي، ولم أجدتبريرا لقراره ترك المكان في ظل هذا الجو المظلموالمخيف، وفي ظل هذا الإصرار المجنون على شق طريق مبهمةالمعالم، وهو في حالة نفسية حاد. ترأى لي كمن يفكر بالانتحار.

كنت أبحث عن تفسير السبب لغضبه الذي انفجر في لحظة، واصراره الذهني على مواصلة المسيرة بمفرده في هذه الوديان العميقة التي تغدو خطرة عندما تثلج السماء ولا تنقطععن السقوط. لابد وأن تركيزه كان منخفضاً ورؤيته ضبابية وفكره مُضْطَرِب. كل هذه العوامل مجتمعة كانت كافية أن تلقي به في متاهة شاقة.

وفي صباح اليوم الثاني توقفت الثلوج عن الهطول والسماء كانت صافية كالزجاج، والشمس تضيء بقوة خاوية من الحرارة، وكأن السماء لم تكن قبل عدة ساعات في حرب ضروس مع الأرض وهي تغرقها بوابل من زخات الثلج.

خرج صادق في رحلة الصيد كعادته بعد ان أكل فطوره الدسم. لم يدم مكوثه طويلا في رحلته تلك، حتى عاد صادق أدراجه بسرعة لينقل إلى رفاقه خبرا سيئاً إلى مقر الحزب الكردي، بعد ان تأكد بأن بهزاد كان يرقد متجمدًا بالقرب من كهف مفتوح ليس عميقاً ونزولا الى الوديان القريبة عنا دون إعطاء مزيد من التفاصيل…

بادره أحدهم بسؤال بينما علامات الحزن ترتسم على وجهه:

  • هل هو ميت؟

اجابه صادق بتردد، كمن غير واثق من الأمر:

  • لا أعلم، لكن جسده بدا جامدًاً والثلج غطاه، لذلك هرعت اليكم لإبلاغكم على أمل أن تتمكنون من إنقاذه.

وحالما وصلتهم الأخبار،أبلغونا بالفاجعة وطلبوا منا المساعدة الطبية لإنقاذ رفيقهم. لذلك قمنا بتجميع قوة صغيرة، كنتأحدهم، بينما كانت قوتهم مجهزة ببطانية وقطع الحطب تمهيداً لإشعال النار. وخلال مسيرتنا على طول المسافة، كنت ألقي النظر الى الطريق الذي سلكه.شعرت، انه كان يكابد كثيراً وهو وحيد في وسط طبقة بيضاء تغطي الجبال والوديان، والرؤية كانت سيئة،والتعب قد نال منه واستنفد قواه العضلية، حيث لم يبق سوى ثلاثةأمتار نحو كهف صغير. كانت توجد عيدان وبعض الأغصان الجافة وولاعة (شخاطة) حيث وضعت هناك للاحتياط. كان بإمكانه ان يحمر بها نار ويوقد توهجاً في جسده الذي استحال صقيعًا ليعود إلى حالته الطبيعية ويستعيد الحياة.

مشاهداتي لأثار اقدامه الناحلة المتعثرة في الثلوج تؤكد فشله في محاولاته المتكررة واخفاقه الكبير في قدرته للعودة الى الطريق، بعد ان انزلق منه على المنحدر المتواري تحت أكوام الثلوج، والسعي بكل طاقته في التسلق إلى الأعلى.

كان يترنح عاجزاً يمنةً ويسرةً حتى صار خائر القوى، وغزاه الظلام بعد ان امتص ما تبقى من ضوء النهار الباهت، وتضاءل منسوب الأمل مع تسلل اليأس إلى نفسه مع استمرار الفشل من محاولاته المتكررة.

لقد خيم على المكان سكون مطبق، والريح الباردة قد أطبقت على جسده النحيل في عناق قاسٍ وأمسكت بخناقه بعنف حتى أنهكت قواه، ووقع صريعاً مستسلماً إلى نوم هادئ قرب صخرة كبيرة اتخذها كجدار آمن، واتكأ عليها ولاذ في صمت عميق، بعيداً عن وقع بساطيل الجنود وأزيز رصاصات الموت.

عندما وصلنا إلى الموقع، كان جسده قد تجمد بالفعل كما لو أن دجاجة ملفوفة في كيس مصمم خصيصًالهذا الغرض قد تُركت في المجمدة وظلت هناك في إلى أجل غير مسمى. قمنا بإشعال النار وتركناه بالقرب منها حتى تتسرب الحرارة إلى جسمه وتساعده على تحريك الدم.

كنت أتمعن فيه عن كثب. أخال عليَّ تلك الرحلة المشؤومة وما تمخض عنها من صعوبات: في تلك الساعة. كانت أعاصير من الأفكار قد عصفت جوارحي بقوة، وكأن صقيع الجبال ذاب على حين غرة وتدفق بسرعة لينساب مياهاً مدمرة تغرق كل شيء تصادفها في طريقها.

لقد تجمدت أطرافه من البرد وسرى الخدر في جسمه الخاوي من أي سعرات حرارية. بدت هيئته للناظر وكأنها جثة محنطة.

كانت هاوية الليل الطويل تزحف في الديجور أصداء الرعب والموت، وتختبئ في الطرقات وتحت الجليد،وتلقي ظلال من العزاء واليأس.

كنت أرنو إلى وجهه الشاحب وأتخيل وحدته في تلك الساعات العصيبة في العراء مرتعداً، وهو يصارع أشباح الموت وهم ينقضون عليه تحت جنح الظلام، وناقوس الليل يقرع في سكون بارد في عتمة الوادي إيذانا بانتهاء حمايته.

ومن نافذة الفجر تسمع تراتيل الحزن تذوب في توان صدى صوته. أرى من آثار الأقدام المتعبة فريسة يأس أليم ناجم عن محاولاته العديدة في لجة الانهيار النفسي وهو ينحرف عن الطريق ويتدحرج ليسقط من هاوية المنحدر في بحر من أكوام الثلوج التي ما فتئت تنهمر بغزارة دون توقف.

وكلما حاول انتشال نفسه من هذا الوحل الأبيض، الذي غرز نفسه فيه طواعياً، تضاءلت قدراته الجسدية وذابت طاقته الذاتية في رفد عضلاته قوة إضافية تمكنه على الصمود. وما أن رفع قدمه إلى الأعلى حتى أحسأن ركبتيه ترتخيان، وقدميه تثقلان فكأن الجليد قيدهما بالأرض.

كان يبذل جهداً إرادياً عنيفاً في مواجهة الموت الزاحف. استفحل الشعور بالوحدة يملأ بسواد عاتٍ كالرماد، انهارت مقاومته كما ينهار جسر مهترئ عندما يداهمه الطوفان. ذلك الشعور المظلم في متاهة الوحدة وصراخ الصمت الكئيب في عزلة تامة عن العالم ورياح اليأس في زحمة الإخفاق والتراجع جعله واهناً أمام قوة الطبيعة الغاضبة في سلب الحياة. كانت سياط الريح قد خدشت سحنات وجهه الرقيق، ومحت عنها رونقها.

كان جالساً بهدوء غير مألوف، يرنو إلى جهة الكهف متحسراً. ربما جال في ذهنه ذكريات مدفونة لم يألف ان يتذكره في حياته الروتينية اليومية، ذكريات الطفولة والمراهقة المجنونة، وتلهفه إلى تلك اللحظات التي قد تمدّه بشيء من الدفء، ولكن في هذا الوقت كان يمضي ساعاته الأخيرة في معركة غير متكافئة، في مواجهة عنيفة قد يكون مصيره الحتمي في عالم مجهول، عالم يختفي بخفة في نعاس الليل. عدو لم يرغب في منازلته، وإنما إصراره على التحدي أوصله إلى هذا الكمين الواسع. راح الثلج يلفه كغطاء يمتص حرارة جسمه، وافترس جسده من كل جهات، وجمد أضلاعه، وكبح خلاياه عن الحركة. لم يبق للسماء لونا ولا للوديان طعما. كل شيء صار مراً مثل الحنظل. أسدل الليل ستاره وأنهى حراسته، فتفاقم في نفسه الشعور بالعزلة حدة.

بالرغم أنه كان يميل إلى السكينة وقلة الكلام إلا وغير في تلك الساعات النادرة كانت أمنيته أن ينبعث من ذلك الصمت ضجيج وصدى أصوات يخترق الكون ويصنع المعجزات. فبرقاده على الأرض المفروشة بالثلوج قد أوعز إلى وعيه بالتوقف عن التنفس، وكأنه أراد أن يدفن خلجانه في العتمة بصمت.

راح صوته يتهدج ويضيع في صومعة البرد القارس وفي غياهب السكون القاتل وخوار الروح المستسلم، والضباب الكالح في متاهة المسيرة الضائعة،والصراخ المكتوم في عمق النسيان.

كان ذلك المنظر قد بدا لي مؤلما، بعد أن سرى وهج النار في جسده،وهمد صقيع المتجمد في عروقه،ولكن الدم لم يعد قادراً على الجريان في قلبه، فظل وجهه باهتا دون أن تغمره نسمات الحياة.

طفق جسده في الاستلقاء على الأرض، ولكن بصمت وهو يرقد في عالم آخر. شعرت بالأسى عليه.

شارك هذا الموضوع على